
لم يكن اللبنانيون في حاجة إلى سماع شهادة النائب وليد جنبلاط أمام المحكمة الدولية ليعرفوا أو يتعرّفوا إلى “إنجازات” النظام السوري ونزعته الإلغائية ومدى صَلَف مَنطِقه وممارساته التي كانت تمثل واقعاً احتلالياً أكثر منه سلطة وصاية.
قد يعجب البعض متسائلاً: لم الخوض في كل هذه التفاصيل التي حفظناها عن ظهر قلب، والجواب أنه لا بد للقضاة أن يدركوا مختلف الأجواء والمعطيات المرتبطة بأداء النظام السوري وجماعته والتي مهدت لمسلسل الإغتيالات ومحاولات الإغتيال، وبالتالي اكتشاف حقيقة النوايا وربط الحيثيات والخلفيات والأبعاد.
ولسخرية القدر، فإن شهادة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي جاءت بعد سلسلة شهادات ولا سيما للرئيس فؤاد السنيورة، التقت على إدانة النظام السوري وتعريته من آخر أوراق التين، في وقت يسجل هذا النظام هزائم ميدانية كبيرة ومتتالية وعلامات ضعف وتفكك من الداخل لن تكون آخرها عملية تصفية اللواء رستم غزالة.
وإذا كان “حزب الله”، وعبر بعض رموزه وأبواقه الإعلامية والدعائية، قد أصرّ على “التبشير” بمعركة القلمون، وعلى هزيمة المسلّحين الإرهابيين بعد ذوبان الثلج، فالواقع أن الثلج ذاب من زمان وأن الحزب لم يطلق المعركة العتيدة، بل إن أمينه العام في كلمته الأخيرة تحفّظ على الدخول في تفاصيل هذه المعركة، ولم يقدّم تبريرات لخسارة قياديين عسكريين وعدد من مقاتليه في منطقة القلمون بالذات.
وفي مطلق الأحوال، إن معركة القلمون، ولو انتصر فيها النظام السوري و”حزب الله”، ومن الصعب أن ينتصرا، فهي مجرد تفصيل ولن تعوّض الخسائر الثقيلة في بصرى الشام ومعبر نصيب وإدلب وجسر الشغور وفي حلب وريف حماه. فمسار الحرب السورية بدأ يتحوّل نوعياً لا سيما في ظل توحّد المعارضة المعتدلة ولو اضطرت أحياناً إلى التحالف مع “جبهة النصرة”.
وفي الخلاصة، بات واضحاً أن نظام الأسد الإبن يعاني حالة اعتقد طويلاً أنه بمنأى عنها، خصوصاً في ضوء التراجع المخزي للرئيس الأميركي باراك أوباما عن توجيه ضربات جوية وصاروخية للنظام رداً على استخدامه السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية مزهقاً حياة آلاف الأطفال والنساء والعجزة، فضلاً عن رهان بشار على تحييد “داعش” ووضعه في مواجهة مباشرة مع المعارضة المعتدلة.
وبناء عليه، لا بد أن يصل “حزب الله” إلى مفترق مصيري، فإما أن يصرّ على مواصلة الهروب إلى الأمام، وإما أن يعود إلى رشده، وكم ستكون هذه العودة مؤلمة، بعد طول مكابرة وتزييف وغسل أدمغة.