Site icon Lebanese Forces Official Website

هذه البلاد شقة مفروشة!

تصلح هذه القصيدة للأديب العربي والعالمي الشاعر السوري الراحل نزار قباني أن تكون أدق وأروع ما يمكن أن يكتب لتوصيف ممارسات نظام الاسد:

هـذي البـلاد شـقـةٌ مفـروشـةٌ، يملكها شخصٌ يسمى عنتره…

يسـكر طوال الليل عنـد بابهـا، ويجمع الإيجـار من سكـانهـا…

ويطلب الزواج من نسـوانهـا، ويطلق النـار على الأشجـار…

والأطفـال … والعيـون … والأثـداء … والضفـائر المعطـره…

هـذي البـلاد كلهـا مزرعـةٌ شخصيـةٌ لعنـتره…

سـماؤهـا… هواؤهـا… نسـاؤها… حقولهـا المخضوضره…

كل البنايـات – هنـا – يسـكن فيها عـنتره…

كل الشـبابيك عليـها صـورةٌ لعـنتره…

كل الميـادين هنـا، تحمـل اسـم عــنتره…

عــنترةٌ يقـيم فـي ثيـابنـا… فـي ربطـة الخـبز…

وفـي زجـاجـة الكولا، و فـي أحـلامنـا المحتضـره…

مـدينـةٌ مهـجورةٌ مهجـره…

لم يبق – فيها – فأرةٌ، أو نملـةٌ، أو جدولٌ، أو شـجره…

لاشـيء – فيها – يدهش السـياح إلا الصـورة الرسميـة المقرره…

للجـنرال عــنتره …

فـي عربـات الخـس، والبـطيخ …

فــي البـاصـات، فـي محطـة القطـار  فـي جمارك المطـار…

فـي طوابـع البريـد، في ملاعب الفوتبول، فـي مطاعم البيتزا…

وفـي كل فئـات العمـلة المزوره…

فـي غرفـة الجلوس… فـي الحمـام… فـي المرحاض…

فـي ميـلاده السـعيد ، فـي ختـانه المجيـد…

فـي قصـوره الشـامخـة، البـاذخـة، المسـوره…

مـا من جـديدٍ في حيـاة هـذي المـدينـة المسـتعمره…

فحزننـا مكررٌ، وموتنـا مكررٌ ، ونكهة القهوة في شفاهنـا مكرره…

فمنذ أن ولدنـا، ونحن محبوسون فـي زجـاجة الثقافة المـدوره…

ومـذ دخلـنا المدرسـه ،و نحن لاندرس إلا سيرةً ذاتيـةً واحـدهً …

تـخبرنـا عـن عضـلات عـنتره…

و مكـرمات عــنتره… ومعجزات عــنتره…

ولا نرى في كل دور السينما إلا شريطاً عربياً مضجراً يلعب فيه عنتره…

لا شـيء – في إذاعـة الصـباح – نهتـم به…

فـالخـبر الأول – فيهـا – خبرٌ عن عــنتره…

والخـبر الأخـير – فيهـا – خبرٌ عن عــنتره…

لا شـيء – في البرنامج الثـاني – سـوى:

عـزفٌ – عـلى القـانون – من مؤلفـات عــنتره…

و لـوحـةٌ زيتيـةٌ من خـربشــات عــنتره…

و بـاقـةٌ من أردئ الشـعر بصـوت عـنتره…

هذي بلادٌ يمنح المثقفون – فيها – صوتهم، لسـيد المثقفين عنتره…

يجملون قـبحه، يؤرخون عصره، وينشرون فكره…

ويقـرعون الطبـل فـي حـروبـه المظـفره…

لا نجـم – في شـاشـة التلفـاز – إلا عــنتره…

بقـده الميـاس، أو ضحكـته المعبـره…

يـوماً بزي الدوق و الأمير… يـوماً بزي الكادحٍ الفـقير…

يـوماً عـلى طـائرةٍ سـمتيـةٍ… يوماً على دبابة روسيـةٍ…

يـوماً عـلى مجـنزره…

يـوماً عـلى أضـلاعنـا المكسـره…

لا أحـدٌ يجـرؤ أن يقـول: ” لا ” ، للجـنرال عــنتره …

لا أحـدٌ يجرؤ أن يسـأل أهل العلم – في المدينة – عن حكم عنتره…

إن الخيارات هنا، محدودةٌ، بين دخول السجن، أو دخول المقبره…

لا شـيء فـي مدينة المائة و خمسين مليون تابوت سوى…

تلاوة القرآن، والسرادق الكبير، والجنائز المنتظره…

لا شيء، إلا رجلٌ يبيع – في حقيبةٍ – تذاكر الدخول للقبر، يدعى عنتره…

عــنترة العبسـي… لا يتركنـا دقيقةً واحدةً…

فمرة، يـأكل من طعامنـا… ومـرةً يشرب من شـرابنـا…

ومرةً يندس فـي فراشـنا… ومـرةً يزورنـا مسـلحاً…

ليقبض الإيجـار عن بلادنـا المسـتأجره..

Exit mobile version