
كتب علي البغدادي: يضع تنامي دور الميليشيات الشيعية الموالية لايران ومحاولة بسط نفوذها على مفاصل الدولة الرئيسية، رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في مأزق كبير امام شركائه السياسيين ويثير فيه خيبة امل ازاء طريقة تعاطي الفصائل الشيعية السياسية، التي توفر غطاء لتلك الميليشيات مع محاولاته بسط سيطرة الحكومة على الارض.
ويبدو ان الكيل قد فاض بالعبادي، مما حمله على التوجه الى المرجعية الشيعية العليا لعرض استقالته من رئاسة الحكومة العراقية، في حال لم يتم لجم نشاط الميليشيات التي تربك الاوضاع الامنية في البلاد وتمارس عنفا شرسا ضد المكونات العراقية يشابه ما تقوم به عناصر تنظيم “داعش” من انتهاكات ضد حقوق الانسان، اذ جاء الهجوم على سجن الخالص في محافظة ديالى (شمال شرق بغداد) وتهريب قيادات ميليشيوية واعدام سجناء سنة في سياق تغول الميليشيات على القانون.
وفي هذا الصدد، تداولت الاوساط العراقية معلومات لم تؤكد رسميا من قيادة “حزب الدعوة الاسلامية” وعدد من القيادات الدينية، انها ستعقد اجتماعا مهما في محاولة لثني رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي عن تقديم استقالته رسميا الى مجلس النواب.
واشارت المعلومات الى ان “العبادي قد قدم فعلا نسخة من استقالته الى مكتب المرجع الشيعي الاعلى السيد علي السيستاني في النجف”، لافتة الى ان “من الاسباب المعلنة للاستقالة تفجر خلاف حاد بين العبادي وقادة ميليشيات متنفذة في الحشد الشعبي، وتحديدا مع قيس الخزعلي قائد ميليشيا “عصائب اهل الحق” وأبو مهدي المهندس نائب قائد قيادة ميليشيات “الحشد الشعبي” وممثل الجنرال قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” الايراني في العراق”.
واضافت المعلومات أن “الولايات المتحدة طلبت من العبادي ابعاد ابو مهدي المهندس عن المشهد السياسي كونه مطلوبا بتهمة الارهاب في الكويت، وهو ما دفع بالخزعلي قبل يومين الى التهديد باسقاط الحكومة”.
وفي السياق ذاته، ابلغت مصادر مطلعة صحيفة “المستقبل” بان “قيادات شيعية بارزة تجري محادثات مع ابو مهدي المهندس نائب قائد ميليشيا الحشد الشعبي لاقناعه بالتخلي عن منصبه الى شخصية اخرى وضمان مغادرة العراق الى ايران”.
اضافت المصادر ان “الوساطات التي يقوم بها زعماء بارزون في الاحزاب الشيعية وخصوصا من المجلس الاعلى الاسلامي (بزعامة السيد عمار الحكيم)، تهدف الى منع اي انشقاق في “الحشد الشعبي” وابلاغ ابو مهدي المهندس بان وجوده في قيادة الحشد يحرج رئيس الوزراء العراقي ويقطع الطريق على اي مساعدة اميركية للقوات العراقية في حربها على داعش”.
وأشارت المصادر الى ان “الايام المقبلة ستشهد ظهور نتائج تلك المحادثات من خلال اعلان رسمي بتعيين شخصية جديدة بدلا من المهندس، في حال قبوله بمغادرة العراق والتنحي عن قيادة “الحشد الشعبي” او بقائه في منصبه، مما يعني احتمال اندلاع مواجهة بين الحشد والحكومة العراقية خصوصا ان العبادي ضاق ذرعا بممارسات المهندس ومحاولته تجاوز صلاحيات رئيس الوزراء من خلال عصيان الاوامر بشأن تحريك بعض الفصائل المسلحة من منطقة الى اخرى دون الرجوع الى الحكومة”، مؤكدة ان “ابو مهدي المهندس يعد القائد الفعلي لميليشيا “الحشد الشعبي” لدوره في تأسيس العديد من الفصائل المسلحة المهمة والمؤثرة في الساحة العسكرية، في حين ان وجود فالح الفياض على رأس قيادة الحشد مجرد ديكور امام المجتمع الدولي لاثبات ان الحكومة هي من تسيطر على “الحشد الشعبي” وليست ايران او قيادة الحرس الثوري بالتحديد”.
ويذكر ان “ابو مهدي المهندس” واسمه الحقيقي (جمال جعفر ابراهيم)، مطلوب للقضاءين الكويتي والأميركي وللشرطة الدولية (الانتربول) لتورطه في تفجير السفارتين الأميركية والفرنسية بالكويت في 1983، ما أسفر حينها عن مقتل ستة أشخاص وإصابة 80 آخرين من بينهم رعايا غربيون.
وأظهر تحقيق مشترك أجرته السلطات الكويتية والأميركية في حينه تورط المهندس مع سبعة عشر عضوا آخرين من حزب “الدعوة” بهذه الهجمات، بعدما نجحت الشرطة في العثور على أدلة مادية تؤكد ذلك، وحكم على المهندس ومجموعته بالإعدام لكنه نجح في الفرار من الكويت باستخدام جواز سفر باكستاني متجها إلى إيران. كما وضع اسمه على لائحة المنع في دول الخليج ومصر والمغرب العربي إضافة إلى الدول الأوروبية والأميركتين، ولم يسجل خروجه من إيران سوى إلى سوريا والعراق خلال السنوات العشر المنصرمة.
ويعود المهندس إلى المشهد في بغداد بقوة وضمن منصب رفيع وبصلاحيات قد لا تتاح لنواب رئيس الجمهورية الثلاثة أو لرئيس البرلمان، وهو نائب رئيس هيئة قوات “الحشد الشعبي” المرتبطة بمجلس الوزراء العراقي والتي تضم عشرات الالاف من مقاتلي الميليشيات المحلية، حيث يمارس دور القائد العسكري والمنسق مع قوات الحرس الثوري الإيراني رغم ارتباط اسمه بالإرهاب تارة وبالجرائم ذات البعد الطائفي تارة أخرى.
وتندرج عملية اقتحام سجن الخالص في ديالى (شمال شرقي بغداد) التي اوقعت عشرات القتلى من السجناء السنة، للتغطية على تهريب احد قادة الميليشيات الشيعية من ضمن الاعمال التي تثبت تغول الميليشيات الشيعية رغم وجود محاولات لربطها بتنظيم “داعش”.
وتقول الرواية الرسمية لقيادة شرطة ديالى على لسان مدير إلاعلام العقيد غالب عطية الجبوري، إن “حصيلة الهجوم المسلح الذي نفذه تنظيم “داعش” على مديرية شرطة الخالص (شمال بعقوبة ) ليل الجمعة الفائت، بلغت 29 قتيلا من عناصر “داعش” ومقتل 8 واصابة 14 من عناصر الامن والسجناء”، لافتا الى ان “40 معتقلا خطرا بينهم محكومون بالاعدام هربوا من المديرية خلال الهجوم تمكنت القوات الامنية من اعتقال ستة منهم فقط”.
الا ان مصادر اخرى اكدت ان ما جرى في سجن الخالص كان عملية منظمة قامت بها ميليشيا عصائب اهل الحق لتهريب احد قادتها المتهمين بجرائم قتل.
وقالت المصادر في تصريح لـ”المستقبل”، ان “عناصر ميليشيا “عصائب اهل الحق” هاجمت مساء الجمعة بمركبات عسكرية سجن الخالص وحررت احد القيادات الكبيرة التابعة للميليشيا وعدداً من اتباعه، مما ادى الى فوضى كبيرة دخلت على اثرها قوات الشرطة العراقية الخاصة واعدمت 50 سجينا فيما فر العشرات من المشتبه بهم او المعتقلين المتهمين بقضايا ارهاب”، لافتة الى ان “مجزرة سجن الخالص جاءت للتغطية على تهريب القيادي في العصائب وللانتقام لتفجيرات اول امس التي استهدفت مسجدا للشيعة في ديالى “.