
في زمنٍ ينشغل فيه “حزب الله” بأمينه العام وكتلته النيابية وكوادره بمعركة “القلمون” لأهميتها الاستراتيجية لجهة حماية لبنان من “الخطر التكفيري”، يخرج السفير الايراني في بيروت محمد فتحعلي ليملأ الفراغ الذي احدثه الحزب، المتواجد على الجبهات العربية، وليردّ على كلمة الرئيس فؤاد السنيورة في “ملتقى الاقتصاد العربي”.
أطلّ علينا فتحعلي، الذي تشارك بلاده في قتل الشعوب العربية وفي خلق الفتن المذهبية، وفي مدّ حدودها الغربية باتجاه الجنوب اللبناني، وفي تكريس بغداد عاصمة لـ”الامبراطورية الفارسية”، وفي جعل سوريا “المحافظة الايرانية الـ35″، ليعطي الرئيس فؤاد السنيورة دروساً في الوطنية وفي معنى “الاعتدال” الحقيقي و”حقوق الانسان” والحريات!
“نرحّب بانضمام السنيورة الى صفوف المعتدلين، ولا سيّما ان دولته لطالما اشتهر بالخطابات الحادة والطائفية”، يقول السفير فتحعلي!
حبّذا لو انتظر السفير الايراني قليلاً قبل ان يتهّم السنيورة ب”»الطائفية”. فما هي الا ساعات على تصريحه هذا، حتى خرج قائد “الحرس الثوري الايراني” اللواء محمد علي جعفري ليعترف خلال إلقائه كلمة في ذكرى تكريم 3 آلاف قتيل سقطوا بمحافظة سمان شرق ايران، بأن “تدخلات ايران في سوريا واليمن تأتي في اطار توسيع خارطة الهلال الشيعي في المنطقة”! لا بأس، فاعترافات جعفري لا تنم عن اي خلفيات طائفية ومذهبية، انما يُراد من اكتمال هذا الهلال أن يُوجّه كالسيف في قلب الكيان الصهيوني!
ومن ثم يٌسهب فتحعلي في تلقين السنيورة درساً في معنى “الاعتدال” الحقيقي، قائلاً: “هل الاعتدال من وجهة نظر السنيورة يتجلى في اليمن من خلال تخريب بلد برمّته وهدم بناه التحتية ومرافقه العامة والخاصة وتدمير جسوره وطرقاته ومطاراته ومخيمات اللاجئين فيه ومستودعات الاغذية، والقنابل العنقودية على رؤوس الاطفال والنساء؟!”. ويختم قائلاً: “اما حديثه عن حقوق الانسان فيمكننا ان نفهمه بشكل واضح عندما نرى عشرات الآلاف من الابرياء في العراق ولبنان وسوريا واليمن راحوا ضحية الفكر، الذي لا يكلف دولة السنيورة عناء التحدّث عنه«”.
ربما أراد فتحعلي التحدّث عن معنى الاعتدال وحقوق الانسان من وجهة نظر “الولي الفقيه”. ففي تقرير تحت عنوان “بعد التحرير التدمير”، اظهرت “هيومن رايتس ووتش” ابشع الانتهاكات العشوائية التي ارتكبتها ميليشيات ايرانية في مئات القرى العراقية، بعد تحريرها، بمساندة طيران “الشيطان الاكبر”.
وثّق التقرير شهادات لاهالي وضباط في قوات البيشمركة، تفيد بأن “عصائب أهل الحق” و”حزب الله” و”سرايا الخراساني”، وكلها ميليشيات ايرانية منضوية تحت عباءة “الحشد الشعبي”، دمّرت بشكل كلي عشرات القرى في ديالى وامرلي والخالص وتكريت، وأحرقت ونهبت الممتلكات الخاصة والعامة للعشائر العراقية ! وفي سوريا، أدخلت ايران، بحسب “المركز الدولي للدفاع عن حقوق الانسان”، ميليشياتها من “حزب الله” و”ابو الفضل العباس” و”لواء ذو الفقار” الى المدن والقرى السورية لمساندة النظام السوري في حربه على الشعب. وقد عملت هذه الميليشيات على ارتكاب عشرات المجازر المذهبية في قرى “القصير” وفي حمص وريف دمشق وحماة وحلب وصولا الى بانياس. وفي اليمن، واجه الحوثيون، الذراع الايراني هناك، تظاهرات العشائر الرافضة للانقلاب، بالقتل والتنكيل والاعتقال والتدمير والتهديد. وكلّ ذلك قبل “عاصفة الحزم”. لا بأس، فجرائم الحرب هذه ليست انتهاكاً لحقوق الانسان. فالطريق الى القدس تمرّ في سوريا والعراق واليمن، وهذه الدماء والمجازر انما تهدف الى فتح فلسطين ودحر الاحتلال الصهيوني.
في الاسابيع القليلة الماضية، وبعد تفاقم السجال بين السفير السعودي في بيروت علي عواض عسيري و”حزب الله”، أطلّ علينا عضو “كتلة الوفاء للمقاومة” النائب حسن فضل الله، ليُعلم اللبنانيين والعرب بـ”الاصول الديبلوماسية”. يومها، اعتبر فضل الله، ان هذه الاصول، تفرض على السفراء “عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للبنان، وعدم التعليق على مواقف قياداته، او تحديد ما يجب على نوابه القيام به”. هكذا بالحرف.
يتبيّن اليوم، ان هذه الاصول، لا تعني السفير الايراني في بيروت.فوفقاً لحديث مستشار السيّد خامنئي الفريق يحيى رحيم صفوي، الذي اعلن فيه ان حدود بلاده الغربية تصل الى جنوب لبنان، فإن السفير فتحعلي لم يعد سفيراً، انما من اهل البلد، ولا تنطبق عليه اصول “حزب الله” الديبلوماسية.
ربما لم يردّ السفير فتحعلي على الرئيس السنيورة فقط، تقول مصادر دبلوماسية في بيروت لـ”المستقبل”، انما ردّ على جميع الحاضرين في الملتقى الاقتصادي العربي”، الذي حمل عنوان “التحدّيات التي تواجه بلدان المنطقة واقتصادها وكيفية استعادة الاستقرار السياسي”! فإيران، بحسب المصادر نفسها، ترى في العرب “مجموعة من التنابل والكسالى والفاشلين”، تحتاج بسفرائها وديبلوماسييها ومرشدها، الى بعض الوقت للتعامل مع “الصحوة العربية”.