مئوية المجاعة: هكذا مات أهلي

كتبت جومانا نصر في “المسيرة”: في كتب التاريخ فصل واحد من ثلاث صفحات يحكي عن المجاعة في لبنان. ثلاث صفحات يدرسها التلاميذ في صفوف المرحلة الإبتدائية وتطوى معها الصفحة إلى ما لا نهاية. ولا تبقى في الذاكرة إلا صورة أسراب الجراد التي تغطي سماء لبنان، كل لبنان تحت عنوان الحرب العالمية الأولى- مجاعة 1915.

لكن في الوثائق التي دوّنها من عايشوا تلك الحقبة السوداء من تاريخ وطن، أكثر من حكاية ومأساة وصورة. حكايات كنا نتخيلها من فبركة أحد الروائيين أو المخرجين. لكن الصور والوثائق التي نبشتها أيدي المؤرخ اللبناني كريستيان توتل من أقبية جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين والصور التي التقطتها عدسة إبراهيم نعوم كنعان أيام المجاعة تثبت أن تاريخ لبنان مكتوب ليس فقط بدماء شهداء إنما أيضا بـ200 ألف شهيد ماتوا جوعا في حرب 1915.

سموها مجاعة الـ1915 أو إبادة لا فرق. ففي حرب يأكل فيها أب جثث أولاده أو يبيع أرضا مقابل حبة ليمون، وفي حرب تضطر الأم إلى أن تبيع جسدها مقابل كيس طحين تسد به بطون أولادها المنتفخة بسبب الجوع… هنا لا فرق في التسميات طالما أن المشهد واحد. هياكل عظمية حية تتنقل ببطونها المنتفخة في انتظار أن تلفظها الحياة.

ربما كان المطلوب أن يأتي من يخرج وثائق المجاعة في مئويتها من الأدراج ليعيد إلى الذاكرة حقبة تجاوزها السياسيون المتعاقبون واستكتروا على 200 ألف ضحية ماتوا جوعا يومًا وطنيًا أو شارعًا بإسمهم. نعم 200 ألف ضحية ماتوا جوعا هل ثمة من يشكك بعد في هذه الحقبة؟

في المئوية الأولى من مجاعة 1915 وثائق وصور من مأساة في تاريخ وطن حتى لا تبقى مجرد حكايات من ذاكرة  “ستي وجدي”.

شيء ما يشبه الإنسان البشري في صور مجاعة حرب 1915. هياكل بشرية خرج قفصها الصدري من جلدها بسبب الجوع. أب يحمل معولا ويحفر قبرًا لولديه اللذين ماتا بسبب الجوع. الصليب المصنوع من الخشب حضره سلفا، وربما كان يحضر لحفرة ثالثة تكون مقبرته بعد أيام وربما ساعات. في صورة أخرى أم تحاول أن تحتضن ولدين لكن من دون جدوى. فهيكلها العظمي بالكاد يلف ما تبقى عليها من لحم حي. نقلب الصفحة. أم تشارك نسوة أخريات في حمل لوح خشبي عليه جثة طفل. هل يكون ابنها؟ أو تراها تبحث عن حفنة تراب لتحفر فيها قبرا قبل أن يكون خيارها إما رمي الجثة في البحر أو إحراقها. ثمة كثر فعلوها في الحرب بين 1915 و1918. أحرقوا جثث موتاهم وكثر أكلوها لسد جوعهم! وثمة من ماتوا على درج بيت ما كانوا يبحثون في قبوه عن هر ميت أو كلب شارد أو جراد يفتك بالأخضر واليابس ليأكلوه ويسدوا بلحمه النتن جوعهم… حكايات وحكايات كانت حتى الأمس القريب مجرد روايات تتناقلها الألسن بالتواتر، لكن كان لا بد من توثيقها. فكيف أخرجت وثائق مجاعة 1915 من أقبية أرشيف الآباء اليسوعيين؟ ومن وثقها للتاريخ والذاكرة؟

في العام 2008 طلب الرئيس العام للرهبنة اليسوعية الأب فيكتور الأسود من المؤرخ كريستيان توتل البدء بأعمال ترميم زجاجيات كنيسة مار يوسف للآباء اليسوعيين طريق الشام التي تضررت في شكل كلي بسبب تعرضها للقصف خلال الحرب اللبنانية. أما لماذا وقع الإختيار على توتل؟ الجواب عند المؤرخ نفسه.

“منذ طفولتي كنت أتردد إلى كنيسة مار يوسف للآباء اليسوعيين. وكانت تبهرني زجاجياتها الملونة. بالإضافة إلى أنني تلميذ مدرسة اليسوعية وخريج جامعتها وأُدرِّس فيها حاليا. وفي كل مرة كنت أدخل الكنيسة كنت أنظر إلى الزجاجيات المحطمة والدمار الذي لحق بسقف الكنيسة وجدرانها إلى أن فكرت في إمكانية ترميمها. عرضت الفكرة على الرئيس العام فوضع الأمر في عهدتي وقال لي “تصرف”. لكنني واجهت مشكلة عدم وجود صور أصلية للزجاجيات. والمعلومة الوحيدة التي كنت أملكها هي أن أعمال بناء جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين وكنيستها بدأت في العام 1874 وتم إحضار الزجاجيات الملونة من مدينة ليون الفرنسية في العام 1875″.

عدم إدخال أي تعديل على طابع الكنيسة الأثري دفع ب توتل إلى التقدم بطلب من الرئاسة العامة للرهبنة اليسوعية الدخول إلى أرشيف الآباء اليسوعيين. وبدأت رحلة الألف ميل التي نقلته من ورشة ترميم زجاجيات كنيسة مار يوسف إلى توثيق مجاعة 1914. ويروي كريستيان توتل: “عندما دخلت أرشيف الآباء اليسوعيين ذهلت لوجود كم كبير من الوثائق الموضبة. لكن هدفي كان محصورا بالبحث عن معلومة ما توصلني إلى شرح ما عن كيفية صنع الزجاجيات الملونة حتى اتمكن من إعادة ترميمها. لكنني اكتشفت أن بين يدي وثائق مذهلة عن مجاعة 1914 التي عاشها سكان جبل لبنان في زمن المتصرفية العثمانية. فجأة شعرت بأنني انتقل في الذاكرة والأهداف إلى مكان آخر. مكان لم أتخيل يوما أن أكون في طياته. واكتشفت أيضا أن هذه الوثائق والصور المتعلقة بالحرب العالمية الأولى والتي توثق احداثا وصورًا عن مجاعة 1915  لم تتظهر حتى اليوم. فقررت نفض الغبار عنها وطلب الإذن من جديد من الرئيس العام للرهبنة اليسوعية بالبحث في هذه الوثائق”.

الوثائق التي أعاد نبشها توتل تعود إلى رهبان يسوعيين ماتوا بين العامين 1900 و1915. وكان التقليد المتبع في أديرة الآباء اليسوعيين يقضي بنقل كل الوثائق الموجودة في غرفة الأب المتوفي إلى أرشيف الدير. ولا يحق لأي أب يسوعي الإطلاع على أي منها إلا بإذن خاص من الرئيس العام للرهبنة. وكون توتل إبن هذا الصرح وهو مؤرخ ويدرس في جامعة القديس يوسف فقد نال الدعم والمباركة للبدء بمغامرة التدقيق والبحث في وثائق مجاعة 1915 كما دوّنها الآباء اليسوعيون، لكن بعد الإنتهاء من أعمال ترميم الزجاجيات. وهكذا كان.

غبار السنين والأيام السوداء نفضها كريستيان توتل عن الوثائق واكتشف أنها تضم مراسلات كان يتبادلها الآباء اليسوعيون في ما بينهم. وتبيّن بحسب الوثائق أنه كان هناك نحو عشرة أديرة وكان الرهبان يتبادلون الوثائق والمعلومات من بكفيا إلى بيروت ومن تعنايل إلى كسارة ومن غزير إلى عين إبل ومنها إلى منجز في عكارعبر هذه المراسلات. واستطاع توتل أن يجمع مراسلات نحو خمسة أعوام استوجبت قراءتها نحو أربعة اعوام ويقول “في هذه الفترة شعرت بأنني أعيش عزلة إرادية وبدأت تتوضح الصورة أكثر فأكثر. وتأكدت أنني سأكون أول من يذكر اللبنانيين بالمجاعة التي حصلت في لبنان قبل 100 عام والوحيد الذي أعاد نبش هذه الذاكرة. تصوري 200 ألف لبناني ماتوا جوعا ولا أحد يذكر أو يتذكر ذلك! وهل من شعور بالذل أكبر من أن يموت الإنسان جوعا؟ ألا تستحق 200 ألف ضحية يومًا وطنيًا على غرار اليوم الوطني الذي أعلنته الدولة اللبنانية في ذكرى الإبادة الأرمنية؟ هذا لا يعني أننا نعترض على إعلان يوم وطني في هذه الذكرى ويشرفنا ذلك، لكن 200 ألف لبناني ماتوا جوعًا أيضا يستحقون ذلك وأكثر!

 

الوثائق والصور التي جمعها توتل وثقها في كتاب بعنوان: “الشعب اللبناني في مآسي الحرب الكبرى 1915-1918” (Le peuple libanais dans la tourmante de la grande guerre 1915-1918) وضم 250 وثيقة من أصل 10 آلاف وكل منها موثقة بالتاريخ والمكان والظروف التي أحاطت بكتابتها. وهو ينقسم إلى أربعة أجزاء: الأوبئة والأمراض والحصار الذي فرضه جمال باشا من جهة على جبل لبنان والحلفاء من جهة أخرى على الشواطئ اللبنانية وقد دفع ثمنهما سكان جبل لبنان. وفي القسم الثاني وثائق عن المجاعةـ وفي الثالث مستندات وصور عن وسائل التعذيب التي مارسها العثمانيون في حق اللبنانيين من اضطهاد وتعليق مشانق وإصدار أحكام عرفية… وفي القسم الأخير المراسلات الشخصية التي كان يكتبها الآباء اليسوعيون بلغة بسيطة بعيدة من البروتوكول وتتضمن مناشدات وطلب مساعدة ومؤن غذائية. أما المراسلات الديبلوماسية الموجهة للسفارات الأجنبية والسلطنة العثمانية فكانت مختلفة “تصوري أنه في إحدى المراسلات وجه أحد الآباء اليسوعيين من ديره في بكفيا رسالة إلى العسكر العثماني ومما ورد فيها: “احتليتم بيوتنا وسرقتم كل ما فيها من أثاث وملابس وسطوتم على الغلال والأرزاق والأحصنة والبقر حتى الأديرة دخلتم إليها وسرقتم منها ما تريدون من أثاث وطحين وأغذية… أخذتم كل شيء لكن نرجوكم أن لا تقطعوا الأشجار. أتركوا لنا الحطب حتى نشعله وندفئ بناره أجساد الأطفال والمسنين”. ولم يتأخر الجواب. ففي اليوم التالي جاء العسكر العثماني واشعل النار في الغابة.

كمؤرخ استطاع كريستيان توتل أن يتفاعل مع الرسائل ويفك ألغاز الوثائق من خلال ما ورد فيها. فالحديث عن طقس بارد يعني أن الأب الذي كتب الرسالة كان يعيش في منطقة جبلية باردة قد تكون بكفيا أو غزير. والحديث عن الحرارة يعني أنه كان موجودا على الساحل. أما عبارة ماء البحر فكانت تؤشر إلى أن المراسلة حصلت من أحد الأديرة المحاذية للشاطئ اللبناني. لكن كانت هناك تفاصيل دينية تحتاج إلى متخصص في الشأن الكنسي. فجاءت المعونة من الأب اليسوعي بيار فيتوك الذي ساعده على فك بعض الألغاز لا سيما في مسألة الرسائل غير الموقعة والتي اعتمدها الآباء اليسوعيون بقرار من الرئيس العام للرهبنة خوفا من أن تقع في أيدي العثمانيين ويتم توقيف الراهب وتعذيبه وشنقه لاحقاً تماما كما حصل مع أحد الآباء ويدعى كاتان حيث اعتقله الجيش العثماني بعد ضبط رسائل موقعة بإسمه، وتؤرخ إحدى الوثائق حجم المعاناة والتعذيب الذي تعرض له أثناء فترة الإعتقال.

ليس سهلاً أن تسمع طفلاً يصرخ “أنا جائع” ولا تجد ما تسد به جوعه. ليس سهلاً أن ترى أمًا تطعم ابنها لحم كلب ميت أو هرة مقددة أو قطعة من جثة أخيه الذي مات قبل ساعات بسبب الجوع. ليس سهلا أن ترى أبًا يلتهم جثث أولاده ويقف أمام الكاهن ليعترف بذلك ندما. وعندما سأله عن السبب اعترف بأنه كان جائعا.

نعم حصل كل ذلك في حرب المجاعة الكبرى بين العامين 1915-1918. فهل ثمة من سمع حكاية جده وجدته؟ وهل من يتذكر بعد كيف كان أجدادنا يمنعون علينا رمي فتات الخبز لأن في مخزون ذاكرتهم صورًا عن تلك المجاعة؟ ومن قال إن الجوع والمجاعة لا يفترقان ولا يتمايزان؟

“منذ العام 1914 وحتى نيسان 1915 كان يمكن التكلم فقط عن مرحلة جوع في جبل لبنان. وهذا ما نراه اليوم مثلا في عدد من الدول الفقيرة وحتى في الدول التي تشهد حروبا وصراعات ومنها سوريا. لكن الناس لم تمت بعد جوعا. منذ نيسان 1915 بدأت المجاعة مع اجتياح الجراد الذي غطى سماء لبنان وحجب الشمس وأكل الأخضر واليابس كما هو وارد في المراسلات وهذه الجملة قرأها توتل في عدة مراسلات تبادلها الآباء اليسوعيون الذين كانوا يعيشون في أديرة بكفيا وغزير وبيروت. من حينه بدأت حرب المجاعة  وبدأت المأساة.

في وثائق مراسلات الآباء اليسوعيين صور وحكايات لا يتصورها عقل بشري. حكايات عن أكلة لحوم البشر. نعم هناك أشخاص اضطرهم الجوع لأن يأكلوا جثث الموتى وهذا مدوّن في المراسلات. وهناك أمهات كن يقطعن مما تبقى من لحمهن البشري لإطعام أولادهم. ومنهن من اضطررن لبيع أجسادهن لرجالات السلطنة العثمانية والباكوات مقابل رغيف خبز أو كيس طحين. ومنهن من فضلن الهرب والموت على الطريق مع أولادهن حتى لا يتحولن إلى بائعات هوى في سوق البغاء.

حكايات وحكايات كتبها الآباء اليسوعيون عن مآسي حرب 1915 منها ما بقي للتاريخ ومنها ما ابتلعه غبار الأيام. يقول توتل: “في إحدى المراسلات المؤثرة لفتتني رسالة لأب يسوعي يقول فيها: “كنا نبيع أحذيتنا الجلدية لشراء الخبز للأطفال”. وفي أخرى يروي أحد الآباء كيف أكل الناس الجراد حتى يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة. ربما كانوا ينتقمون منه على طريقتهم الخاصة أو ربما كانوا ببساطة جائعين. ومنهم من باع أرضه أو بيته مقابل حبة ليمون أو كيس طحين. نعم صدقوا وهذا مدوّن خطيًا في الوثائق التي تبادلها الآباء اليسوعيون بين العامين 1915 و1918. وكما في القرن الواحد والعشرين كذلك في أيام المجاعة فتجار الهيكل كانوا هناك واستغلوا مجاعة الناس فاشتروا أراض ومساحات زراعية شاسعة ودفعوا ثمنها لأصحابها إما كيس طحين أو حبة ليمون! وهذه الأسماء مدوّنة ومذكورة بإسمها الثلاثي في الوثائق والمراسلات لكننا لم ننشرها”.

في المراسلات أيضا حكايات عن أحياء كانوا يدفنون موتاهم في أقرب حديقة ومنهم من كانوا يرمونهم في البحر لا سيما بين جونيه وبيروت وهناك مراسلة من أب يسوعي من دير غزير كتب فيها: “أشعر بالحرقة لأننا وجدنا 14 طفلا يتيما جائعا أخذناهم إلى الدير وحاولنا أن نسد جوعهم بما توافر لدينا من طعام في أقبية الدير لكن نصفهم ماتوا بعد ثلاثة أيام. وفي أخرى يكتب أب يسوعي من أحد أديرة بيروت: “أنا أصلي من أجل كل هؤلاء الأطفال الذين يموتون جوعا وأقدر حزنكم عليهم لكن عندنا في بيروت حالات أكلة لحوم البشر. وأنا بنفسي شهدت على ذلك. أب أكل جثث أولاده حتى يعيش وجاء يعترف ويقول إنه نادم”.

 

انتهاء الحرب العالمية الأولى ودخول الجيش الفرنسي وتوزيع المؤن على الناس لم ينه مأساة المجاعة. فالموت بقي حليفا لسكان جبل لبنان بسبب الأمراض التي فتكت بهم واستمرت قوافل النعوش المحملة بالجثث المنتفخة البطون حتى العام 1920. من هنا تفاوتت الأرقام التي أحصت العدد النهائي لمجاعة 1915 بين 200 ألف ضحية و250 ألفا. لكن الثابت بحسب الوثائق المدوّنة والنصوص أن عدد الضحايا لا يقل عن 200 ألف. ومنها ما ورد في رواية “جبران خليل جبران التي كتبها ل ماري هاسكل بعنوان: “مات أهلي” حيث ذكر أن 80 ألفا من أهله ماتوا بسبب الجوع. وفي دراسة للآباء اليسوعيين صادرة في العام 1916 ما يثبت أن عدد ضحايا المجاعة وصل إلى 100 ألف. أما آخرها وأكثرها حداثة فتشير إلى أن الرقم شبه النهائي وصل إلى 200 ألف ضحية حتى أن عائلات انقرضت بأمها وأبيها لا سيما في بلدة كور في قضاء البترون ومن بقي عاش على نبتة الـ”لوف” البرية التي تحولت إلى تراث قروي. “لكن لا ارقام مثبتة رسميا لأن الناس كانوا يشعرون بالذل ويخجلون من أن يحكوا قصصهم المجبولة بالموت على الطرقات أو بأكل جثث أولادهم لتسد جوعهم أو ببيع أجساد بناتهم ونسائهم من أجل كيس طحين أو قطعة أرض بهدف الحصول على حبة ليمون أو لأن أحدهم لم يفتح الباب لجاره الذي كان يشحذ رغيف خبز ففضل أن يقفل الباب في وجهه ويحتفظ به لإطعام أولاده الثلاثة على مدى أسبوع!”

هي قصص مطوية في ذاكرة تاريخ لبنان. قصص قد لا يستوعبها عاقل بشري. لكنها حصلت في مجاعة 1915 التي حصدت نحو 250 ألف ضحية من أصل 400 ألف كانوا يشكلون مجموع سكان لبنان.

مجاعة؟ إبادة؟ سموها ما شئتم. المهم ألا تتحرر من ذاكرة اللبناني أو تموت مع ضحايا المجاعة.

فالتاريخ كتب كلماته عن مجاعة 1915 في فصل واحد وعلى ثلاث صفحات. لكن التاريخ لا يرحم فكيف إذا كان يحمل في طياته وثائق وصورًا تؤرخ لأكثر من مئوية ؟

هي قصة ذاكرة فهل ثمة من يريد ان يتذكر معنا فصولا من مجاعة 1915؟

 

* الصور من أرشيف الجامعة اليسوعية وكتاب كريستيان توتل

* صور خاصة من مجموعة ابراهيم نعوم كنعان تنشر بإذن خاص من السيدة نايلة كنعان عيسى الخوري.

ابراهيم نعوم كنعان أول مراسل حربي

في العام 1915 حمل ابراهيم نعوم كنعان كاميرته وجال بها في أرجاء متصرفية جبل لبنان ليلتقط بعدسته صورًا عن مأساة المجاعة. يومها كان يشغل منصب رئيس الجمعيات الخيرية في المتصرفية العثمانية ومن خلال موقعه الرسمي تمكن من النزول إلى الشارع والتقاط صور عن تلك الصفحات السوداء من التاريخ لتتحول لاحقا إلى ذاكرة مؤرخة بالعين المجردة عن مجاعة 1915. ولولا موقعه الرسمي لما تمكن من التنقل براحة وحرية خصوصا أنه كان يتولى مهام تهريب أكياس الطحين، على ما يقول حفيده إميل عيسى الخوري.

100 عام والصور التي التقطها ابراهيم  بقيت محفوظة في صندوق خشبي “وهذا الفضل يعود إلى والدتي التي كانت تحمل معها صندوق صور والدها وتهرب به من مكان إلى آخر خصوصا أن بيتنا عند خطوط التماس في منطقة السوديكو كان معرضا للقصف والسرقة في كل لحظة. 100 عام ولم تفتح نايلة كنعان عيسى الخوري صندوق الصور التي التقطها والدها في حرب المجاعة الكبرى بعدما تعلم هواية التصوير من ابن أخيه وتمكن من شراء كاميرا والنزول بها إلى الشوارع على رغم بطش العسكر العثماني وسياسة الإرهاب والقتل التي كان يمارسها في حق اللبنانيين الأحرار.

100 عام والصور محفوظة في ذاك الصندوق حتى جاء اليوم الذي قرر فيه الحفيد إميل عيسى الخوري إعادة فتحه وهنا كانت المفاجأة: “عندما علمت أن المؤرخ كريستيان توتل يعمل على جمع وثائق الآباء اليسوعيين عن مجاعة 1915 اتصلت به وبدأ التعاون. عندما فتحت الصندوق كانت هناك 23 صورة التقطتها عدسة جدي عن تلك المرحلة لكنها كانت في حال مزرية. حملت الصور إلى أحد الأستديوهات وتولى متخصصون عملية تأهيل وترميم الصور القديمة التي استغرقت نحو 3 أشهر. بعدها تمكنا من إقامة معرض الصور في الجامعة اليسوعية”.

لم يكتف ابراهيم نعوم كنعان (ولد في العام 1887 في بلدة عبيه في عاليه) بهواية التصوير وشغفه بالتاريخ فعمد إلى تطويرهما ووضع عددًا من الكتب والمؤلفات عن لبنان وبيروت. توفي في العام 1984 عن عمر يناهز ال97 عاما لكن أرشيف صوره الذي يخلد حقبة من تاريخ لبنان بقي ليخبر عن ذاك اللبناني الذي حمل الكاميرا في حرب المجاعة الكبرى وقال للعثماني: “التاريخ سيذكرك يوما من خلال هذه الصور”.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل