
لمّا جاء لم يكن كثر يريدونه أن يأتي، ولم نظن انه سيفعلها، لكنه خرق كل توقع سلبي، كل الايحاءات بأفضلية تأجيل الزيارة، كل الرسائل الامنية، كل التمنيات المبيتة من الاحتلال السوري الا يزور لبنان، لكن البابا يوحنا بولس الثاني لبّى دعوة البطريرك العنيد، وكان 10 نوّار العام 1997 وكانت حكاية.
انتظره الوطن على الطرق، عند المفارق، في الساحات، مذ نزل من الطائرة غصّت عيونه بالجموع، كانوا أكثر مما توقّع، هذا وطن صغير أخبروه من أين جاء كل هؤلاء، ما يحملهم على هذا الحماس، كل هذا الحب؟! هذا وطن محتل كيف تجرأ وخرج من أوكار الاضطهاد ليجعل من الساحات ملعب حرية ولا حرية؟! هنا وطن تفجّر فيه الكنائس من قلّة الايمان فما اتى يفعله بين هؤلاء، هكذا أوحوا له!
كان يمشي بين الناس كمن يسبح فوق غيمة، حملته القلوب، طاروا معه من مكان الى آخر، حملنا كل قلوبنا ولحقنا به، حملنا صور سمير جعجع وانتظرناه في الشوفروليه وامام كنيسة سيدة النجاة في جونيه، لم نكن نستطيع الكلام دائما، ولما كنا نفعل كان النظام الامني يقمع الانفاس اضهادا اعتقالا او قتلا.
جاء كضوء عابر في ليل لا يعرف صباحا، مرّ بين الحشود معه بطريرك الاستقلال مار نصرالله صفير، هرعنا لنصافحه أو على الاقل ليعرف أننا هنا لنعرف أنه رآنا، كنا نريد أن نؤمن انه لن ينسى أي وجه من الوجوه التي نظرت اليه، او العيون التي تلاقت معه في ثانية عابرة، لم تكن أي لحظة من تلك الثماني والاربعين ساعة التي امضاها بيننا، عابرة، كل شيء موّثق في ضمير شعب، كل لحظة صارت تاريخ.
لحقنا به ليلا الى حريصا، وهناك فوق نسجنا معا حكاية الحب تلك بين راع استثنائي ورعية لديها الكثير من الايمان لكنها تعيش الثورة المكبوتة، كانت حكاية بين قائد بمفهوم آخر للقيادة وشباب يضج بالثورة ويحتاج لمن يرعى ويوجّه ثورته، في ساعات قليلة أخبرنا الكثير مما قاله وما لم يقله عمليا، وقف الى جانب البطرك صفير يمازح الشباب، يلوّح لهم، يبتسم، دائما مبتسم بوجهه المشع، سأل عن أحوالهم، نصحهم ولم يعظهم، تحدث اليهم كمن يحادث اخوته أصدقاءه أفراد عائلته بحنان لا يقارب، قال أشياء وأشياء وان لم ينطق بها، قال لنا ان الحرية مكتسبة وليست منّة من أحد على آخر، وان الاحتلال موقت في كل أرض لان الارض لاهلها في النهاية، وان الايمان بيسوع هو الحرية المطلقة التي تنتج كل الثورات المحقة، وكل الحب الذي يغمر الارض… ولما انتهى اللقاء ذهبنا مسرعين الى وسط البلد نحتل امكنة صغيرة في المكان الفسيح علنا نتنعّم بقداس الاحد معه، كانوا اكثر من مليون لبناني زحفوا اليه، هذا وطن صغير محتل مقموع يرقد في الخوف من اين جاءت كل تلك الحشود؟!
صلينا معه، مجّدنا الرب في لحظات حرية نادرة، قال ما قاله، ابتسم كما هو دائما، ثم قالوا لنا انه سيرحل، ذهبنا الى الطرقات نصبنا له حواجز القلوب والعيون، انتظرناه حتى صعد في الطائرة، حلقت الطائرة بعيدا ثم احتفت في السماء…كنا نعايش قديسا ولم نكن نعرف، جعلناه قديس قلوبنا قبل أن يتقدّس بأعوام، لما اتى كان لبنان وطنا منهكا محتلا، ولما رحل جعل من لبنان وطن الرسالة ولا زال حتى اللحظة كذلك رغم كل شيء، رغم الاحتلال، رغم الاغلال… علّمنا ان الحرية في الايمان قبل كل شيء، وان من لا يؤمن بوطنه رسالة فهو لا يؤمن بالله اساسا… يا قديس القلوب ما زلت معنا في ذاك اللقاء…
