
الحريّة الدينية طريق السلام
للمطران ميشال عون
أصحاب السعادة النواب، فضيلة الشيخ،
سعادة قائمقام جبيل، حضرة رؤساء البلديات وممثلي الأحزاب ورؤساء الجمعيات،
إخوتي وأخواتي الأحباء،
سأتناول في كلمتي نظرة الكنيسة إلى الآخر المختلف إنطلاقًا من القناعة التي عبّر عنها آباء المجمع الفاتيكانيّ الثاني في التصريح حول علاقة الكنيسة بالديانات غير المسيحية. ففي المقطع المخصّص للديانة الإسلامية يقول: “وتنظر الكنيسة بعين الاعتبار أيضًا إلى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد الحيّ القيوم الرحيم الضابط الكل خالق السماء والأرض المكلّم البشر. ويجتهدون في أن يخضعوا بكلّيتهم حتى لأوامر الله الخفية، كما يخضع له ابراهيم الذي يُسنَد إليه بطيبة خاطر الإيمان الإسلاميّ”. إن الحقيقة التي كانت منطلقًا لتفكير آباء المجمع المذكور هي أن البشر عائلة واحدة، لذلك أرادوا أن يبيّنوا أولاً العقائد المشتركة بين الاسلام والمسيحية من ناحية الإيمان ومن ناحية الأخلاق، ثم نظروا بعين موضوعية إلى الماضي الذي ساد العلاقات بين أتباع الديانتين ودعوهم إلى تناسي العداءات والمنازعات، لكي ينصرفوا إلى “التفاهم المتبادل وإلى صون العدالة والاخلاق والسلام والحرية” فتعمَّ فائدةُ تعاوُنِهم جميعَ الناس.
في شجبنا للقتل باسم الدين ورفضنا له بكون القتل بحدّ ذاته يخالف وصية الله “لا تقتل”، وبكونه لا يمتّ للدين بصلة، سأتكلّم عن موضوع “الحريّة الدينية كطريقٍ للسلام”، وأُعالجُه من جهةِ نظرتنا إلى الآخر ككائنٍ له كرامتُه وحرّيتُه، ومن جهةِ التزامِنا بالحفاظ على العيش معًا مسيحيين ومسلمين وبناءِ عالَمٍ يكونُ فيه كلُّ إنسانٍ حُراً بالإعترافِ بديانتِه وإيمانِه، ومتمتِّعًا بالكرامة البشريّة.
لقد اختارَ قداسةُ الحبرِ الأعظم البابا بندكتوس السادس عشر “الحريةَ الدينية طريقَ السلام” موضوعاً لرسالته بمناسبة اليوم العالميّ للسلام في الأول من كانون الثاني سنة ٢٠١١. فيقولُ قداستُه “كم هو مؤلمٌ أن نرى أن العديدَ من الناسِ في بعض المناطقِ من العالم، لا يقدرون أن يُعلِنوا أو أن يُظهِروا بحريةٍ ديانتَهم من دونِ أن يُعرِّضوا حياتَهم وحرّيَتَهم الشخصـية للخـطر. وفي بقاعٍ أُخرى من العالم، توجَدُ أشكالٌ مُستَتِرة ومُضلِّلة من الأحكام المُسبَقة والمُعارِضة للمؤمنين والرموز الدينية. والمسيحيون في وقتِنا الحاضر هم الجماعةُ الدينية الأكثر تعرُّضاً لمختلف الاضطهادات بسبب إيمانهم. ويتحمّلُ الكثيرُ منهم إساءاتٍ يومية ويعيشون غالباً في الخوفِ بسبب تفتيشهم عن الحقيقة، وبسبب إيمانِهم بيسوع المسيح ودعوتِهم الصادقة للاعتراف بالحرية الدينية. وهذا كلُّه غيرُ مقبول لأنه يُشكِّلُ إساءةً لله وللكرامة البشرية، ويشكِّلُ تهديداً للأمن والسلام، ويمنعُ من تحقيق النموّ الإنسانيّ الحقيقي والكامل”.
هذه الإضاءة على الانتهاكات التي يتعرّض لها الانسان في مناطق عديدة من العالم عرضَها قداستُه، إذ في الحرية الدينية يوجَدُ التعبيرُ عمّا يُميِّزُ الشخص البشريّ في هويتِه وكيانِه وهدفِه، والذي بفضلها يستطيعُ أن يوجّهَ حياتَه الشخصية والإجتماعية نحو الله. فإذا ما رُفضت له هذه الحرية بصورة إعتباطية، يولَدُ مجتمعٌ ظالمٌ لأنه غيرُ متناغمٍ مع طبيعة الإنسان الحقيقية، وهذا ما يؤدّي إلى غياب السلام الحقيقي والمُستديم في العائلة البشرية.
إن الحقَّ بالحريةِ الدينية يتجذّرُ في كرامة الشخص البشريّ. ومن غير المقبول أن يَتِمَّ تجاهُلُ طبيعتِه المتسامية، لأن الله خلق الرجلَ والمرأة على صورته ومثاله، وبالتالي لكلِّ شخصٍ بشريّ الحق المقدّس بحياةٍ كاملة على المستوى الروحيّ. فإذا ما مُنِعَ من الإنفتاح بكيانه الروحيّ على ما هو سامٍ، ينغلقُ الإنسانُ في ذاته، ويصبحُ عاجزاً عن إيجادِ الأجوبةِ على تساؤلات قلبه، عن معنى الحياة وامتلاكِ القيم والمبادئ الأخلاقية الثابتة.
إن الكتاب المقدّس يُظهر القيمةَ العميقة لكرامة الإنسان، وهذا ما نقرأُهُ في المزمور الثامن عندما يقول: “ما الإِنسانُ حتّى تَذكُرَه واْبنُ آدَمَ حتّى تَفتَقِدَه؟ دونَ الإلهِ حَطَطتَه قَليلاً، بِالمَجدِ والكَرامةِ كلَّلتَه. على صُنعِ يَدَيكَ وَلَّيتَه، وجعلتَ كلَّ شَيءً تَحتَ قَدَميه”. هذه الكرامةُ المتسامية، التي تُعطي الشخصَ البشريَّ القدرةَ على تخطّي مادّية الأمور والبحثِ عن الحقيقة، هي قيمةٌ أساسية لكل إنسان، ويجب أن تُعتبَر خيراً عالمياً لا يمكن الإستغناءُ عنه لبناء مجتمَعٍ موجَّهٍ لتحقيق كمالِ الإنسان.
والحريةُ الدينية هي في الوقتِ عينِه ثمرةُ حضارةٍ سياسية وقانونية لا بُدَّ مِن أن تحافِظَ عليها جميعُ الدول أو أن تسعى إلى امتلاكها. وبكونِها أيضاً خيراً أساسيًّا، يحقُّ لكلِّ إنسانٍ أن يؤمنَ بكامل حريتِه وأن يعترفَ فردياً أو جماعياً بديانتِه وإيمانِه في التعليم، وفي المنشورات والكتب، وفي العبادة وممارسة الطقوس. كما يحُقُّ لكل إنسانٍ إذا ما رَغِبَ في أن يعترفَ بديانةٍ أخرى، أن ينتميَ إليها دون مواجهةِ أيةِ حواجز، وهذا ما لا نراه في غالبية البلدان العربية حيث حرية الضمير لا تزال غائبة.
إن النظرة المسيحية إلى الآخر تنطلق من الاحترام العميق لكل انسانٍ في قناعاته وخياراته لا سيما عندما تُبنى على الخير وتسعى إليه. كما تنظر باحترام إلى كل انسانٍ في بحثه عن الله في الديانة التي يختار، ايمانًا منها أن لدياناتِ العالم الكبرى مساهمةً جُلّى في نموّ الحضارة. هذا لأن البحثَ الصادقَ عنِ الله قادَ الشعوبَ إلى احترامٍ أكبر لكرامةِ الإنسان. فالجماعاتُ المسيحية مع ما تَحمِلُه من إرثٍ في القيم والمبادئ، ساهمت بقوةٍ في وعيِ الأفرادِ والشعوب لهُويتِهم وكرامتِهم، وفي نموِّ الأنظمةِ الديموقراطية، وفي تأكيدِ حقوقِ الإنسان والواجباتِ المتبادَلة.
وجواباً على التعصبِ الدينيّ والعدوانية تجاهَ المؤمنين اللذَين يُسيئا إلى حرية الإنسان العميقة وإلى المجتمع المدنيّ، نقول أن التديّنَ الصحيح الذي يربُطُ الإنسانَ بخالقه بالإيمان، هو غنىً للشعوب ولأخلاقياتِهم، لأنه يحتوي على مبادئَ وقيمٍ تُعتَبَر إرثاً لا غنى عنه. وهذا الإرثُ يُكلِّم مباشرةً عند الرجال والنساء العقلَ والضمير، ويذكّرُهم بمتطلّبات التوبة الأخلاقية، ويحثُّهم على تنمية ممارسة الفضائل، وأن يقترب الواحد من الآخر بمحبة تحت علامةِ الأخوّة، بكونِهم أعضاءً في العائلة البشرية الكبيرة.
أمام عولمةِ هذا الكون الذي يحتوي على مجتمعاتٍ متعدّدةِ الإتنيّات ومتعدّدةِ الطوائف، وأمام التطرّف الذي يشوّهُ جوهرَ الديانة ويُسيئُ إلى الإنسان في كرامته، يمكن للديانات الكبرى أن تُشكِّلَ عامِلاً مُهمًّا للوحدة والسلام للعائلة البشرية. فالمؤمنون، إنطلاقاً من قناعاتهم الدينية الخاصة، ومن البحث العقلانيّ للخير العام، هم مدعوون إلى أن يعيشوا بطريقة مسؤولة إلتزامَهم الخاص في إطارٍ من الحرية الدينية، لأن الإيمانَ العميقَ والصادق يساعدُ الإنسان، في وسط ثقافاتٍ دينية متنوّعة، على أن يُبعدَ ما هو مخالفٌ لكرامة كل رجلٍ وامرأة ويستقبلَ ككنزٍ ثمين كلَّ ما يؤولُ إلى التعايش الأخوي.
هذا العيشُ في المحبة والحقيقة نلتزمُ به نحنُ المسيحيين من جهتنا، لأننا مدعوون بفعل إيماننا بالله، أبِ ربِنا يسوع المسيح، لأن نعيشَ كأخوةٍ يلتقون في الكنيسة ويتعاونون في بناء عالمٍ حيث الأشخاصُ والشعوبُ “لا يُسيئون ولا يُفسدون، لأن الأرضَ تمتلئُ من معرفة الرب، كما تملأُ المياهُ البحرَ” (إش ١١:٩).
لقد وجَّهَ قداسةُ البابا بندكتوس السادس عشر، في رسالته عن الحرية الدينية في اليوم العالميّ للسلام، نداءً إلى جميعِ رؤساء الديانات الكبرى في العالم وإلى مسؤولي الأمم كي يُجدِّدوا التزامَهم في سبيل تنمية الحرية الدينية وحمايتِها، لا سيما التزامَهم في الدفاع عن الأقليات الدينية، التي على حدّ قول قداستِه لا تشكّل خطراً على هوية الأكثرية، بل بخلاف ذلك تُعطي فرصةً مناسبة للحوار وللغنى الثقافي المتبادل. ولكن بالرغم من هذه الدعوة، لا تزال بعض الجماعات المسيحية تتألم بسبب الإضطهاد والتمييز الدينيّ والعنف في أماكن عديدة من العالم وخصوصًا في عددٍ من بلدان الشرق الأوسط.
إن الحريةَ الدينية هي حقاً طريقُ السلام في كل المجتمعات المدنية، لأننا نعرفُ بالنورِ الذي لنا من يسوعَ المسيح أن العالمَ يحتاجُ إلى الله. إنه يحتاجُ إلى قيمٍ أخلاقيةٍ وروحية يتقاسمُها الناسُ أينما وُجدوا في هذا الكون، والديانةُ يمكنُها أن تقدِّمَ لهم مساهمةً قيّمة في بحثهم هذا لأجلِ بنيانِ نظامٍ إجتماعيٍ عادلٍ ومُسالِم على المستوى الوطني والعالمي.
وإذا كانت الحرية الدينية طريقاً نحو السلام، فالتربيةُ الدينية الصحيحة والبعيدة عن التعصّب وجهل الآخر هي طريقٌ مميز لنعطيَ الأجيالَ الجديدة إمكانيةَ أن يعتبروا الآخرَ أخاً وأختاً، يمكنُهم السيرَ معاً والتعاون فيما بينهم، ليشعرَ الجميعُ أنهم أعضاءٌ حية في العائلة البشرية الواحدة، حيث لا يُستَبعَد أيُّ إنسان. وهذا ما يرسّخ ويقوّي العيش معًا مسيحيين ومسلمين في لبنان والشرق الأوسط.
السلامُ هو بدون شكٍّ عطيةٌ من الله، ولكنّه في الوقتِ عينِه مشروعٌ نعملُ على بنائِه من دون أن يُنجَزَ بالكامل. فالمجتمعُ إذا كان متصالِحاً مع الله يكونُ أقربَ إلى السلام. غير أن السلامَ لا يعني غيابَ الحربِ وحسب، إنما هو نتيجةُ مسيرةِ تطهيرٍ وارتقاءٍ ثقافي وأخلاقي وروحي لكل إنسانٍ ولكل شعب، مسيرةٌ حيثُ الكرامة البشرية محترَمة بالكامل.
هذه هي رسالتُنا في قلب الكنيسة التي أرادَها اللهُ نوراً للأمم. فاللهُ يريدُنا، نحن أبناءَ الكنيسة، أن نبنيَ العدالةَ والسلام بسلاحٍ من نوع آخر. وهذا السلاحُ الذي تُعطينا إياه الكنيسة هو سلاحُ الإيمان الذي يقوّينا أمامَ تجربة الإنطواء على الذات بسبب الخوف، وسلاحُ الرجاء الذي يُعطينا الشجاعةَ في الشدة والمصاعب، وسلاحُ المحبة الذي يساعدنا على قبول الآخر ومواجهة الإساءة بالغفران، دون أن ننسى الذخيرةَ الحقيقية التي يقدّمُها لنا الكتابُ المقدّس عِبرَ كلمةِ الله ووصاياه القدوسة. ففي ضوء هذه الوصايا نعيشُ كمسيحيين مُحافظين على كل القيم الإنسانية والأخلاقية والروحية التي من شأنِها أن تبنيَ مجتمعاً صالحاً على أسس المحبة والتعاون والإخاء والعدالة.
فالإيمان الحقيقيّ، المبنيّ على الحريةِ الدينية التي نادى بها قداسةُ الحبر الأعظم، والتي أكّدها وطالب بها بطاركةُ الشرق وأساقفتُه في السينودس الأخير لأجل مسيحيي الشرق الأوسط، هو في النهاية السلاحُ الحقيقي الذي يساهم في تحقيق السلام، لأنه يدعو الإنسان إلى التسامي في عيش المحبة والتلاقي وإلى المحافظة على القيم والمبادئ والأخلاق. وهو قادرٌ حقاً على ذلك لأنه يساعدُ الإنسانَ على أن يستثمرَ ويُنمّيَ إمكانياتِه ومواهبَه في سبيل عالمٍ أفضل، ولأنه بالرغم من المظالم والمضايقات المادية والمعنوية يُغذَي الرجاء بمستقبلٍ يزهو بالعدالةٍ والسلام والمحبة.