
منذ 1977، شرع لبنان في شراكته مع الاتحاد الاوروبي. وفي حين شكل الاتفاق الموقع عام 2002 والذي ترافق مع خطة عمل السياسة الاوروبية للجوار اطارا للعلاقة بين الجانبين، تركز التعاون في الفترة الحالية على 3 اولويات هي العدالة والنظام الامني، والتماسك الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.
واذا كان عام 2015 تميز بتجديد القيادة الاوروبية للاتحاد عبر الانتخابات، فان البارز في هذا الاطار هو ان هذا الاستحقاق تزامن ودعوة اوروبية الى مراجعة لمستقبل السياسة الاوروبية للجوار في ضوء التطورات المهمة في المنطقة. مراجعة طاولت “طراطيشها” لبنان.
في مقابلة مع صحيفة “النهار” لمناسبة “يوم اوروبا”، قومت سفيرة الاتحاد الاوروبي انجلينا ايخهورست التعاون الاوروبي – اللبناني، فسلطت الضوء على اولويات الشراكة داعية الى المضي قدما في اتجاه قيام “ديموقراطية صلبة” وآملة في توافر القرار السياسي لذلك.
* اطلقت بعثة الاتحاد الاوروبي ايام “التعاون اللبناني- الاوروبي”. ما هو الهدف منها؟
– يعني الحدث (في 8 و9 أيار) الشركاء الذين تبدلت حياتهم بفضل دعمنا. انها مناسبة نناقش فيها امورا حساسة جدا ولكن بطريقة غير سياسية. المتحدثون هم اصدقاؤنا اللبنانيون الذين يطرحون على الحضور ليس فقط المشاريع التي ينفذونها ولكن ايضا توصياتهم لاوروبا (من اجل شراكة افضل). نود ان نرى هذه الامور ضمن عملية السياسة الاوروبية للجوار التي تخضع للمراجعة الآن بعد اطلاقها في برشلونة (…) قد يجوز القول اننا نسينا بعض الابعاد في عملنا المشترك، او بالاحرى لم نسلط عليها الضوء في شكل كامل.
*هل يمكن ان تكوني اكثر دقة، ولا سيما لجهة اولويات التعاون المستقبلي مع لبنان؟
– ينسى البعض ان تقدما كبيرا أحرز خلال 20 عاما. لا يمكن ان اتحدث عن المستقبل من دون ان اعود الى الماضي. نحاول منذ 1995 المساعدة في مسائل باتت على الطاولة اليوم. عقدت اخيرا اجتماعا مع 10 رؤساء بلديات كبيرة. ومن الطبيعي ان يتحدثوا عن التحديات التي يمثلها وجود لاجئين سوريين، ولكنهم يشيرون ايضا الى مسائل تتعلق بأشخاص غير قادرين على دفع بدلات الطبابة، والى عدم الاهتمام بالعجزة وغيرها. صحيح ان ثمة مشكلة في البنى التحتية والكهرباء والمياه والنفايات راهنا، الا ان عدم التمكن من دفع بدلات الطبابة وسد الحاجة من المازوت كان واقعا على المستوى اللبناني، وقبل الحرب في سوريا، حتى تبين اليوم ان المسائل اختلفت. ابلغني رئيس بلدية، مثلا، ان 56 في المئة من الناس كانوا يعيشون تحت خط الفقر سابقا وقد ارتفعت النسبة الى 86 في المئة. هذه المسائل كانت دائما على “اجندة” الاتحاد الاوروبي. كنا نناقش بالتفاصيل تقارير التنمية البشرية في العالم العربي في بروكسيل. بدت المنطقة جامدة بلا استثمارات بين 2002 و2003 وفيها بطالة مرتفعة وتشنج اجتماعي.
وانطلاقا من ذلك خرجنا بخطط عمل مفصلة، فدرسنا الاتفاقات والتشريعات وكيف يمكن ملاءمتها في دولة تعمل. رغبنا في ابراز – وقدر الامكان – فكرة انه يمكن ان يكون بلد قريب من الاتحاد الاوروبي من دون ان يكون عضوا فيه. بعدها، ذهب لبنان في اتجاه ازمة اكبر، وعقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حصلت حرب اخرى عام 2006 وخرجتم منها. وجب انتظار عام 2008 ليبدأ لبنان العمل على برنامج اصلاح. وفي الواقع، كان ممكنا تحقيق البرنامج بين 2008 و2011، الا انه لم يكن هناك حكومة خلال نصف هذه الفترة. لنكن صريحين، ان طموحاتنا عالية جدا لكن قدرة البلاد ووسائلها للشروع في كل الخطوات كانت محدودة جدا نتيجة الظروف. هذا لا يعني ان الرؤية والاتفاقات التي على اساسها اجرينا الاصلاحات كانت خاطئة. على العكس، عندما نقرأ مجددا المستندات التي صدرت عام 2002 و2003 وغيرها نلاحظ انها ما زالت صالحة اليوم. لكن لم تتوافر الوسائل المناسبة وربما في بعض الاحيان الارادة السياسية للقيام بذلك. هناك حاجة في لبنان الى ارادة سياسية على الصعيد الداخلي لتقاسم السلطة في شكل متوازن، غير اننا لا نفقد الامل.
*لنكن اكثر عملياً، ركزتم في الاعوام القليلة الماضية على 3 قطاعات هي اصلاح القضاء،والاجهزة الامنية وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبنى التحتية. وانطلاقا مما ذكرت،هل انتم في صدد اعادة تصويب اولوياتكم للمرحلة المقبلة؟
– (…) نلاحظ ان الركائز الثلاث اعلاه ما زالت هي هي(…) ما نحن في صدد تصويبه – وهذه احدى محاسن الاتحاد الاوروبي لاننا نصوب وسائلنا ونطورها في شكل دائم- هو انه وبسبب الحرب في سوريا زاد الفقر اكثر مما كنا نتوقع، كما ظهرت نقاط ضعف النظام الى العيان نتيجة الازمة، واليوم الكل يعلم كيف هي الاوضاع على الارض وفي القرى، علما اننا نعمل مع 585 بلدية فقط (…) نحن في صدد التصويب وفقا للاولويات وفي شكل مستمر(…) المشكلة هي ان للجميع في لبنان حاجات ودور الدولة تلبيتها، كما يجب ان ندعم الحكومة في ذلك.
*اتبعتم سياسة “مزيد من الدعم لمزيد من الديموقراطية” او سياسة دعم “الديموقراطيات الصلبة”. هل فشلت هذه المقاربة في لبنان؟
– ما يجعل لبنان في وضع خاص هو الحرية التي يتمتع بها والتعددية وتعايش الجماعات وانتظام الانتخابات. هذه عناصر اساسية لـ”ديموقراطية صلبة”. في اوروبا عناصر مهمة جدا، ولا نجدها في لبنان، على غرار القضاء المستقل بالكامل والادارة المدنية للجيش والتي تحددها معايير كوبنهاغن للدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي. هذا مسار طويل الامد. لا اقول انه يجب الشروع في ذلك اليوم في لبنان، لكن ما اعنيه هو التطلع نحو ديموقراطية صلبة.
*مجددا، هل فشلتم بهذه المقاربة في لبنان؟
– السؤال الذي يطرح هو ما اذا كان لبنان نجح. انطلاقا مما اسمعه والمعلومات التي اجمعها اقول لا، ليس بعد. انها عملية طويلة الامد، وليست امتحانا نرسب فيه او ننجح. الناس خائفون جدا اليوم من خسارتهم الحرية، التعددية، والتعايش بين الطوائف. كما ان الانتخابات لم تحصل منذ 6 اعوام. هناك خطأ في مكان ما. هذا ما نسعى الى قوله الى القيادة السياسية. في الاعوام الماضية ورغم الصعوبات تمكنتم من الحفاظ على خصوصياتكم. لكنها في صدد التآكل وهذا مسيء جدا، لان الناس يعيشون في مناخ من الخوف. نعلم إلامَ تؤدي اليه دولة قائمة على الخوف. هذا لا يوحي بالثقة او يساهم في اتخاذ القرارات. يوحي لبنان بدرجة عالية من الثقة حين يتم التوافق على رئيس للجمهورية ويقول للعالم الخارجي تمكنا من ذلك رغم التحديات. ومن شأن ذلك ان يعطي مؤشرا جيدا على المستوى الداخلي والى الخارج والمنطقة (…).
*كيف يتعاون لبنان مع الاتحاد الاوروبي في مكافحة التطرف والارهاب؟
– تمكنا في اطار مكافحة الارهاب من بناء تفاهم مشترك افضل. الامر يبدو كشعار، الا ان ورش العمل التي اجريناها عن الامن في شباط الماضي، في حضور المنسق الاوروبي لمكافحة الارهاب جيل دو كيركوف نالت تقديرا عميقا. نظريا، نحتاج الى تفاهم مشترك وعندها يمكن رسم سياسات جيدة وبعدها يجب التأكد من تطبيقها. لدينا تفاهم نظري مشترك عن المشكلات وما يجب فعله. هناك ايضا قناعة لدى الدول الاعضاء في الاتحاد لجهة الحاجة الى دعم لبنان في مكافحة العنف المتشدد وزيادة الدعم الى الجيش اللبناني والامن الداخلي والامن العام وحتى الجمارك. ما نقوم به في لبنان اليوم يمثل سابقة. يبلغ مجموع الاموال المرصودة من المفوضية الاوروبية الى الاجهزة الامنية 17 مليون اورو بين 2007 و2014 وهذا يشمل ضبط الحدود.
*خصصت المفوضية الاوروبية 486,2 مليون اورو لاغراض الاستجابة الى ازمة اللجوء السوري. هل هذا الدعم يبدو كافيا مقارنة بحجم الازمة؟
– رسالتنا في هذا الصدد هي ان ما قام به لبنان استثنائي ويجب ان نواصل شرح ذلك للخارج(…). تحمل لبنان مسؤولية اضافية. الخوف هو من بقاء اللاجئين وعدم عودتهم الى بلادهم، وكذلك من ان تتحول الفرص المتاحة امام اللبنانيين فرصا للاجئين. هناك حاجات كبيرة جدا وستتواصل، لذلك يجب ان نواصل دعمنا. الحل الامثل يقضي بانهاء الحرب في سوريا، وما زلت اعتقد انه عندما تنتهي هذه الحرب ستكون الفرصة متاحة امام اللاجئين للعودة. يجب ابعاد هذا النقاش عن السياسة.