كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1432:
تسعة عشر عاماً عمرها اليوم، أمضت منها عشرة أعوام تحمل كل أسبوع الرسائل والرسوم والقُبل وتذهب مع والدتها الى حيث “شغل” والدها كما قالوا لها في سجن وزراة الدفاع ومن ثم في سجن رومية. تتخصّص في فن تنظيم الحفلات والمناسبات، فهي البارعة منذ صغرها بتنظيم أحزانها واشتياقها الى والدها وتحويلها الى لحظات مضيئة، الى حفلات فرح في ظلمة ذلك السجن وظلمه. كلارا رفيق سعادة “إبنة حبسنا” كما كان يسميها الدكتور جعجع كبرت وهي تكتب لرفيق: “باسم الآب والإبن والروح القدس…. يا بابا الله يخليك، الله والعدرا تحميك، وانشالله باقرب وقت بتطلع ومنتحاما فيك… بحبك بابا”.
كانت في يومها السابع والعشرين عندما زارت رفيق في الوزارة للمرة الأولى مع والدتها، وأمضت طفولتها تتمنى أن يوصلها والدها الى المدرسة كما يفعل كل الآباء من حولها.
كلارا اليوم تتمنى أن يفهم سجّان والدها أنه ربما سلب والدها منها 10 سنوات إنما زرع فيها إيمانًا أقوى أن القواتيين حاضرون دائمًا للتضحية ولا شيء ولا أحد يغتال فيهم العزّة والعنفوان. بعض من يوميات كلارا بين سجن وزارة الدفاع وسجن رومية تتذكره كلارا، مرة تبكي وتضحك مرّات!
كلارا ماذا تذكرين من تلك الزيارات؟
(بصوت يتهدّج وعيون تحترق بالدمع) كانت حلوة لأنو شوف البابا، بس كتير صعبة!! ذلّ مش طبيعي…
في عمرك كنت تفهمين بالذلّ وتشعرين به؟!
هم كانوا يريدون أن يشعرونا بالذلّ وإذا لم نحسّ به كانوا مستعدين ان يشربونا إياه بالملعقة لإضعافنا. (تمسك نفسها عن البكاء) لكن هم لم يعرفوا أننا نولد من رحم أمهاتنا أٌقوياء ولا يغلبنا الذلّ.
إعتقدوا أنهم إذا ضغطوا علينا سيصل هذا القهر الى السجن ويضغطوا على أبي والدكتور جعجع وكل الذين ظلموا معهما.
بعد سنوات لم نعد نرى أبي من خلف الزجاج العازل صرنا نلتقيه في غرفة بحضور عسكري يسمع كل ما نقوله، كنت أجلس في حضن أبي واذا إضطر الأمر وأرادوا أن يوصلوا أي خبر اليه كانوا يلقّنونني “الخبرية” وأنا أغمره وأهمسها في أذنه.
في المدرسة هل كانوا يعيّرونك أن والدك مسجون؟
(ترد الوالدة) في الأساس هي لم تكن تعرف أن والدها سجين كنا نقول لها إنه في “الشغل” وهناك مقرّ عمله. وبقيت تصدّق ذلك حتى سن السادسة.
ما هذا “الشغل” الذي لا ينتهي دوامه ويعود الى البيت؟
هذا كان سؤالي الأول، “شو هالشغل اللي ما بيجي البابا عالبيت كل الولاد بيُّن بينام بالبيت إلا أنا؟ ليش صاحبتي بيوصلا بيّا عالمدرسة وأنا لأ؟ حتى على عيد الميلاد ما كان يجي يقولولي ما قدر ياخد فرصة، طيب ولا عيد ميلادي حتى؟”. أمي لم تكن تقدر على الإجابة على أسئلتي كانت عمتي فابيا ترد محاولة إقناعي بحجج بسيطة. أشكر مدرسة “مار يوسف” التي كنت فيها، من الادارة الى الاساتذة والأم جورج ماري عازار التي كانت ترعاني وتهتم بي وتبحث مع والدتي كيفية مساعدتي لتخطي الامر والرد على أسئلتي الكثيرة. كانت تنصح أمي دائمًا بأن تصارحني وتخبرني أن والدي سجين ولأي سبب إلا أن أمي لم تملك الجرأة على إخباري.
وكيف علمت أن السجن لم يكن مقرّ”شغل” البابا؟
ليت والدتي أخبرتني، ليتها سمعت من “الريسة”. تعاركنا أنا وأحد الأولاد لما كنت في السادسة قال لي ” بيِّك محبوس مش بالشغل” ردّت رفيقتي وقالت “بيّا مسافر” فأصرّ هو أن أبي مسجون، عندها هجمت عليه وضربته وكسرت له أنفه.
فور عودتي الى البيت وعن الطريق قلت لأمي “أنت كذّابة كيف رفيقتي بتقول انو بييّ مسافر وانا عم روح شوفو؟ وكيف رفيقي بيقول أنو محبوس وانت بتقولي هيدا الشغل”؟
هنا تولت عمتي إخباري أنهم إضطروا أن يقولوا أن أبي في “الشغل” لأني كنت صغيرة. الآن كبرت وآن الآوان أن أعرف.
وماذا فعل ليُسجن؟ ما كانت الحجّة؟
لأنه في “القوات اللبنانية” ومع الدكتور سمير جعجع. إستوعبت كل شيء بطريقة غريبة ربما لأنني كنت أعيش الجوّ معهم.
زيارتك له بعد معرفتك بالحقيقة هل إختلفت؟
كل شيء بقي كما هو إلا أن قلبي إمتلأ بالحقد ضد السجّانين. حقدت كثيرًا حتى أن كل ما يزعجهم كنت أفعله، مرّة ونحن ننتظر في الخارج ليسمحوا لنا بالدخول، قطفت له 3 وردات من أمام مبنى الوزارة وأعطيته إياها واحدة له والثانية للدكتور جعجع والثالثة لـ”عمو” حنا شليطا. هنا استشاط السجّان وخبط على المكتب “هون ما عنا الدكتور سمير جعجع هون سمير جعجع حاف وبيِّك ما بيشوفو اصلًا”، فأجبته فورًا “ما بيخصّك عم أحكي مع بييّ”!. وعُدت أكرّر الجملة لأغيظه فتدارك أبي الموضوع وقال لي أنه لا يرى الدكتور جعجع لأسكت، لم تمرّ أكثر من عشر دقائق وأنهوا المواجهة معه عقابًا لي على لقب “الدكتور” سمير جعجع.
عندما نقلوا بابا رفيق الى رومية ماذا تغير؟
في البدء إعتقدت أن سجن رومية هو تمامًا كما سجن وزراة الدفاع وأننا سنتعرض للبهدلة والذلّ كما في السنوات السبع الأولى، في رومية إختلف الوضع تصادقت مع عناصر الدرك في السجن. أذكر في الزيارة الأولى إنزعجت لأنني كنت معتادة أن أقبل أبي في غرفة فاحضنه وأقبله وأجلس في حضنه، أما في رومية فتكون المواجهة من خلف حاجز حديدي، خرجت الى باحة السجن لألعب فالتقيت بدركي قلت له: “عمو عمو بدي شوف البابا بدي فوت لعندو مش من ورا الحديد” مسكني بيدي وأخذني الى آمر السجن الذي سألني عما أريد فقلت له، أريد أن أدخل لرؤية البابا وتقبيله هكذا تعودت في الوزارة. سألني عن إسم والدي أجبت، رفيق سعادة. فكتب على ورقة : “يسمح لـ كلارا الصغيرة المهضومة أن تدخل لرؤية والدها بمفردها ولمدة نصف ساعة”. شكرته وقبلته وهو يعطيني الإذن.
عاد الدركي وأخذني من يدي وتوجهنا الى حيث أمي التي ذعرت وقالت فورًا: “شو عاملة كلارا تخمين؟” فرد الدركي مدافعًا عني وأخبرهم التفاصيل، فنظر اليّ عمي زوزو و”جأرني”. وتضحك كثيرًا”.
في رومية كان الجو أفضل أقل ضغطًاً، كانوا يعاملوننا عن جد مثل البشر، يشعرون معنا…
كل سبت كنت أزور أبي لأن الثلثاء والخميس أكون في المدرسة، رفاق البابا في مبنى المحكومين كانوا ينتظرون زيارتي لأخرج الى الباحة فيرمون لي الشوكولا و”السوسيت” من بين قضبان نوافذهم. بعضهم كان ينزل حتى ليراني يوم الزيارة ومن لا يسمحون له بالنزول كان يكتب لي الرسائل.
أمضيت في سجن رومية ثلاثة أعوام مريحة نسبيًا أي من سن السابعة الى العاشرة، لكن هل بت تخجلين لأن والدك سجين؟
لا لا أبدًا على العكس كان مصدر فخر لي أن والدي رفيق سعادة، حتى أنني أخذت رفيقتي جميلة وحنّة لزيارته والتعرّف اليه، تعلقّوا بأبي لكثرة ما كنت أخبرهما عنه. في طريق العودة بكيتا من الحرقة عليه وأن تهمته فقط أنه من “القوات اللبنانية”.
يوم أنتهت محكومية رفيق وخرج من السجن، أي بعد إنتهاء السنوات العشر لم تذهب كلارا الى المدرسة “عيدّت على حسابها” وبقيت في حضنه طيلة النهار لتتأكد أنه عاد نهائيًا وإنتهى… “الشغل”.
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.
