.jpg)
لم يعد ينقص اللبنانيون مفاجأة من هنا واخرى من هناك وهم يعيشون في زمن المفاجآت وبلد المفاجآت وبعض قضاء المفاجآت… ولكن ما ينقصنا كلبنانيين ان نفهم على اي اسس ووفق اي معايير يتصرف بعضهم في السياسة والقضاء.
أولاً: على الصعيد السياسي لا نفهم كيف يمكن مثلاً لقناة “المنار” من خلال برامجها السياسية ان تستضيف اناساً معروفي التبعية والارتهان لنظام سفاح دمشق – يأخذون على قوى “14 اذار” انتفاضتها على حكم ميشال سماحه وعدم انتفاضتها على حكم العميد فايز كرم العميل الاسرائيلي، في وقت يعلم القاصي والداني ان من سكت على الحكم الفضائحي للعميد كرم وفق ادبيات المقاومة والمنار وقوى من يسمون انفسهم بالممانعة – هم انفسهم هؤلاء – في وقت انبرت قوى “14 اذار” تدين هذا الحكم وتنعي القضاء العسكري الذي اصدره. فعودة بسيطة الى ارشيف التصاريح والمواقف يبين بوضوح اي قوى احتجت وانتفضت على حكم العميد كرم واي قوى سكتت سكوتاً مريعاً ومريباً حيال هذا الحكم.
ثانياً: على الصعيد القضائي لا نفهم كيف يمكن للمحكمة العسكرية في قضية ميشال سماحه ان تكتفي بمواد قانون العقوبات التي تتكلم عن نقل سلاح وحمله، فيما تتجاهل مثلاً نص المادة (308) من قانون العقوبات التي تنص على عقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة على من يرتكب فعل اعتداء يستهدف اثارة الحرب الاهلية او الاقتتال الطائفي بتسليح اللبنانيين او بحملهم على التسلح بعضهم ضد بعض …
فمثل هذا النص لوحده كان جديراً بالمحكمة العسكرية ان تستند اليه في حكمها، الا اذا اعتبر رئيسهاً نقل متفجرات بقصد تفجير الاوضاع الامنية والتسبب بالفتنة الطائفية في لبنان بصراحة اقرارات واعترافات سماحه نفسه وما تضمنته الوثائق والاشرطة المنشورة من قبيل شراء مفرقعات نارية لاحتفالات اجتماعية.
ثم كيف تتجاهل المحكمة العسكرية نص المادة ( 312) من قانون العقوبات التي تنص بوضوح وصراحة على عقوبة الاشغال الشاقة الموقتة فضلاً عن العقوبات الاشد… لمن اقدم بقصد اقتراف او تسهيل احدى الجنايات التي تدخل من ضمنها جناية المادة (308) اعلاه… على اقتناء او حيازة المواد المتفجرة…؟!
ألم يعترف ميشال سماحة امام القضاء – بكونه كان يقتني ويحوز المتفجرات المتهم بها وبتوريدها من علي المملوك؟
ألم تكن الاشرطة السمعية – البصرية كافية لاقناع المحكمة بضلوع ميشال سماحه في مؤامرة تسهيل ارتكاب جناية حيازة واقتناء مواد متفجرة؟
اين ذهبت المحكمة العسكرية بالمادة (313) من قانون العقوبات التي نصت بوضوح على عقوبة الاشغال الشاقة الموقتة على المؤامرة بقصد ارتكاب احدى الجنايات ومن ضمنها الجناية الموصوفة في المادة (308) والمادة (312)؟
ثالثاً: ان المحاكم العسكرية في العرف والمفهوم القانوني العسكري لم تنشأ اصلاً إلا لاهداف ولاختصاصات لها علاقة حصرية بمحاكمة الجرائم والمخالفات التي يرتكبها العسكريون في احدى المؤسسات العسكرية والامنية حتى تلك التي تخضع للقانون العام، ولكن يكون مرتكبها او متدخل او مشارك فيها عسكري. عند هذا الحد وفق مفهومنا يمكن تبرير وجود قضاء عسكري، اما ان تذهب الامور الى حد ان تتحول المحكمة العسكرية الى مرادف للقضاء العدلي تنظر في جرائم وملفات جنائية خطيرة تمس بأمن وسلامة الدولة – وبالتالي تخلق ازدواجية غير مبررة بينها وبين المجلس العدلي مثلاً – فأمر لم يعد يمكن السكوت عليه سيما وان التجارب السابقة اثبتت تحويل مجلس الوزراء الجرائم الوطنية والجنايات السياسية وتلك والماسة بالامن القومي والسلامة العامة على المجلس العدلي… لا على المحكمة العسكرية…
وبالتالي لم يعد ممكناً الركون الى القضاء العسكري للفصل في جرائم تتعلق بامن الوطن والمواطنين وقد اثبتت المحكمة في حكم ميشال سماحه الاخير – افتقادها الى البعدين القانوني والوطني الاخلاقي – مكتفية بحكم عام عادي – لا يعدو كونه حكماً مخففاً لا بل حكما شكلياً لجريمة ولا بل جناية – لو كتب لها النجاح – لكان لبنان اليوم في عمق حرب اهلية مذهبية طائفية لا تحمد عقباها.
فضيحة اخلاقية وطنية وقضائية – جديدة تضاف الى فضائح مخلفات النظام الامني السوري – اللبناني والقضاء العضومي الباليين، فالمحكمة العسكرية وضعت نفسها اليوم امام محاكمة التاريخ لها وما ملف ميشال سماحة الا مثال على تلك الملفات الحارقة لاصابع من يغطيها.
