
كتب أمجد اسكندر في “المسيرة”:
في العام 1975 تُرِكنا كمسيحيين لمصيرنا. كنا وحدنا في ساحات القتال، من دون سند. لا بل أن بعض المسيحيين انضم الى قافلة المُهاجمين عسكرياً، وسياسياً وإعلامياً. وما كان يزيد في الألم والضيق أننا كنا خائفين من ظُلم كُتُبِ التاريخ. الماكينة الإعلامية للأخصام كانت رهيبة، ودول العالم كانت تدير لنا الأذن الطرشاء.
ولأننا كنا نخسر بعض الأرض، وبعض الصلاحيات، وبعض المناصب، والكثير من الشهداء، كان الأكثر إيلاماً شعورنا بأن التاريخ سيكتبه الأقوياء. ونحن كنا أقوياء في الإرادة والروح وهذا لا يكفي لإنصافك. نحن قلة في العدد، والكتب التي تُنصفنا أقل بكثير من سيل الحبر والكتب والدعايات التي طعننا بها الأخصام!
ولأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه، جاءنا الإنصاف من حيث لا ندري. لم نعد تحت رحمة الآراء التاريخية المتناقضة بحسب ميول من كَتَبَ ومن حَكَمَ. هذه المرة أرسلت إلينا العناية الإلهية المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. المحكمة التي تبحث عن قاتل رفيق الحريري، ستنتهي بأروع انتصار للمقاومة المسيحية التي واجهت الاحتلال السوري طيلة عقود من الزمن. معرفة القاتل، على افتراض أنه مجهول حتى الآن، أيضا ستصب في مصلحة المقاومة المسيحية، إذ إن من اغتال الحريري لا يبدو بعيداً من الذي اغتال بشير الجميل مثلاً.
شاهد وراء شاهد، خصوصا بعد شهادة وليد جنبلاط، بدأ يَتكوَّن أفضل توثيق أخلاقي لموقف المسيحيين الصارم ضد الظلم والشر مهما كان العدو قوياً والأصدقاء قلة قليلة. التوثيق السياسي لعسف النظام السوري وخطاياه الكثيرة بحق لبنان عموماً والمسيحيين خصوصًا، جاء تحصيل حاصل. عندما ستنتهي المحاكمة سيكون لدينا وثيقة تاريخية مسنودة بالوقائع والاعترافات. هذه الوثيقة غير خاضعة للتأويل ولا تعبّر عن رأي طرف معيّن أو عن جهة منحازة. إنها ممهورة بتوقيع أعلى مرجع دولي في العالم، أي الأمم المتحدة. سيسقط صغار الكتبة وصغار السياسة والحاقدون والمنحازون والمخبولون، والعملاء وستسقط كل التجنيات. لن تبقى سوى الحقائق الساطعة، ومنها أن المسيحيين الذين قاوموا انتهاكات السيادة اللبنانية وانتهاك الدستور، كانوا الى جانب المبادئ السامية. وأن المسيحيين المقاومين لكل أنواع الجيوش والاحتلالات، عاد والتحق بهم كل وطني غيور. وأن المسيحيين رغم ما لحق بهم من تهجير ونزوح ومجازر، عادوا الى أرضهم من دون أي مساومة على اقتناعاتهم الدينية أوالسياسية. وأن من يتمسك بالحق والقيم الإنسانية قد يخسر، لكنه يبقى ويستمر. ومن يَظلُم قد يربح ولكن غَلَبَتَهُ هي طريقه الى الزوال!
الخلاصة المفيدة أن الدولة اللبنانية المختلفة على صوغ كتاب تاريخ، وهي منذ سنوات تحاول في هذا المسعى وتفشل، أصبح لديها الحل غير المختلف عليه. إذ سيكون من المعيب أن لا تصبح مداولات هذه المحكمة وقراراتها المادة الأساس لكتاب تاريخ لبنان الحديث.