افتتاحية “المسيرة”: جسر الشغور الرئاسي

 

وهل من استفزاز أكبر للبنانيين والمسيحيين بخاصة، عندما يعطل النظام الإيراني الاستحقاق الرئاسي في لبنان ويمنع انتخاب رئيس مسيحي هو الأوحد في الدول العربية والمشرق، مع العلم أن هذا النظام يدّعي مع حليفه النظام السوري والفصائل التابعة له وعلى رأسها “حزب الله”، أنهم يعملون على حماية المسيحيين ويدافعون عنهم في مواجهة الإرهاب التكفيري؟

وهل من استفزاز أكبر للبنانيين والمسيحيين بخاصة، عندما يرفض “حزب الله” بإيعاز إيراني تسهيل انتخاب رئيس للجمهورية، وليس خافياً أنه لن يشارك في أي جلسة حتى لو اتفق المسيحيون على المشاركة أو على مرشح ما، مع العلم أنه يدّعي التحالف الثابت والاستراتيجي مع العماد ميشال عون رئيس أكبر كتلة نيابية مسيحية؟

والغريب أن ثمة من لا يرى ضيراً في تغييب رئاسة الجمهورية، لكن الحقيقة أن كل الضير وكل الضرر واقعان على الجمهورية بما فيها من مؤسسات وآلية قرار ودورة اقتصادية. فإذا كانت الرئاسة الأولى لا تقدم ولا تؤخر، فلماذا هذا الشلل وهذا الجدل، وهذا الخبل وهذا الختل عند البعض؟

أجل، الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي التي تعطل الجمهورية ورئاسة الجمهورية في لبنان، بل إنها تتمسك أكثر فأكثر بهذه الورقة، لتعزيز موقفها التفاوضي في ضوء خسائرها وإرباكاتها في كل من سوريا والعراق واليمن. هذه الجمهورية تجد نفسها اليوم أمام انكسار حلمها الأمبراطوري ورهانها على الهلال الشيعي من جنوب أفغانستان إلى ساحل المتوسط وصولاً إلى السيطرة على مضيقي هرمز وباب المندب عبر الهيمنة على اليمن.

اليوم ، نحن على عتبة الذكرى الأولى على بداية الشغور الرئاسي، وهي حالة استثنائية ليس على مستوى الدولة والمؤسسات وتطبيق الدستور فحسب، بل على مستوى الضمير الوطني والأخلاق السياسية للمعطّلين والمقاطعين. فالمشترع في الأصل، لم يفترض أو يتصور مرحلة يبلغ فيها الإنحطاط في تحمّل المسؤولية والعزوف عن القيام بأخطر الواجبات الوطنية والدستورية هذا الدرك. ففي الجمهورية الأولى وحتى خلال فترة الحرب، تمتعت الطبقة السياسية بحد أدنى من الإلتزام بالضمير والدولة، على الرغم من غياب الدولة وتشلّع المؤسسات والانقسام الطائفي والسياسي.

وللمناسبة، لا بد من تنبيه بعض المراهنين على طرح المؤتمر التأسيسي والدعوة إلى طائف جديد، إلى أنهم واهمون، فالمسيحيون ومعهم المسلمون السياديون لن يقبلوا إلا المناصفة والحفاظ على أسس الميثاق الوطني والعيش المشترك، وما عدا ذلك هراء وطعنة في علّة وجود لبنان.

ولذلك تبدو معركة الشغور الرئاسي في لبنان امتدادًا لمعركة جسر الشغور في سوريا، فلتكن لدى المهتمين بسد الفراغ جرأة عبور الجسر نحو انتخاب رئيس جديد يكون على قياس الجمهورية القوية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل