
توسّعت مهمّة المنسّق الخاص للأمم المتّحدة في لبنان بعد اندلاع الأزمة السورية في العام 2011، لتشمل الى متابعة تنفيذ القرار 1701 ملفّ النازحين السّوريين ومهامّ تندرج في إطار تفويض المنسّق الخاص، وخصوصا تلك المتعلّقة بالحفاظ على الأمن والسلام وترسيخ الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ولعلّ الاستحقاق الرئاسي الذي حظي ببيانات عدّة من مجلس الأمن بالإضافة الى نداءات من الأمين العام للأمم المتّحدة بان كي مون يشكّل أحد ركائز الاستقرار اللبناني بأوجهه المختلفة. هذا ما تشددّ عليه الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة سيغريد كاغ التي تطلق نداء متجددّا للقيادات اللبنانية تصفه بـ”الطارئ” بغية الاستجابة للآلية الدستورية وانتخاب رئيس فورا”.
مع اقتراب الفراغ الرئاسي في 25 الجاري من طيّ عامه الأوّل، وإثر لقاء كاغ برفقة سفراء الدول الخمس البطريرك الماروني بشارة الراعي، تشير الديبلوماسية الهولندية ردّا على سؤال لصحيفة “السفير” الى أنّ هذا اللقاء “لم يكن بروتوكوليا بل جاء استجابة لدعوة البطريرك الراعي وكان فرصة للتداول بالأفكار وتبادل القلق العميق لاستمرار الفراغ الرئاسي، إنه بنظرنا عجز ديموقراطي، لأنّ رئاسة الجمهوريّة مؤسسة مهمّة جدّا”.
تضيف كاغ: “لقد ناقشنا مع البطريرك الراعي الطرق الكفيلة بالمساعدة في هذا الشأن. ليس المجتمع الدولي طرفا بالطبع، فالاستحقاق الرئاسي هو عملية لبنانية بحتة، ونحن نحثّ الزعماء اللبنانيين على العمل بمسؤولية والتحلّي بالمرونة، والى التنبّه الى الطابع الطارئ الذي يوجب إيجاد آليات دستورية فورية لملء الفراغ وإتمام الانتخاب”.
وتلفت كاغ الانتباه الى “وجود آليّات جوهرية في الدّستور، وبالتالي لا أعتقد بأن الآلية هي التي فشلت، بل إن الفرقاء لم يستجيبوا لها. فإذا خسر أحدهم مباراة كرة المضرب لا يضع اللائمة على المضرب بل على اللاعب الذي لم يراع قواعد اللعبة وأصولها. وهنا، أكرر أنّ نداءنا لملء الفراغ الرئاسي هو طارئ، وفي النهاية يحتاج المواطنون اللبنانيون الى مقاربة قياداتهم لهذا الاستحقاق بشكل جدي. هذا ما قلناه في اللقاء مع البطريرك، وهو واضح جدّا أيضا بصوت مجلس الأمن، فالمصلحة الوطنية تحتلّ الأولويّة. وكلّ يوم يمرّ بلا رئيس ينعكس سلبا على صنع القرارات في لبنان، وعلى المؤسسات اللبنانية وعلى الخدمات المقدّمة للبنانيين ومصلحة لبنان الأمنية واستقراره الاقتصادي والاجتماعيّ في ضوء تداعيات الأزمة السورية”.
وكشفت كاغ أنها مستمرّة بإجراء الإتصالات اللازمة بالوكالة عن الأمين العام الأمم المتحدة والآيلة الى الحوار في مواضيع عدة بما في ذلك الشأن الرئاسي. وتقول: “زرت مصر والتقيت الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي لأنّ الجامعة هي عضو في “مجموعة الدّعم الدّولية”، وتحدّثنا في مواضيع مختلفة بينها رئاسة الجمهورية اللبنانية. وأخطّط أيضا لزيارة السّعودية وبعدها إيران لمتابعة الحوار. لكن في النهاية، لا يسعني إلا التشديد بأنه من المهمّ اضطلاع الزعماء اللبنانيين بمهامّهم بحكمة وأن يستجيبوا لدعوات الأفرقاء”.
وعن رأيها بربط المسؤولين اللبنانيين بين الرئاسة وإتمام المصالحة بين السعودية وإيران فضلا عن انتظار الاتفاق الإيراني النهائي، تقول كاغ: “يعتقد بعض المسؤولين اللبنانيين بوجود رابط. بالطبع إنّ لبنان بلد ذي ملامح تشير الى ارتباطه بالمنطقة، كما أنّ الإقليم حاضر مباشرة أو غير مباشرة في لبنان، لكنّ ذلك لا يعفي أيّا من المسؤولين اللبنانيين من ممارسة مسؤولياتهم ومهامّهم الدّستورية وإلتزامهم بانتخاب رئيس للجمهورية. جلّ ما نطلبه، أن يمارس اللبنانيون حقهم في بلد ديموقراطي. في دول العالم أجمع ثمة ترابط بين المواضيع، لكن هذا لا يعني أنه ينبغي انتظار حلول في أمكنة أخرى وترك مواضيع داخلية يمكن حلّها فورا وهي بمتناول اليد. وأعتقد انّ الكثير من المسؤولين اللبنانيين يتقاسمون هذه الفكرة بأنّ المسؤولية لبنانية”.
يسير التنسيق بشكل ممتاز بين الأمم المتحدة والجيش اللبناني والأجهزة الأمنية اللبنانية، وتشيد كاغ بالدور الذي يلعبه الجيش في تطبيق القرار 1701، وتلفت الى التعاون الوثيق الذي أرسته بعض الدول وهي الولايات المتّحدة، بريطانيا، فرنسا والسعودية التي عملت من أجل تطوير قدرات الجيش اللبناني. وتقول: “الجيش يعمل بإيجابية في الخطة الأمنية وأمن الحدود والتعاون مع “اليونيفيل” في الجنوب”.
وتشير الى “قلق مشترك يرافقه حرص على إبقاء الحدود اللبنانية آمنة ومستقرة وحماية سيادة لبنان، ما يحتّم الدعم المستمر للجيش، وهذا ما عبّرت عنه بوضوح الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي في البيان الرئاسي، إذ طالبت باستمرار تزويد المؤسسة العسكرية اللبنانية بكل أنواع التجهيزات والتدريب إذا تطلّب الأمر”.
بالنسبة الى الحدود الجنوبية، تشير كاغ الى “وجود قلق مشترك ودائم ولا أحد يعرف ماذا يحمل الغد من تطوّرات، لكن لا يعني ذلك أن نكون مذعورين. وأعتقد بأنّ الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني يقومون بالجهود اللازمة من أجل الحفاظ على أمن الحدود، لكن الوقاية لا تعني إمكانية منع أمور من الحدوث”. وتلفت الانتباه الى أمرين جوهريين، أولهما اهمية تطبيق القرار 1701 والتنبه الى ضرورة وقف الخروق، وثانيهما الحرص الى عدم وجود جماعات متطرّفة قد تجلب ردود فعل معينة وتؤدي الى التصعيد”.
زارت كاغ الحدود الشرقية وجالت في أماكن عدّة في البقاع في رأس بعلبك وتلّة الحمرا وزحلة وسواها من المناطق، وذلك بهدف معاينة الواقع ومواءمة تقييمها النظري للحوادث هناك مع معرفتها الحقيقية لمجريات الأمور ولوضع النازحين السوريين، وتقول إنها ستتابع زياراتها في أنحاء لبنان “لأكون صوتا فعّالا للبنان ولاحتياجاته ولدعمه بشكل فاعل”.
وعمّا إذا كانت تلتقي قيادات من “حزب الله” قالت كاغ: “نعم، ونحن نحافظ على اتصال منتظم مع “حزب الله” وسنستمرّ بذلك، إنه دورنا وهو ينطبق مع توجيهات الأمين العام الواضحة جدّا وهي البقاء على تواصل مع جميع الأفرقاء”.
كاغ التي عملت سابقا في شركة “شل” الدولية للبترول في لندن، تقول ردا على سؤال عما اذا كانت الأمم المتحدة قادرة على المساعدة في ترسيم الحدود البحرية المتنازع عليها مع إسرائيل: “لا، لا يمكننا لعب دور في ترسيم الحدود البحريّة من دون أن يطلب ذلك منّا الفريقان. وأعتقد أنّ الأولوية ينبغي أن تكون لكيفية إدارة لبنان للملفّ النفطي وهي نقطة طالما تابعتها الأمم المتحدة وأشار إليها أيضا عدد من السياسيين اللبنانيين ولكن قبل كل شيء، وفي ما يخص التنقيب نحن نحتاج الى مؤسسات وقوانين خاصة واتفاق على كيفية التنقيب، وبالتالي هنالك واجبات داخلية يجب أن تنجز قبل التطرّق الى مواضيع اخرى”.
وعن تقييمها لخطّة الحكومة اللبنانية بتخفيض تدفق النازحين السوريين بعد أن فقد لبنان قدرته الاستيعابية، تقول كاغ: «أنا أقدر تحمّل لبنان للعبء الكبير في هذا الشأن وندرك كلفة هذا العبء وتأثيره على المجتمعات ونحن نقوم بعمل كبير مع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين و”اليونيسف” و”البرنامج العالمي للأغذية” لمساعدة لبنان وتوفير الاحتياجات، لكن ينبغي التوقع بأنّ غياب الحل السياسي للأزمة السورية على المدى القصير سيؤدي الى مكوث النازحين هنا لمزيد من الوقت. وبالتالي علينا أن نكون متيقنين من أنّ التعامل مع هؤلاء مطابق للمعايير الدولية لحقوق الإنسان وللقانون الدولي. ومساعدة لبنان في كيفية إدارة هذا الأمر ضرورية”.
تعترف كاغ أن الملف “مثير للحساسيات ومقلق، لكننا ندرك تماما بأنّ تمني النازح هو دوما العودة الى موطنه”، وتؤكد أن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في حوار مستديم مع الحكومة اللبنانية، وتشير الى أن الأمم المتحدة تسعى مع المانحين العرب وبلدان أخرى لتأمين تمويل مستديم لقضية النازحين”.
وعن الانتقادات الموجهة الى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين والأمم المتحدة بتقديم مصلحة النازحين أكثر من مصلحة اللبنانيين تقول كاغ: “أفهم جيدا هذا الانطباع، لكن لا أعتقد أنه الواقع. بالطبع فإن الوكالات تعمل بحسب تفويض خاص، والمفوضية يقع على عاتقها ملء احتياجات النازحين، لكن ذلك ينجز مع التطلع الى حساسية المجتمعات المحلية المضيفة. وفي خطة الاستجابة للأزمة تركيز واضح على الجهود المتخذة لمساعدة المجتمعات اللبنانية الفقيرة التي تفتقر الى الخدمات وقد تمّ دعمها. وتتعاون الوكالات الأممية في تلبية حاجات الجميع وثمة خريطة (مرفقة) توضح كيفية إفادة البلديات اللبنانية من الدعم في ما يخص النازحين السوريين”.
تشكلت مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان من قبل مجلس الأمن في العام 2013، وتقول كاغ “نحن حاليا بصدد التحضير لاجتماع محلّي على مستوى السفراء للمجموعة الدولية بدعوة ورعاية من رئيس الحكومة تمام سلام”. وتضيف: “أجندة هذه المجموعة تبدو محددة حاليا وخريطة طريقها موجودة فعليا في البيان الرئاسي الذي صدر عن مجلس الأمن الدّولي والذي تطرق الى موضوع النازحين والرئاسة وكرر الدعوة الى النأي بالنفس، وذكّر بإعلان بعبدا وكرر التشديد على الأهمية المركزية للقرار1701، وهي خارطة طريق مهمة ونحن نتطلع الى التحضير لاجتماع للمجموعة الدولية هذه السنة على مستوى وزراء الخارجية لكنّ مكانه وزمانه لم يحدّدا بعد”.