
هم أشبه بمجتمع مصغّر يضمّ كلّ الفئات والأعمار. لكنّ مجتمعهم أجمل من مجتمعنا، فهو مبني على الموسيقى وعلى اللقاء الحضاري الثقافي الأخوي. إنّهم Walkabout Drum Circle الذين التقينا البعض منهم أثناء تمارينهم.
حين يعزفون تراهم ينتقلون إلى عالمٍ آخر. كلّ عضلة من أجسامهم تشعر بالموسيقى، تتحرّك معها. الموسيقى التي يقدّمونها تدخل فيهم أولاً، ومنهم تنتقل إلى مَن يسمعهم، فيشعر مَن يقف أمامهم بأنّ الموسيقى لا تأتي من الآلات، بل من قلوبهم.
جاد بلابان هو المؤسس. بدأ كلّ شيء حين كان يعزف مع والده الممثل أنطوان بلابان ومع شقيقه، حينها نشأ في داخله حبّ الموسيقى. بعد سنوات، سافر إلى الهند، إلى أفريقيا الغربية، إلى المغرب، وإلى أميركا، وهناك تعلّم الموسيقى الإيقاعية. في كلّ مرّة يسمع نمطاً إيقاعياً أو موسيقى تعجبه، يسافر إلى البلد الذي نشأت فيه ويتعلّمها على كبار المعلّمين.
“أساس الموسيقى التي تعلّمتها هندي. لكن حين عدت من سفرتي الأولى، حنّ قلبي إلى الأيام التي كنت أعزف فيها مع والدي ومع أخي، فقررت أن أتعلّم الموسيقى الإفريقية التي تُعزف مع مجموعة. حين تمكّنت منها، قررت أن أعلّمها إلى مَن حولي كي أعزف معهم. كان ذلك عام 2005 تقريباً”. سرعان ما تكوّن فريق صغير قدّم حفلات نالت إعجاب الناس. عندها قرّر جاد أن يخصّص وقتاً جدياً للتعليم، فمن ناحية يؤسّس لعازفين، ومن خلالهم يؤسّس لجمهور يتذوّق هذه الموسيقى، ومن ناحية أخرى يؤمّن مدخولاً يعتاش منه كي تتوسّع الدائرة أكثر.
بعدما زاد عدد الطلاب الراغبين في تعلّم الموسيقى الإيقاعية، زادت الحاجة إلى آلات موسيقية. عندها أسّس جاد مشغلاً لتجهيز الآلات التي يحتاج إليها العازفون.

بعد فترةٍ على انطلاقهم، بدأوا يُطلبون من أجل العلاج بالموسيقى. كلّ تلك المراحل أتت شيئاً فشيئاً وليدة حاجةٍ معيّنة، لكنّ أساسها اكتشفه جاد منذ سنةٍ واحدة فقط. “تطلّب الأمر نحو 21 سنةً كي أكتشف أني أقوم بكلّ ما أقوم به، ليس لأنّي أحبّه فحسب، بل لأني أوّل مَن أحتاج إليه. أنا نشأت أيام الحرب حيث ترعرعت في الملاجئ وتحت القذائف. كنت أحتاج إلى تنقية نفسي من كلّ رواسب الحرب، ويبدو أنّ الموسيقى كانت مخرجاً هربت من خلاله إلى عالمٍ مسالمٍ وجميل حيث لا عنف ولا قهر. وأعتقد أنّ أكبر جزء من نجاحنا هو حاجة الناس إلى الموسيقى. نحن نملأ فراغاً يكبر يوماً بعد يوم في نفوس الناس”.
المرحلة المقبلة هي مرحلة إصدار ألبوم موسيقي. آلات جديدة بدأت تدخل إلى الفرقة، وصار في الإمكان تلبية مختلف حاجات الراغبين في الإستماع إليهم، أكان في الأعراس أو في الحفلات.
لمى قبيسي، إختصاصية علاج نفسي – حركي، انضمت إلى الفريق كنوعٍ من الحشرية أولاً، لكنّها شعرت بأنّ الموسيقى تعالجها وتريحها. “فتت وعلقت، وصرت حاسّي ما بقدر ما كون هون”. الموسيقى التي تتعلّمها لمى مع الفريق تستفيد منها مع مرضاها.
ناتالي يارد هي عضو في الفرقة منذ خمسة أعوام. بالإضافة إلى العزف، تساعد جاد في صنع الآلات. هي أصلاً رسّامة ومرمّمة بيوت قديمة، ووجدت أنّها تنتمي إلى هذه الفرقة التي فيها تجد نفسها.
دانا علي مهندسة زراعية. هي موجودة “في هذه الدائرة” لأنّها تحب كيف يتواصل الجميع مع بعضهم من دون الحاجة إلى الكلام. “في شي كتير قوي بين بعضنا. مش ضروري نكون كلنا متل بعض، المهم إنّو كلنا متّفقين لإنّو الموسيقى جامعتنا”.

ريتا حلو تدرس علاج النطق في الجامعة اللبنانية، في السنة الأخيرة. تعرّفت إلى جاد حين علّمها في الجامعة Drum therapy. تابعت الصفوف خارج الجامعة كي تعالج نفسها من كلّ أثر للكآبة، وبدأت تلمس أكثر فأكثر فعالية هذا الأمر. هي تحضّر حالياً مشروع تخرّجها تحت عنوان: أثر الـ Drum therapy على الأولاد المصابين بالتوحّد.
يمنى مروّة هي الأصغر في الفريق مع العلم أنّها بين الأقدم. يمنى هي دليل واضح على سير العمل في هذا المجتمع المصغّر. فهي، على رغم صغر سنّها، تعلّم غيرها العزف. حين تعرّفت إلى عالم الإيقاع، تركت البيانو والتشيللو في الكونسرفاتوار، وانضمّت إلى الفريق. الموسيقى تساعدها على استخراج طاقاتها الكثيرة.