#adsense

فضل “الممانعة” على “المقاومة”

حجم الخط

من حيث المبدأ، وعلى الصعيد العملي أيضًا، تشكل “المقاومة” و”الممانعة” في شرقنا الأوسطي وجهين لعملة واحدة، الأولى عملة تجارة محلية لا حرج من المبالغة والمزايدة في تسميتها، والثانية عملة تجارة خارجية تقتضي مصالح دولها “تلطيف” تسميتها حفاظًا على خط الرجعة مع الخارج، كما ظهر بوضوح يوم أبدت كل من سوريا وإيران استعدادهما الكامل للتعاون مع “الشيطان الأعظم” في حملته العسكرية على “داعش”.

ولأن الالتزام التام بمفهوم “المقاومة” يفترض اللجوء إلى السلاح لتغيير الأمر الواقع بينما يقتصر تبني سياسة “الممانعة” على اتخاذ موقف رفض كلامي لدبلوماسية الأمر الواقع لا يلغي قنوات التواصل مع الخصم… تجنبت دولتا “الممانعة” في المنطقة (سوريا وإيران) تبني سياسة “المقاومة” تحاشيًا لما تفرضه هذه الحالة من تحد لـ”الشيطان الأعظم”، إن لم يكن للمجتمع الدولي بأجمعه، مكتفية بتحميل تبعاتها لتنظيم حزبي يعمل خارج حدودها… ومسؤولياتها المباشرة.

قد لا توجد في العالم لغة أطوع من اللغة العربية في صياغة الشعارات الآيديولوجية وترويج التسميات السياسية، وإن كانت على غير مسمى أحيانًا. مع ذلك، ورغم فارق “حرارة الإيمان” في القضية المشتركة وتشعباتها الجانبية أحيانًا، أثبت حلف “الممانعين” و”المقاومين” أن طرفي التورية الكلامية يكمل بعضهما البعض، سياسيًا واستراتيجيًا… لولا أن التطورات الإقليمية، السياسية والميدانية، أخذت تفرض على “المقاومة”، في الوقت الحاضر، تهذيبًا مسلكيًا للعبتها المحلية في لبنان.

في هذه الخانة تندرج، على سبيل المثال لا الحصر، ظاهرة مهادنة المقاومة للدولة اللبنانية دون التخلي عن الدويلة “الحزباللاوية”. وأبرز تطبيقاتها كان إطلاق حوار سياسي مع خصمها المحلي، تيار المستقبل (إنجازه الأبرز نفسي لا سياسي) والقبول بشمول الخطة الأمنية الرسمية عاصمة “المقاومة” في المنطقة، الضاحية الجنوبية لبيروت (وإن بلمسات تراعي واقع المنطقة).

ربما حان الوقت لأن تبدأ المقاومة استشعار حدود نفوذها في لبنان في ظل قيود التركيبة الطائفية لصيغته السياسية، فبعد انقضاء أربع سنوات على “تجندها” للدفاع عن نظام الممانعة في دمشق، لا تزال عاجزة عن تعديل ميزان القوى لصالح “الممانعة” أو ضمان الحصيلة النهائية لمعركة سوريا. وبعد نحو السنة على شغور منصب رئاسة الجمهورية في لبنان، لا تزال عاجزة عن إيصال مرشحها، الجنرال ميشال عون، إلى سدة الرئاسة.

إلا أن الظاهرة الأكثر دلالة على تراجع الثقلين العسكري والسياسي للمقاومة جاءت مما كشفته التطورات الميدانية الأخيرة في إدلب وحماه ومحافظة درعا من أن “الممانعة” بدأت تستنزف “المقاومة” وتربكها، وأن توسع رقعة تورط “المقاومة” في حروب المنطقة بدأ يضعفها بشكل قد يعتبر خدمة مجانية لإسرائيل.
إذا صحت تقديرات مراجع لبنانية معنية بأن عدد “شهداء الواجب القتالي” في صفوف “حزب الله” بات يناهز الألف قتيل، يصبح من موجبات حزب الله وضع “جردة حساب” واقعية عما جنته المقاومة من تورطها في دعم نظام الممانعة الأوتوقراطي في دمشق مقارنة بما جنته إسرائيل.

رغم أن دعوات الكثير من السياسيين اللبنانيين إلى “لبننة” “حزب الله” ذهبت أدراج الرياح، ورغم أن خطاب الحزب بعد بدء “عاصفة الحزم” السعودية في اليمن أوحى بأن عروبة “المقاومة” في لسانها لا في يدها- وربما لم يكن يومًا كذلك- فقد يكون إقدام الحزب على وضع هذا الحساب الامتحان الأخير للبنانيته.
ومع التسليم بأن من الصعوبة بمكان تقويم الخلل اللاحق بـ”ميزان الردع” بين إسرائيل والمقاومة من جراء سنوات الاستنزاف البشري والعسكري في سوريا والعراق، يبقى لافتًا أن إسرائيل، وإن لا يبدو أنها في وارد فتح جبهة حربية مع “حزب الله” حاليًا، ما زالت تراهن على استمرار هذا الاستنزاف لسنوات مقبلة… ومكلفة قطعًا لـ”حزب الله”.

المصدر:
الشرق الأوسط

خبر عاجل