
قرأنا مقال الزميل بيار عطالله في “النهار” الثلثاء 12 أيار تحت عنوان ” “استراتيجية مسيحية” لا تشمل الرئاسة؟ كلام يستعيد الجدوى من الثنائية الحزبية”.
من دون التطرق الى العوامل التاريخية والمسببات، ومن دون تسمية بعض الشخصيات التي اسهمت بسياساتها في خلق الصراع بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”، اعتباراً من العام 1984 مروراً بأيلول 1988 وحتى اليوم، فإن صراعاً سياسياً اتخذّ طابعاً عسكرياً واستراتيجياً بهذا الحجم، لا يمكن إزالته من النصوص والنفوس بين ليلةٍ وضُحاها.
فإيجاد الثقة بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”، بعد صراعٍ دامٍ ومؤسف استمر لأكثر من ثلاثة عقود، هو مسارٌ طويلٌ وشاق يلزمه الكثير من الصبر والتأّني والأخذ والردّ وطرح الهواجس ومعالجة الشوائب، حتى تصل سفينة هذه العلاقة الى برّ الآمان.
إن الحوار القائم بين “القوات” و”التيار” لم يمّر عليه سوى اربعة اشهرٍ فحسب، ومع ذلك فإن نتائجه المباشرة وغير المباشرة لا تُعّد ولا تُحصى، سواء لجهة تبريد الأجواء داخل البيئة المسيحية بعد طول توتّرٍ وعداء، او لجهة التنسيق في العديد من الملفات التي تتخذ طابعاً سياسياً واجتماعياً او غيرها.
صحيحٌ ان الأمور لم تصل الى خواتيمها النهائية السعيدة بعد، إلاّ ان الإتجاه العام السائد بين الحزبين المسيحيين الرئيسين يتسّم بالإيجابية، وهذا ما يتوق اليه كل مواطنٍ لبناني شريف.
والغريب في الأمر أن بعض الذين يدّعون الحرص على مصالح المسيحيين يُظهرون بالمقابل، قولاً وفعلاً، نوايا مبيّتة تجاه الحوار الحاصل بين “التيار” و”القوات”، بخلاف مصالح وتطلعات الشعب المسيحي الذي عبّر عن رأيه في هذه القضية من خلال العديد من استطلاعات الرأي التي اظهرت تأييداً مسيحياً منقظع النظير لمبدأ الحوار والتلاقي بين هذين الحزبين، علماً ان “القوات اللبنانية” بذلت وما زالت، قُصارى جهدها للتوصل الى حلٍّ لأزمة الرئاسة.
إن تعثّر الحوار حول موضوع رئاسة الجمهورية، يتخذّ في جانبٍ أساسي منه طابعاً إقليمياً يتعدّى قدرة “القوات” على حلّه لان “حزب الله” وايران يرسمان رسماً آخر.
من هنا فإن اي تقاربٍ استراتيجي بين “القوات” و”التيار”، مثلما عبّر عن ذلك الدكتور جعجع، لا يعني بالضرورة توصلاً الى حلٍّ لأزمة الرئاسة، وإنما المهم في الأمر هو أن الحوار قد وُضع، بفضل إرادة الطرفين، على السّكة المسيحية والوطنية السليمة، وهذا ما تتمنّاه الغالبية الساحقة من المسيحيين، ما عدا بعض المتضررين الهامشيين الذين اوجدوا حيثيتهم السياسية عبر استغلال التناقضات وممارسة الإبتزاز السياسي والإنتخابي.