“كنا هناك” – طوني قزي: عملية بحريّة في رأس بيروت

 

كتبت جنى جبور في “المسيرة” – العدد 1430:

يعود طوني قزي أحد عناصر سلاح البحرية في “القوات اللبنانية” إلى فترة “حرب التحرير” في العام 1989، حيث تمت عملية قصف من البحر لمرابض المدفعية السورية في رأس بيروت.

يقول طوني: “الحصار الذي فرضته قوات الاحتلال السوري في حرب التحرير على المناطق الشرقية، وتهديد بواخر المؤن والمحروقات التي كانت تحاول الدخول الى مرافئ المنطقة الشرقية، وبما أن المعابر البرية كانت مقفلة، لم يكن هناك من منفذ إلا البحر. لذلك كان على سلاح البحرية في “القوات اللبنانية” التحرك وحماية دخول البواخر الى المرافئ الشرعية في حينه، لتأمين مستلزمات الصمود في حرب قاسية شدد فيها جيش الاحتلال السوري حصاره وقصفه على كل المناطق الشرقية من دون تمييز.

يومها لعب سلاح البحرية دوراً أساسياً ومهماً. كنا نرافق البواخر المحمّلة المواد الغذائية والوقود. وكانت هذه البواخر تتعرض للقصف السوري بشكل كثيف ما أدى الى إصابة بعضها في مرات عدة واحتراقها.

على أثر ذلك، طلبت منا القيادة أن نتحرك كسلاح بحرية في اتجاه منطقة رأس بيروت، حيث كانت مرابض تابعة لقوات الاحتلال السوري موزعة قرب الروشة، وكانت تتسبب في إزعاج كبير للبواخر المدنية الداخلة الى المناطق الشرقية.

إثر ذلك طُلِب منا تنفيذ عملية عند هذه النقطة للضغط  على العدو وجعله يعيد حساباته. فكلفنا بالتحضير لهذا العمل ووضع أمر عمليات مفصل للمهمة. وعند اكتمال التحضيرات أبحرنا في عتمة الليل ونفذنا العمل المطلوب بواسطة طرادات “الدفورا” الأحدث عالمياً في ذلك الوقت.

كنا 11 عنصرًا وكان معنا مضادان للطائرات من عيار 20 ملم، ومدفعان رشاشان من عيار 12,7 ملم وراجمة  صواريخ 107 ملم. باتت هذه المهام أمراً بديهياً للطاقم الموجود أثر التمارين والأعمال اليومية من دوريات ومهام متعددة.

انطلقنا من نادي الـATCL  في جونية مركز سلاح البحرية في حينه، واتجهنا نحو منطقة رأس بيروت بعيداً من الشاطئ على مسافة 3 أميال لنصبح خارج نطاق مرمى السلاح المتوسط والخفيف. واجهنا العدو بكل الأسلحة الموجودة على الطرادات، على الرغم من الإمكانات العسكرية الكبيرة للجيش السوري الذي كان  يتفوق علينا كثيراً لناحية العديد والعتاد، وأثبتنا في ذلك أننا موجودون وأننا بالمرصاد لكل من تسوّغ له نفسه الاعتداء على مناطقنا في ذلك الحين.

 تمّت عملية القصف والرماية على امتداد الموقع من مسبح “سان جورج” وصولاً إلى رأس بيروت حيث شوهدت النيران تندلع من المراكز السورية وسيارات الإسعاف والسيارات المدنية تهرع الى المكان.

في رأس بيروت كانت للسوريين نقطة تجمّع كبيرة. على الرغم من الإمكانات الضئيلة التي كنا نمتلكها كنا نضغط على السوري قائلين له نحن هنا. كنا نعمل بشكل مكشوف إذ لا مجال للتدرّؤ. نقوم بعملنا وننكفئ إلى مكان آخر لكي لا تطالنا نيران العدو. من السان الجورج للدامور كانت تشتعل المنطقة ويتحوّل البحر إلى كتلة نار. لم تصبنا نار العدو في هذه العملية وفي باقي العمليات والدوريات اللاحقة وذلك بسبب سرعة المناورة وقوة نيراننا حيث كنا نشل دفاعتهم لوقت طويل ثم نقوم بالانسحاب التكتيكي.

كان إيمان الشباب بالقضية وبالله وبالحق الذي ندافع عنه كبيراً. كانت أعمالنا للدفاع عن المدنيين وعن أرضنا  وتأمين الأولويات للمدنيين. لم يكن لدينا أي متنفس بحراً. كنا نخاطر بحياتنا بغية مساعدة المدنيين.

في المنطقة الشرقية، كانت إمكانيات الجيش في ذلك الوقت متواضعة. قدرات القوات البحرية كانت أكبر والتقنية  لدى “القوات اللبنانية” كانت أحدث من الجيش في ذلك الحين. سلاح البحرية كان مميزاً ولديه قدرة عالية وفعالة مما مكننا من المحافظة على تفوقنا بحراً وعلى حماية المنفذ الوحيد  للمجتمع المسيحي ككل. كان القرار أن نبقي بحرنا آمناً. وكنا نبقى على مسافات معيّنة من الشاطئ وذلك للمراقبة وحماية باقي البواخر الداخلة الى المنطقة الشرقية والوقوف بوجه الطرادات السورية التي كانت تقترب من المناطق المسيحية. كنا دائماً العين الساهرة لدرء أي خطر يهدد مناطقنا.

كانت المعنويات عالية وإيماننا كبير والهدف أسمى من أي أمور أخرى. تخطينا قصة العين التي لا تقاوم المخرز. بسبب وجودنا كانت البواخر تصل وتفرغ حمولتها على مرفأ جونيه وكان الجيش السوري يقصف بواخر المدنيين المغادرين إلى قبرص وكنا نجوب البحر حتى إذا حصل أي مكروه للمدنيين نكون قربهم.

“لتبقى حرة مية بحرك يا لبنان” قمنا بكل التضحيات وقدّمنا العرق والدم زوداً عن البقعة الحرة الوحيدة في هذا الشرق والتي لا تتخطى مساحتها مساحة مدينة كبرى في بلاد العالم، إيماناً منا بأن الانسان إذا لم يكن حراً فعبثاً يكون منتجاً أو يبني وطناً على صورة الأحرار والآباء المؤسسين .

أسلافنا أورثونا وطناً لذا كان علينا أن نورث أبناءنا وطناً حراً مصاناً معمّداً بدماء الشهداء. هذه هي إنجازات “القوات اللبنانية” في ذلك الوقت.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل