كتبت نوال نصر في “المسيرة”: حفظنا من دروس التاريخ واقعة مؤلمة: جرت الحرب العالمية الأولى وأتى الجراد وبلع الأخضر واليابس وهلك سكان جبل لبنان جوعا. انتهى الدرس. نقطة على السطر.
مئة عام ونحن نختمُ هذا الدرس بسرعة، في صفحتين، في سطرين مُلخصين، في كلمتين إلا: حرب وجراد… وما تمّ قد تمّ!
قرنٌ مضى والمجاعة الكبرى في جبل لبنان مجرد سراب، خبريات عتيقة، خبريات كهول أداروا ظهورهم في قرنٍ ومضوا الى رحابٍ لا جوع فيها.
هو زمنٌ مات فيه من مات، جوّع فمات، شُنق حتى مات، قُهر فطق ومات… تعددت الأسباب والنتيجة: قتلٌ مقصود!
هو زمنُ السلطنة العثمانية والحلفاء وجمال باشا وأوهانس باشا والمتصرفية والجندرمة والوالي والآستانة. هو زمنُ المذلة. هو زمنُ البطش العثماني في كل الإتجاهات.
يُقال إن البطنَ الملآن لا يفهم بالجوع! بطونكم ملآنة؟ حطموا ولو لمرة الجوامد واصغوا لحقيقة ساطعة مثل الشمس أقفلنا عليها بمفتاحٍ صدئ ورميناه مئة عام في البحر!
حين ينجح الإنسان يقول فعلت وفعلت وفعلت وحين يخسر يقول: هو القدر!
هذا ما ظنه جدي يوسف (مواليد 1908) قبل مئة عام بعدما فقد والديه في الحرب العالمية الأولى واختفت شقيقته أمال (خمس سنوات) في المجاعة ولم يبق له إلا شقيق أصغر إسمه الياس (ثلاث سنوات) فهمس في أذنيه: “قدرنا يا حبيبي أن نموت مئة ألف مرة ونحن أحياء، قدرنا أن نفترق عن عائلتنا، أن تُفرقنا المجاعة، أن تُدمرنا، أن تسحقنا، أن تجعلنا يتامى مشردين مقهورين جوعانين لكنني الآن معك وسنبقى معا”. بكى الياس كثيرا وراحا معًا، يدا بيد، يبحثان عن سبل حياة في زمن الموت.

“يقود القدر من يتبعه ويجر من يقاومه”. هذا مثل. جدي يوسف جرّ “القدر المفروض” وشكل الإستثناء وكبر كثيرا الى حدود المئة عام نكاية بالعثمانيين وظل يُخبر طوال قرن إلا أربع سنوات حكايته مع المجاعة… فماذا كان فيها؟
كبر يوسف قويا، عنيدا، قبضته مثل الحديد، لكنه بالكاد “فك الحرف”. لم يتعلم في المدارس لكن الحياة علمته الكثير. دخل بلدية بيروت وترأس العشرات فيها وأصبح قبل الظهر اللحام الشهير “أبو نقولا” في منطقة التباريس، بالقرب من كنيسة مارمارون، ورئيس قسم عمال التنظيفات في بلدية بيروت بعد الظهر. صنع أبو نقولا نفسه بنفسه لكنه لم ينسَ أمرين: شقيقته أمال وفصول المجاعة. تزوج وأنجب أمال، طفلته الجميلة التي شبهها منذ ولدت بشقيقته وأعطاها إسمها، وراح يُخبر أولاده أخبار حرب ال 14 وكم نام وشقيقه على أمل أن تنضج طبخة البحص. وذات يوم ربيعي، بعد أكثر من عشرين عاما، دقّ باب البيت. فتحت أم نقولا فوجدت رجلا يحمل طفلا ويُرافقه طفلان. ألقى التحية. ردت. سألها عن رب البيت. نادت أبو نقولا. أتى. سأله عن هويته فأجاب بتأتأة: تيسير الحلاق، سوري من الشام، تزوجت أختك أمال وهؤلاء الأولاد أولاد أمال. كانت مفاجأة. سقط أبو نقولا أرضا. لم يستوعب. بكى. أمال لا تزال حيّة.
أتت أمال. تعانقا كثيرا. وأخبرته ما حصل منذ كانت في سن الخامسة، في حرب المجاعة، تبحث عن لقمة الى أن أصبحت اليوم إم يوسف (سمت إبنها البكر على اسم شقيقها يوسف): “ضعت. بحثت كثيرا عن شعير، عن حبة قمح، عن قوت، وصرت أمشي وأمشي الى حين وجدت مجموعة أولاد يتحلقون حول بعضهم إنضممت إليهم وكانت هناك جمعية إنسانية أقلتنا كلنا الى سوريا وهناك سألت عن يوسف وعن الياس، بحثت عنكما، عبثا. نسيت جوعي وأنا أبحث وأبكي وحين أيقنت عجزي رميت بنفسي أرضا وصودف مرور إمرأة، إم تيسير، أخذتني الى بيتها وربتني وحين بلغت سن الثانية عشرة زوجتني إبنها. تحجبت. أنجبت. ولم أنسَ يوسف والياس. أردت أن أعود بعد انتهاء الحرب لكنني خفت، خفت منكما لأنني تزوجت من دين آخر، لكن حين نضجت أكثر أيقنت أنني لن أتمكن من متابعة حياتي من دون أن أطمئن إليكما. عدت. هذه بإيجاز قصتي”.
قصة أمال (أم يوسف) ويوسف (أبو أمال) إحدى القصص الكثيرة التي أنتجتها المجاعة الكبرى في جبل لبنان. في منطقة رشميا قصة مماثلة، نسخة طبق الأصل تقريبا، حيث كانت الصبايا ينتقلن من رشميا الى صيدا بحثا عن فرصة عمل في قطاف الليمون، وينمنَ تحت الأغصان أياما وليالي، وواحدة منهن هربت من الجوع في جبل لبنان الى سوريا، تركت شقيقتها نائمة تحت غصن ليمون وهربت، وهناك تزوجت شابًا من آل الأيوبي وحين انتهت الحرب عادت فعرفت أن شقيقتها لم تستطع أن تصمد أكثر وماتت من الجوع.

قصص حيّة نُقلت “من فم الى أذن” ووحده كتاب التاريخ لم يشر الى قصص المجاعة إلا عرضا لأن الفعلة عثمانيون والقتلى- الشهداء، شهداء المجاعة، بغالبيتهم مسيحيون ونحن بلاد “ما تهزا واقفة ع شوار”. لا، ليست طائفة هي من قتلت طائفة بل هم العثمانيون من نكلوا بالأرمن واللبنانيين في جبل لبنان وبينهم دروز ومسلمون. فهل مكتوب علينا أن نطمس الحقيقة كي نعيش معا؟ ومن قال إننا ننظر الى العثماني على أنه سني؟ ومن قال إن الأتراك، أتراك هذا العصر، لا يتحدثون هم قبلنا بما فعلته الدولة العثمانية التي خارت قواها وماتت؟
يُقال “إنكار الحقيقة يعني ارتكابها مرتين” ونسمع دائما “أن الحقيقة أغرب من الخيال” ونحن، في غض النظر عن المجاعة الكبرى التي ارتكب مسبباتها بشر لا مجرد جراد نكون نتجاهل إراديا الحقيقة وإن أخطر ما قد يُرتكب بحق إنسان هو تركه يتقوص ظهرا وينتفخ بطنا وتخرج أضلعه من قفص صدره ومقلتاه من عينيه وكل هذا تحت عيون “الحلفاء”!
كتبٌ قليلة كُتبت عن المجاعة الكبرى. كُتِبَ أكثر عن تعليق المشانق. “التجويع” جريمة والشنق جريمة. وغدا، في السادس من أيار، سنتذكر زملاء الكلمة الذين قضوا على مذبح القلم والحبر غير الرماديين، ممن أعدموا قوافل بأمرٍ من جمال باشا السفاح. سنتذكر الشقيقين أنطوان وسليم زريق اللذين أعدما بالرصاص في 14 أيلول والشقيقين فيليب وفريد الخازن، صاحبي صحيفة “الأرز” في جونية، اللذين استشهدا في 5 حزيران 1916، وسنتذكر عبد الكريم الخليل وسعيد فاضل عقل والشيخ أحمد حسن طبارة وعمر حمد وعبد الغني العريسي وباترو باولي وجرجي حداد والأمير عارف الشهابي، وسنتذكر أول شهيد للصحافة اللبنانية محمد المحمصاني. لن ننسى أن 29 مسلما و13 مسيحيا بينهم 14 صحافيا ساروا جنبا الى جنب بخطى ثابتة الى أعواد مشانق العثمانيين. ولن ننسى طبعا أن جرائم الغدر تتالت أيضا بعد العثمانيين فقتل إدوار صعب الذي رفع شعار “أندره فونتين”: “أن لبنان يشبه لعبة صينية عندما ترميها تدور وتدور في كل الإتجاهات ثم تجلس”. ولن ننسى أكيد نسيب المتني وكامل مروة ولا سليم اللوزي الذي عاث فيه القتلة كل أنواع الحقد فوجد مهشم الجمجمة مسلوخ اليد اليمنى التي كتب فيها أجمل ما كتب عن الحرية والحق والعدالة. رموا عليه الأسيد ورموه في أحراج بلدة عرمون.

لن نغوص في جرائم الإعدام شنقا بل دعونا نقلب صفحات المجاعة الكبرى التي حصدت ثلث شعب جبل لبنان، والثلث لا يقل بحسب غالبية الوثائق عن مئتي ألف قتيل- شهيد ماتوا من الجوع!
جدي كاد يموت من الجوع ومن يكاد يموت من الجوع يُقدّر الحياة أكثر ونعمة أن ينام المرء بلا زقزقة في البطن. نقلب أكثر في مشاهد المجاعة ونقرأ من “الرغيف”، من الرواية التي قلبنا صفحاتها بنهم ونحن صغار، للروائي توفيق يوسف عواد بعض أحداث الحرب العالمية الأولى ومشاهد المجاعة التي عاشها وأرخها في كتابه واصفا مشاهد الجوع والبحث عن اللقمة والموت على الطرقات وفي الحقول والبحث عن بقايا الشعير في روث البقر. كل هذه التفاصيل أخبرنا بها أيضا جدي. وكل من عاش تلك الحقبة لم ينس. كلهم عاشوا القهر والعذاب والجوع ورؤية الأحباء يتهاوون والأطفال يبحثون في أثداء أمهاتهم عن نقطة حليب عبثا.
يا الله كم هي التفاصيل قاسية. فلماذا فعل العثمانيون ما فعلوا؟ ماذا كانت تفعل أمنا الحنون يومها؟ لماذا لم تتحرك فرنسا؟ ثمة من يقول ويصرّ على أن فرنسا تصل دائما متأخرة. يبدو أنها لا تصل متأخرة فقط بل متأخرة جدا، فالمجاعة استمرت أربع سنوات لم يذق فيها كثيرون طعم خبز القمح أو الذرة أو الشعير. أربع سنوات بيعت فيها الأراضي الكثيرة وحتى الأعراض مقابل كيلوغرام واحد من القمح. العثمانيون كانوا أشرارًا. الأتراك (نُذكر) لا. ماذا عن فرنسا؟ قيل إنها، كما كل الحلفاء، ساهموا بإقفال الطريق بإحكام كي لا يتسرب السلاح الى العثمانيين.
وأتى الجراد. وتصحرت الأرض في آذار عام 1914 في عشرين يوما. حصارٌ عثماني. حصار الحلفاء. وجرادٌ يغزو بلا هوادة حاجبا حتى الشمس، والجراد لمن لا يعرف قادر كل سرب منه، بطول كيلومتر واحد، على التهام نحو مئة ألف طن من النباتات الخضراء يوميا وهو ما يكفي لغذاء نصف مليون إنسان مدة سنة! فهل تتصورون هذا؟ هل تتصورون ما حصل؟ تأكل الجرادة الواحدة بين غرام ونصف الى ثلاثة غرامات من النباتات الخضراء والكيلومتر المربع الواحد احتوى على خمسين مليون جرادة تقريبا! ولكم أن تتصوروا، في مخيلتكم، ما حدث… لكم أن تتذكروا أيضا وأيضا أن من صمد من سكان جبل لبنان هم من قرروا أن ينتقموا من الجراد بأكل الجراد، سلقوه وشووه وأكلوه فصمدوا! أليس حب الحياة أقوى من أي شيء ومن كل شيء؟

“اليسوعيون والحرب العالمية الأولى 1914- 1918” هو عنوان معرض وثّق لتلك المرحلة، لمجاعة البشر في تلك المرحلة، بالصوّر والبيانات، ومن الوثائق رسالة تقول: “صودر كل شيء من أحصنة وبهائم وجمال ابتداء من 11 آب 1914 حتى أن السكك الحديد صودرت وحصر استخدامها بالنقل العسكري العثماني ونظرا الى عدم توفر الفحم الحجري استخدم خشب التوت وأشجار الغابات اللبنانية وقودا للقاطرات”. رسائل رسائل وكل رسالة تتحدث عمّا يُفترض ألا يغيب في غياهب النسيان.
وماذا بعد؟
ثمة كهنة باعوا الصلبان المذهبة لإطعام الشعب الجائع. الكنيسة لا تترك شعبها. الكنيسة كانت تقف الى جانب الشعب دائما في اللحظات الصعبة.
لم ننته بعد، نقلب صفحات المجاعة، نقلب في سجلات الكنيسة ونقرأ في سجلات رعية مار جرجس في المتين عن شهر أيلول عام 1916: أنا الخوري لويس قد انتقل عن يدي الى رحمته تعالى المرحومة غاتا أرملة أسعد ساسين منصف أبو نادر وكانت وفاتها في 6 أيلول 1916.
وقد انتقل الى رحمته تعالى المرحوم يوسف شديد الصباغ بعد قبوله الأسرار المقدسة وكانت وفاته في 12 أيلول 1916.
قد انتقلت الى رحمته تعالى المرحومة عدلا ابنة كنعان الصباغ بعد قبولها الأسرار المقدسة في 12 أيلول 1916.
قد انتقل الى رحمته تعالى المرحوم ملحم ابراهيم ناصر كليب بعد قبوله الأسرار المقدسة في 14 أيلول 1916.
قد انتقلت الى رحمته تعالى المرحومة حسناء حرمة نعمه عازار من طائفة الروم الكاثوليك وكانت وفاتها في 18 أيلول 1916.
قد انتقلت الى رحمته تعالى المرحومة كفا ارملة وازن كليب في 20 أيلول 1916.
أنا الخوري لويس قد انتقلت عن يدي الى رحمته تعالى المرحومة سعدى حرمة جبرائيل الجبيلي في 20 أيلول 1916.
قد انتقل الى رحمته تعالى المرحوم جرجس أسعد كليب في 23 أيلول 1916.
قد انتقلت الى رحمته تعالى المرحومة ليلة ابنة يعقوب خيرالله وكانت وفاتها في 27 أيلول 1916.
قد انتقل الى رحمته تعالى المرحوم جرجس يزبك حجيبان وكانت وفاته في 26 أيلول 1916.
قد انتقلت الى رحمته تعالى المرحومة وردة حرمة يعقوب خيرالله أبي خيرالله وكانت وفاتها في 28 أيلول 1916.
قد انتقل الى رحمته تعالى المرحوم عيد مخول عازار وكانت وفاته في 29 أيلول 1916.
تعبتم من أخبار الموت؟ اثنتا عشرة حالة وفاة في شهر واحد، واحد فقط، في رعية واحدة، واحدة فقط، قد تعطي صورة لمن لم ينتبه بعد الى “المجاعة الكبرى” في جبل لبنان. ليس قليلا أبدا أن يموت ثلث شعب وكأن شيئا ما كان. واللبنانيون لا يريدون لا تعويضًا ولا اعترافاً. اللبنانيون ليس لهم، على أنفسهم، إلا أن يتذكروا وهذا يكفي. ألم تسمعوا بمقولة: إن التاريخ يكرر نفسه لأن الحمقى لم يصغوا إليه جيدا في المرة الأولى؟