
خلال الأيام الأخيرة انهمكت قوة «اليونيفيل» في جنوب لبنان بنقل «رسائل الهواجس»، سواء الصادرة منها الى الجهات اللبنانية المسؤولة، أو تلك «المتضمّنة إنذارات» وردت إليها من الطرف الاسرائيلي تحت عنوان انها عاجلة ومطلوب إبلاغها الى بيروت.
تصدّرت لائحة وقائع هذه «الرسائل»، بحسب قول مصدر مطّلع لـ«الجمهورية»، إبلاغ اسرائيل قبل نحو أسبوعين إلى قيادة «اليونيفيل» إنذاراً عسكرياً طلبت منها إيصاله إلى الجهات اللبنانية المسؤولة والمعنية، ويفيد أنّ «وحدات الجيش الاسرائيلي على طول الخط الازرق بات لديها تعليمات صارمة بإطلاق النار على ايّ شيء يتحرّك في الجانب اللبناني المُتاخم لهذا الخط».
ومن منظار مصادر امنية مواكبة للوضع في تلك المنطقة لـ”الجمهورية”، ليس واضحاً بعد ما اذا كان «حزب الله» سيعتبر الانذار الاسرائيلي بمثابة تغيير من تل ابيب لـ«قواعد الاشتباك» في منطقة الخط الازرق، علماً أنّ تبنّي الحزب مثل هذا التقدير سيترتّب عليه تصاعد التوتر في الجنوب.
والمنطقة المشمولة بـ»الإنذار الاسرائيلي»، يقصدها عادة رعاة لبنانيون وأصحاب أراض زراعية، وفي حال كسرت اسرائيل تقليد عدم التعرّض لهؤلاء المواطنين اللبنانيين السائد منذ توقّف حرب عام 2006، فإنّ ذلك قد يساهم في ردود فعل عسكرية من جانب «حزب الله»، الأمر الذي ستكون له تداعيات تمهّد لتقويض الهدوء الحالي على الحدود الجنوبية.
وتلفت المصادر عينها الى أنّ تل ابيب تُدرج «إنذارها»، على أنه ردّ فعل وقائي من جانبها، استوجَبه «تغيير» «حزب الله» «قواعد اللعبة»، عقب اغتيال اسرائيل مسؤولين في المقاومة قرب القنيطرة، ومن ثم ردّ الاخيرة في شبعا، وترافق كلّ ذلك مع تشجيع الحزب أعمال مقاومة في الجولان السوري المحتلّ، وإعلان الامين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله أنّ ساحات النزاع مع اسرائيل لم تعد محصورة في مكان وزمان.
وتقود كل هذه التطورات الى بروز تقدير لدى «اليونيفيل» مفاده أنّ هناك مستجدات على ضفاف البيئة السياسية والجغرافية للقرار 1701 تبعَث على القلق، وعلى رغم أنه قلق لا يصِل مداه الى مستوى توقّع حرب إسرائيلية مباشرة على لبنان، إلّا أنه يُهدّد بهَزّ استقرار مهمة «اليونيفيل» في منطقة ما وراء خط الليطاني.
ويتمّ ضمن هذا النطاق، تصنيف المناورات الاسرائيلية العسكرية المكثفة وراء الخط الازرق، والتي باتت بمعدّل مناورة تقريباً كل يوم، بصفتها جزءاً من بواعث القلق المُشار اليه، ولكن ليس أهمّها. فالتركيز في هذه المرحلة يتمحور على مؤشرات مستجدة تجعل الوضع في منطقة القرار 1701، مهدداً بالاهتزاز الأمني نتيجة الاحداث في مناطق القلمون والجولان والقنيطرة وبيت جن، والمرشّحة للتصاعد وأن يكون لها انعكاسات على منطقة العرقوب أو شبعا اللبنانية.
والى واقعة «الانذار الاسرائيلي»، هناك وقائع إضافية تُظهر أيضاً وجود مناخ طارىء يستدرج الاحداث في سوريا ليكون لها ردود فِعل بين «حزب الله» وإسرائيل على جانبَي الخط الازرق.
ومن هذه الوقائع، أنه بعد ساعات على شنّ طائرات إسرائيلية سلسلة غارات في منطقة القلمون على أهداف لحزب الله، أبلغت القيادة الشمالية في الجيش الاسرائيلي الى قيادة «اليونيفيل» في الناقورة أنّ موقعاً حدودياً تابعاً للجنود الاسرائيليين على الخط الازرق تعرّض لإطلاق نار. ولكن تحقيق «اليونيفيل» في هذا الحادث المزعوم أظهرَ زيف الادّعاء الاسرائيلي.
وخَلص تقديرها الى انّ اسرائيل التي استنفرت قوّاتها على طول الخط الازرق بعد غاراتها على القلمون، ارادت تبرير هذا الاستنفار بافتعال واقعة أنّ نقطة عسكرية تابعة لها تعرّضت لإطلاق نار.
وفي هذا السياق تتوجّس «اليونيفيل»، حسب مصادرها، من إمكان أن يبادر مسلّحو المعارضة السورية الموجودون في بلدة بيت جن ومزارعها السورية المقابلة لمنطقة شبعا اللبنانية الى شنّ هجمات على الاخيرة، بغرض تخفيف الضغط عن مسلّحي المعارضة في القلمون في حال شنّ حزب الله هجوماً واسعاً عليهم.
وقد ينتج من هذا التطور إضرار بمقوّمات استمرار مهمة القبّعات الزرق، وذلك من خلال إمكان ان يتكرر في منطقة شبعا المشمولة بالقرار 1701، سيناريو ما حصل في منطقة فضّ الاشتباك السورية لعام 1973 في الجولان، عندما اضطرت قوة «الاندوف» بعد وصول المعارضين الاسلاميين السوريين الى تخومها وخطف عدد من عناصرها هناك، للانسحاب منها واللجوء الى المنطقة الاسرائيلية.
وكان هذا الاحتمال المطروح داخل قيادة «اليونيفيل» كسيناريو محتمَل لانعكاسات معركة القلمون على منطقة عملياتها، طرح أخيراً ضمن نطاق المشاورات الروتينية بين المستويين الأمنيين اللبناني و»اليونيفيل».
ويدعو مراقبون الى ضرورة التنبّه لإمكان حدوث انقلابات مفاجئة داخل بيئة مسلّحي المعارضة السورية الموجودين في بيت جن ومزارعها القريبة من شبعا ومنطقتها. فحتى الآن ينحصر الحضور في هذه المنطقة (بيت جن) بمسلّحي «الجيش السوري الحر» (3000 مقاتل)، وليس هناك أي حضور لـ«جبهة النصرة» أو أيّ من أخواتها. ولكن تبقى الخشية قائمة من حدوث مبايعات مفاجئة بين مجموعات هذا الجيش لمصلحة «النصرة»، تحديداً، أو حتى «داعش».
ومثل هذا الاحتمال مرجّح في حال احتدام المواجهة بين حزب الله و»النصرة» في القلمون، بحيث تخترق الأخيرة «الجيش الحر» في بيت جن، وتغري مجموعات منه لـ»نصرة المجاهدين» في القلمون وتخفيف العبء عنهم، وذلك عن طريق فتح جبهة مع «حزب الله» في شبعا.
