
قد يستغرب قارئ أن تكتب قواتية ما تكتبه في ذكرى 7 آيار غير المجيد! راقبت بالامس آخر خطاب للسيد حسن نصرالله، حزنت! رأيت نهاية ما، راقبت العرق المتصبب تباعاً من جبين الرجل، سمعت الصوت الذي لم يكن هادرا كما هي العادة، سمعت غضباً مكتوماً، وتهديداً لم يخرج للعلن لمرة واحدة، بقي الاصبع حيث يجب أن يبقى مستكينا بين رفاقه الاصابع، تحويه اليد المكتنزة نسبياً المزينة بخاتم الحزب، كان الاصبع سعيداً حيث هو، لم يتفلّت في ريح التهديد، أدى وظيفته التي خلقه الله لأجلها وهي استكمال صورة جسم الانسان كما أراد الله أن تكون.
مسح السيد مرارا عرقه المتصبب من جبينه ووجنتيه، وبحركة نادرة في خطاباته على مر السنين عبر البلازما، شرب عصير البرتقال وتمسّك بالكوب بيديه الاثنتين!
قالوا انه كان يعاني من انخفاض بالسكر ومشاكل بضغط الدم، لذلك ارتجفت يداه واضطر لامساك الكوب باليدين، لم يكن ذاك كوب العصير هو شي ما من الحروب التي يخضوها السيد هناك وهنالك، وبدأت الساحات تفلت من يد ضابط الايقاع، لم يكن عرقاً يتصبب لنقص في السكر، انما هي الخسائر غير المعلنة التي تتوالى، عرقه هم شبابه، شبابنا الذين يسقطون في عز الصبا في ساحات ليست هي بعزّهم ولا عزّ الوطن، يسقطون في ربيع العمر ليحيا خريف آخرين ولن يحيا.
لم يعجبني السيّد في آخر الاطلالات وحزنت، لا تستغربوا، عاد شريط الامجاد يتوالى تباعاً، أكثرها مجداً معلناً عبره شخصياً، 7 آيار 2008، بعد حرب تموز 2007.
تذكّرت حربه مع اسرائيل وإنسحابها العام 2000، خرج الرجل يومذاك مكللاً بشعبية وطنية عربية هائلة، كان رمز النضال، كان في القمة بالنسبة لهؤلاء، تُنشر صوره في ساحات العرب وكأنه الزعيم المطلق. جاء 7 آيار، تحوّل الرجل الى لعنة السنّة أولا في لبنان وخصم المسيحيين اللدود. جاء ربيع العرب فأصبح عدو غالبيتهم، اُزيلت صوره عن ساحاتهم، صار لبعضهم هو العدو قبل اسرائيل! دخل طرفاً في الحرب مع النظام في سوريا، تأكد العالم انه ليس لبنانياً ولا حتى سوريا ولا هو فلسطيني كما كان يقول على مر سنين نضاله مع العدو الاسرائيلي، تبين في النهاية كما في البداية أن الرجل ايراني، وفعلا حزنت!!
ليس سهلاً أن تنحدر الصورة من ما يشبه الايقونة، الى رجل بدأ يبدو وكأنه مطارد من عدالة البسطاء التي لا تعرف زيفاً ولا خبث السياسة ولا دجل بعض رجالاتها، لذلك هي عدالة مخيفة، تقارب عدالة السماء لانها لغة القلب الضعيف المهزوم الذي لا حول له ولا قوة الا بالله.
قارنت صورة السيد حسن في الخطاب الاخير بخطابه يوم اعلانه 7 آيار “يوماً مجيداً في تاريخ لبنان” حرفياً كما قال يومذاك، ورأيت أفولا ما في افق ما في ساحات ما … وخفت! صراحة خفت، ليس من مصدر الخوف على الرجل أو الحب بالتأكيد، وان كنت لا أكرهه بالتأكيد، لكن انطلاقاً من مواطنية صادقة، خفت على ساحات الوطن، أخشى استباحة 7 آيار جديدة انما بطرق مختلفة، وأكثر بعد، خفت على الرجل نفسه من مصير مجهول لا سمح الله اذا ما استمر في “حروبه المجيدة”، حرباً بعد حرب، وشباب أموات وأموات وأموات وكلهم لبنانيون…
هو قال يومهاً انه “يوم مجيد”، والوطن صرخ انه يوم العار، وبين المجد والعار أكثر من خيط رفيع، بينهما سماوات بحالها، شهداء لا يحصون، أرض كلما حرثت التراب لتغرز قمحاً اذ بالجراد يجتاحها لينتصب اليباس، بينهما وطن او لا وطن بكل بساطة…
الآن وبعد مرور سبعة أعوام أما زال السيد حسن يرى انه يوم مجيد؟! لا أظن، وإن كان لا يعترف. لكن ما زال الوقت متاحاً يا سيد، دائماً الوقت متاح عندما يتعلق الامر بمصير وطن، هو قرار لن يكلّف حتى كل هذا العرق الذي تصبب من الجبين في آخر الاطلالات، قرار يحتاج الى تسارع في دقّات القلب فقط من دون أن يكون يعاني من أزمة قلبية أو ما شابه، دقات القلب يكون مصدرها الانفعال في اعلان حب جديد لا يقاربه أي حب في العالم بعد الله، حب لبنان، إن أنت اعلنت هذا الحب هذا الانتماء هذه العودة، لعاد كل شيء الى تراب الوطن زهراً، لعاد الشباب الينا ربيعاً وليس نعوشاً، لعادت الينا ثورة الارز وكرامة الشهداء، ولاحتفلنا معاً في يوم مجيد تعلنه بنفسك ولا تتصبب منك قطرة عرق واحدة انما يتصبب لبنان، أهذا كثير في الذكرى السابعة على يوم لعله من أسوأ أيام لبنان على الاطلاق؟!
