.jpg)
مع ما نواجه من تحديات بيئية لجهة الحفاظ على التنوع البيولوجي وحماية النظم الايكولوجية من الاندثار، بات لزاما علينا دق ناقوس الخطر، فانقراض أحد الأنواع يعني تخريبا لنظام بيئي متكامل، وهذا ما سلط الضوء عليه الخبير البيئي الراحل الدكتور ريكاردوس الهبر، في دراسة خلص فيها إلى أن انقراض عصفور تسبب في انجرافات للتربة في مناطق لبنانية، وهي دراسة جديرة بالاهتمام، وأظهر الهبر في هذه الدراسة أن هذا العصفور كان يقتات على نوع من الحشرات تفتك بأغصان وجذوع الأشجار، ومع انقراضه بفعل استخدام المبيدات والصيد الجائر، لم يعد ثمة عدو لهذه الحشرات التي تسببت بيباس الاشجار وموتها وفقدت التربة القدرة على تماسكها ما أدى إلى انجرافات كبيرة. هذا ليس سوى مثال بسيط على أهمية التنوع الحيوي في حياتنا كبشر، وأي تخريب في النظم البيئية القائمة ستكون له ارتدادات على حياة الانسان وصحته واستمراره، ولا بد من مقاربة عالم الطبيعة أيضا من منظور العلم لننقض الموروث الشعبي حيال كائنات نسجت حولها خرافات وأساطير، كالضبع الذي “يسبع” الإنسان ويقوده الى جحره، او الذئب الذي يتقصد مهاجمة الإنسان وافتراسه، والقنفذ (النيص) الذي يرمي بعضاً من الشوك الذي يغطي جلده على من يدنو منه وما إلى ذلك من مرويات لا تنتهي.
.jpg)
الوطاويط العدو الطبيعي للحشرات فعلى سبيل المثال ما نزال نربط صورة الوطواط أو الخفاش بأفلام الرعب، بمصاص الدماء، إحدى الشخصيات التي كنا نشاهدها في السينما وهي عديدة جدا مثل أفلام “دراكولا” الذي نشر الرعب بين أهل أوروبا في القرون الغابرة، ففي جزيرة سردينيا كانوا يعتقدون أن مصاص الدماء هو رجل ميت يعيش في تابوت الموتى يفيق ليلاً ليمتص دماء ضحاياه ويتحول إلى وطواط ويطير! ولا نعلم ان الوطاويط هي العدو الطبيعي للحشرات، وتقوم بتلقيح حوالى 400 نوع من النباتات والفاكهة، منها التين والمانغا، وتفرز أيضاً سماداً غنياً بالنتروجين يطلق عليه جوانو (guano).
ما يثير المخاوف هو ما نشهده من تدمير للكهوف والمغاور في سائر المناطق اللبنانية، بفعل المقالع والكسارات التي دمرت العديد من المغاور، فضلا عن العبث بالكهوف من قبل عابثين يشعلون فيها النيران ويعمدون الى قتل الوطاويط لمجرد التسلية، في حين تصرف أموال كبيرة للمحافظة على الوطاويط في أوروبا وتنشأ لها محميات خاصة، فعلى الرغم من أن وزن الوطواط يقارب 170 غراماً، فإن باستطاعته أن يأكل 500 غرام من الفاكهة أو الحشرات كل ليلة، أي حوالى ثلاث مرات وزنه.
.jpg)
لا دراسات عن الوطواط في لبنان
وقد سلط green area الضوء على هذا الحيوان الذي يعتبر الوحيد بين الثدييات القادر على الطيران، بحيث تتحول أيدي الوطاويط وسواعدها الى أجنحة تطير بها وتنتقل بالسماء المظلمة لمسافات طويلة جدا، ومن المفارقات الغريبة أن العلم لم ينجح إلى الآن في القضاء نهائيا على الحشرات والمبيدات أكثر ما طاولت الوطاويط وقضت عليها، ففي روما تكاثر البعوض، لذلك عملت بلدية روما ووزارة الصحة منذ فترة على تشييد كهوف اصطناعية لتجلب إليها الخفافيش، آكلة البعوض. وفي بعض محلات مبيعات لوازم الحدائق، يباع “بيت الوطواط” أوBox Bat ، يوضع على سطح المنزل لكي يجلب الوطاويط.
وبحسب رئيس “مركز التعرف على الحياة البرية” الدكتور منير أبو سعيد فـ “ليس ثمة دراسات عن الوطاويط في لبنان، باستثناء ما ذكره الدكتور جورج طعمة في بعض دراساته ومؤلفاته”، وأشار إلى “اننا كنا قد بدأنا العمل قبل نحو خمس سنوات مع متخصصين من جامعة “تشارلز” في تشيكيا لاستكشاف انواع الوطاويط في لبنان، بعد أن وجدنا ضرورة لتسليط الضوء على ما تتعرض له البيئة الطبيعية للوطاويط من تهديم (بسبب الكسارات) ولا سيما المغاور، وهذا ما تأكد لنا في سياق هذه الدراسة الأولية”، ولفت أبو سعيد إلى أن “هناك مفاهيم خاطئة حيال الوطواط، فالناس يدخلون الى الكهوف ولأنهم يخافون من الوطاويط يقومون بإشعال النار بهدف “تطهير” الكهوف بالدخان، الأمر الذي يؤدي الى اختفاء الوطاويط وتناقص جماعاتها”.
وأشار الى ان “هذا السبب الثالث كان وراء الإسراع في إعداد هذه الدراسة”، مشيراً الى ان “هناك سببا رابعا رئيسيا يتمثل في كثرة استعمال المبيدات التي تقضي على الوطاويط، فيما السبب الاخير مرتبط بالتغير المناخي ما يؤثر على فترة السبات الشتوي للوطاويط”.
آكلة الحشرات
وعن اهمية الدراسة والفائدة المتوخاة منها، قال: “اولاً لمعرفة الوطاويط كعلم، فخلال السنوات الماضية الى الآن اكتشفنا مع الفريق التشيكي نوعين منها لم يكن ثمة من يعلم انها موجودة في لبنان، ويمكن ان يكون هناك عدد اكبر لان ليس ثمة دراسة وافية حتى الآن، فضلاً عن ان احدا لم يتطرق الى الوطاويط كعلم ودراسة في لبنان، بمعنى ان اهمية الدراسة تنطلق من أهمية ان نعرف انواع الوطاويط الموجودة والمخاطر التي تتهددها والتي تؤكد أهمية التنوع البيولوجي في لبنان، وثانيا، توعية المواطنين على اهمية الوطواط. فعلى سبيل المثال هناك نوع صغير منها يقتله المواطنون خلال التدرب على الصيد خلال فترة الغروب، وهم لا يعرفون ان هذا الوطواط يلتهم 600 حشرة في الساعة الواحدة، وأهمية وجوده تكمن في الحد من استخدام المبيدات”.
ولفت ابو سعيد الى ان “الوطاويط انواع، بعضها يبدأ بالظهور مع المغيب وبعضها الآخر يظهر مع منتصف الليل وهناك نوع ثالث يظهر بعد هذه الفترة، وكل نوع منها يقتات على انواع معينة من الحشرات”، وقال: “هناك انواع تلتهم حشرة العث، والوطواط الذي يظهر اول الليل يلتهم البعوض، وهناك 70 في المئة من أنواع الوطاويط تتغذى على الحشرات والبعوض وهي من المفترسات الأساسية للحشرات الليلية، أما الوطاويط آكلة الفواكه فهي ضرورية لتلقيح الزهور ونثر بذور العديد من النباتات والأشجار مثل النخيل والتين وغيرهما، صحيح انها تؤثر على الأشجار ولكنها تأخذ منها بكميات قليلة جدا، ولقاء ذلك تساعد على التشجير، والآن نحاول توعية المواطنين على هذه الأنواع وأهميتها”.
وعن تلقيح الازهار، قال: “هناك نوع من الازهار يتفتح في الليل وكأنها تنتظر الوطواط لتلقيحها، وهناك انواع كثيرة من الاشجار والنباتات لا يمكن ان تنتج ثمارا اذا لم يتم تلقيحها من خلال الوطواط كالموز والاناناس، واذا لم يكن الوطواط موجودا لا تنتج ثمرا، بمعنى ان وجود بعض النباتات والاشجار مرتبط بوجود الوطواط، ونحن نعتبره الحجر الاساس للتنوع البيولوجي”.
.jpg)
أهل المغاور
وعن انواع الوطاويط، قال ابو سعيد: “اكبر وطواط في لبنان هو المعروف بوطواط الفواكه، ويصل حجمه عندما يفتح جناحيه الى متر، فيما وزنه لا يتعدى المئتي غرام، ونحن تمكنا من معرفة اماكن وجوده بمساعدة المسؤولين في (النادي اللبناني لاستكشاف المغاور) الذين ساعدونا في الدخول الى المغاور. أما اصغر وطواط موجود في لبنان فيتراوح وزنه بين 2 و3 غرامات، وهناك انواع كثيرة، ويمكن ان نكتشف انواعا جديدة ايضا لان دراستنا ما تزال قائمة كمركز إضافة إلى دراسة أنواع عدة من الحيوانات البرية وسنزودكم بها تباعا كـ green area”.
وعن أهمية الوطواط على مستوى البيئة في لبنان، قال: “القضاء على الحشرات والآفات الزراعية والمساعدة في الحفاظ على التنوع البيولوجي، فضلا عن أن سماد الوطواط يعتبر في دول مثل اميركا والأرجنتين منجم ذهب، ذلك أن روث الوطواط يباع بالكيلوغرامات، وهو من اهم وأغنى الاسمدة العضوية للزراعة، يكفي ان نذكر ان قيمة ما تم بيعه من روث الوطواط من كهف في الولايات المتحدة الاميركية بلغت ستة ملايين دولار”.
وعما اذا كانت كميات من روث الوطاويط في لبنان يمكن الافادة منها، قال: “نعم، لكن في لبنان لا توجد كميات كبيرة في المغاور، ولا نريد تسليط الضوء على هذا الامر خوفا من التخريب خلافاً لما هو الامر عليه في الخارج، حيث ثمة ملايين الوطاويط ينتج عنها اطنان من الروث”.
وأشار الى أن “ثمة طلاباً من الجامعة اللبنانية عملوا معنا كمركز ووفرنا لهم امكانية العمل ميدانيا”، ولفت الى أن “برنامج الامم المتحدة الانمائي U.N.D.P أعلن سنة 2011 – 2012 سنة الوطاويط Year Of The Bats، وشاركنا يومها في مؤتمر في مدينة تبيلسي في جورجيا بعنوان Euro Bats وكنت ممثلا لبنان في المؤتمر من موقعي كباحث في مجال اللبونات”.
وقال أبو سعيد: “منذ خمس سنوات نقوم بحملات توعية كمركز للتعرف على الحياة البرية في عاليه، وتتوج كل سنة بـ (ليلة الوطاويط العالمية) والتي تأتي في سياق أنشطة تقام بالتزامن مع بعض الدول في مختلف انحاء العالم، وذلك بالتعاون مع مؤسسات المجتمع الأهلي من جمعيات وأندية من كافة المناطق اللبنانية، فضلا عن المؤسسات التربوية، وأقمنا العديد من الندوات في مناطق عدة، وأصدرنا كتيبا تضمن شرحا عن الوطواط في لبنان، انواعه، فوائده وأهميته في التوازن البيئي، وفي هذا المجال حصلنا على جائزة من مؤسسة (فورد) العالمية للبيئة على مجمل الأبحاث التي أنجزها مركز التعرف على الحياة البرية في مدينة عاليه، وهذه الجائزة اتاحت لنا إمكانية الإعداد لحملات توعية بيئية للمدارس، وهي تمنح كل سنة مئة الف دولار لعدد من المشاريع في منطقة الشرق الأوسط، وتم اختياري في الهيئة المقررة لهذه المؤسسة، وهي تضم عشرة أعضاء مهمتنا دراسة المشاريع واختيار الأكثر أهمية لمساعدتها وتمويلها.
خرافات ثمة الكثير من المعطيات العلمية تضمنتها الدراسة، أبرزها دحض كل الخرافات والأقاويل القديمة الخاطئة التي نسجت حول الوطاويط ومنها ان “الوطواط” مصاص للدماء أو انه يهاجم الانسان ويتغلغل في شعره، وهي تنظر الى كل هذه الامور بعين العلم الذي يضعنا أمام حقيقة هذا الكائن الذي غالباً ما استحضر عوالم السحر والشعوذة. فالوطواط ليس كائنا أعمى، كما يعتقد العامة او كما اشيع طويلا حول هذا الكائن، وجميع انواع الوطاويط تبصر جيداً ولا سيما وطاويط الفاكهة، لكن الوطاويط الآكلة للحشرات تعتمد كثيرا على الاهتداء بالصدى لتجد غذاءها في الظلام الدامس، لنجد أن الوطواط كائن له دور ووظيفة في تناسق طبيعي يسترعي الاهتمام والمتابعة. ويؤكد ابو سعيد ان “الوطاويط لا تتشابك بالشعر ولا تؤذي العيون”، ويوضح أنه “في الماضي عندما كان الناس ينامون في الكهوف كان يسقط بعض صغار الوطاويط احيانا من سقف الكهف فتتمسك بأي شيء عند سقوطها”، ويضيف ان “الوطواط مصاص الدماء غير موجود في لبنان”، منوها ان “الوطواط مصاص الدماء لا يمص الدم وإنما يلعقه”، واعتبر ان “ثمة مفاهيم خاطئة على مستوى العالم حول الوطواط تم استخدامها وتضخيمها وتوظيفها في السينما”. وحول الخوف من ان الوطواط ينقل الى الانسان داء الكلب، قال: “تحمل الوطاويط أمراضا كغيرها من الحيوانات، وفي لبنان ليس ثمة امراض تشكل خطرا على الانسان”، ولفت الى ان “هناك نوعا واحدا من الوطاويط هو ناقل رئيسي لمرض داء الكلب لكنه غير موجود في لبنان”، منوها ان “الكثير من الثدييات يمكنها نقل هذا الداء”، مؤكداً ان “0.5 من الوطاويط قد تعض في سبيل الدفاع عن نفسها ولا تشكل تهديدا للإنسان الا اذا لمسها”. ولفت الى ان “البروتين المضاد للتخثر المستخرج من لعاب الوطواط المصاص للدماء يذوِّب جلطات الدم الخطرة بسرعة اكبر بمرتين من اي مادة قيد الاستعمال حاليا، وأن لعاب الوطواط يحتوي مخدراً يخفض إحساس الحيوان بالوخز”. تجدر الإشارة إلى أن الدراسة لما تنته بعد، وثمة الكثير لا بد من انجازه لجهة رصد الكثير من المغاور في لبنان، ذلك أن أبو سعيد، الذي اكتشف نوعين من الوطاويط غير معروفة من قبل في لبنان، لا يستبعد العثور على انواع جديدة ايضاً.