معركة رأس الدكوانة… يوم كُسر رأس الاسد

المقاومة اللبنانية ليست فقط تاريخاً عابراً، انما افعال وتضحيات جسام، خاضت معارك الوجود دفاعاً عن فكرة الوطن، والمجتمع الحر. يوم دق النفير وتخلت الدولة عن مسؤولياتها وغاب المتبجحين في زمن السلم، لم يبق في الميدان إلا المقاومين وزنودهم السمراء للدفاع عن شرف وطن في زمن التسويات والتحديات.

الزمان: 20 تموز 1978

المكان: رأس الدكوانة في المنطقة الشرقية من بيروت

المشاركون: جنود نظام حافظ الأسد وابطال المقاومة اللبنانية.

كانت القوات السورية في ذلك الوقت من العام 1978 تتمركز في منطقة رأس الدكوانة – تل الزعتر على الشكل الآتي:

– بناية السرغاني: مركز متقدم للمراقبة والقنص.

– كنيسة سيدة النجاة: قيادة وادارة عمليات القطاع.

– مبنى بوتاجي، مدرسة الجهاد و مدرسة مار يوسف.

يقابلها مواقع “المقاومة اللبنانية” حيث تنقسم إلى قطاعات على الشكل الآتي:

– الكتائب اللبنانية: مقابل بناية السرغاني في مبنى دلال الشمالي.

– حركة الشبيبة اللبنانية (الباش مارون): مقابل مبنى بوتاجي، ومدرسة الجهاد.

– نمور الأحرار: مقابل مدرسة مار يوسف.

– شباب القاع: مقابل معمل الزعتر، حتى اطراف غاليري متى.

قدّر عديد الجيش السوري بلواء معزز ببطاريات مدفعية ومضادات للطائرات ركزت في تلة الحمرا (Cap sur ville) حالياً.

وكانت رمايات هذا المركز تطال: السبتية، الروضة، الجديدة، أطراف الفنار، سن الفيل، الصالومي، الدكوانة والاشرفية. إقتصرت العمليات العسكرية على المناوشات وهي عبارة عن تبادل رمايات رشاشة وقذائف صاروخية مباشرة بين مواقع السوريين ومقاتلي المقاومة اللبنانية.

يوم 20 تموز 1978 فجراً، لاحظ المدافعون عن المنطقة نمط مغاير عن ما سبقه من الاشتباكات، حيث ركّز السوريون قصفهم على منطقة الدكوانة وتحديداً من الساحة صعوداً حتى مدرسة الراهبات، بناية الصالومي، كنيسة مار الياس، حي القاعيي، حي البلحة. تزامنًا تم رصد اصوات دبابات ناحية معمل بوتاجي، حينها ابلغ استطلاع الجبهة القوى المدافعة عن المنطقة بالامر.

تزامناً على محور دلال الشمالي – السرغاني، وصل مسؤول القوى النظامية (مجموعة الفهود السود) “كتائب” الدكوانة جو سعد على رأس فصيلة مقاتلة عديدها ثلاثون عنصراً، حيث التقت الفصيلة بمفوض “نمور الاحرار” جورج زيدان والباش مارون خوري من “حركة الشبيبة اللبنانية”. وهناك سمعت طلقة واحدة من قناص اخترقت رأس أحد الرفاق الكتائبيين في المتراس الشهيد بشاره مخلوف من القاع قرب كاراج الشمالي ومات بعد 40 يوماً في المستشفى هوشقيق الرفيق الشهيد جورج مخلوف (القبوط) الذي استشهد لاحقًا في حرب الالغاء.

كان الرفيق الشهيد جوزف عبود (القناص) الذي استشهد في حرب الجبل في “البنيه” مع وحدات المغاوير، يتمركز في بناية مواجهة لمدرسة الجهاد حيث يتمركز السوريون وبرفقته مرشد الزمار، شاهدا مدفع لدبابة تتقدم وعلى برجها نقيباً من الجيش السوري فقام جوزف بقنصه ليسقط صريعاً. اكملت الدبابة طريقها ليعالجها مقاتل من آل الخرياطي من “نمور الاحرار” بقذيفة بازوكا واعطابها.

بانت الخطة السورية لعزل قوى المقاومة اللبنانية المنتشرة بين الدكوانة ورأس الدكوانة وذلك في عملية اطباق على اربعة محاور.

سرعان ما عالج رجال “الكتائب” عملية الاطباق  ونجحوا بوقف تقدم القوة المهاجمة ناحية Cape sur Ville وطريق مار روكز – معمل الحجارة . أصيب قائد المحور الرفيق المحامي ميشال حنوش حيث فقد نظره وذلك من عصف قذيفة دبابة حين دخل الى منزل واضاء شمعة.

تنبه رجال المقاومة اللبنانية لخطة الاطباق السورية، ونجح مقاتلو “الاحرار” على مدرسة مار يوسف – معمل الزعتر وسوبر ماركت يمين بتدمير دبابتين من طراز “ت 55” و قتل طواقمها وقد اصيب احد عناصر الاحرار في وجهه، ويدعى الياس يمين.

اما على محور مدرسة الجهاد حيث تتمركز “حركة الشبيبة اللبنانية”، فنجحت فصيلة من القوات الخاصة السورية بعبور خط الدفاع الأول والتقدم حوالى 200 م وذلك بعد اصابة آلية للمقاومة اللبنانية تحمل مدفع “107 ملم” حيث جرح الشهيد الرفيق طوني قهواتي بعد اصابة في الرأس ومات بعد فترة في المستشفى، وأصيب أحد المقاتلين في يده اليمنى فقطعت شرايينه، واصيب جورج واكيم ووليد سكر. وكانت المقاومة قد دمرت دبابة “ت 54” على محور الجهاد ودبابة أخرى وراء بناية السرغاني.

تزامناً، اوقف السوريون القصف بعد دخول قواتهم ولعدم اصابة القوى السورية المتقدمة. وتراجعت المقاومة الى حي “الحوارنة” وتم الاتصال من المفوض “ابو الدهب” بالرفيق نبيل زغيب لدعمهم بالعتاد والذخائر والعناصر. وعندها استغلت “المقاومة اللبنانية” توقف القصف للقيام بهجوم معاكس حيث قامت بعملية التفاف جريئة ونجحت بعزل الفصيلة المهاجمة وتطويقها قرب بناية نجم.

عندها نجح “الاحرار” بإيصال دبابتين من نوع “شيرمان” بالوصول إلى بناية وازن وكنيسة مار الياس، فنجحت بإشغال السوريين في تلة الحمرا حيث دمروا مدفعين مضاد للطائرات رباعي عيار 14.5 ملم. وكما ايضاً كانت لمدفعية عين الرمانة الفضل في التغطية المدفعية الكثيفة لشل السوريين.

اصبح الوضع الميداني ثقيلاً على السوريين وبقاؤهم في تلك المحلة يعني هلاكهم، بدأوا بالقصف المدفعي المجنون من الجبل و”جامعة القديس يوسف” وتلة المير لتأمين طريق انسحابهم. كثافة القصف لم تمنع المقاومة اللبنانية من استغلال النصر والاطباق على القوة المهاجمة.

استمرت المعركة من الخامسة صباحاً حتى السادسة مساءً حيث تكبد جيش الاسد خسائر كبيرة قدرت بحوالي 40 قتيلاً و اكثر من 60 جريحًا وتدمير 4 دبابات “ت”54 و “ت 55” ومدفعي مضاد للطائرات.

بعدها طلبت قيادة “القوات اللبنانية” الموحدة من عناصرها وقف اطلاق النار عند الساعة السادسة مساءً، حيث طلب مفوض اقليم المتن جورج قسيس من مفوض رأس الدكوانة في الكتائب طانيوس الحلو الملقب ( بأبو الدهب) بتطبيق وقف اطلاق النار وكما ايضاً من الوحدات المقاتلة الاخرى التي كانت تحت أمرة جورج قسيس.

وخلال تمشيط رجال المقاومة اللبنانية ساحة المعركة سمع صوت النقيب من “القوات الخاصة السورية” ابراهيم غليل من جهاز عثر عليه مع احد الرتباء القتلى يطلب من عناصره الإنسحاب معرفاً عن نفسه ويقول: “هول شياطين، هول شياطين، يا ريت ما فتنا، شو كان بدنا بهالشغلة”.

سقط للمقاومة اللبنانية خمسة شهداء:

الشهيد طوني قهواتي من “الكتائب اللبنانية”.

الشهيد جورج خوري من “الكتائب” استشهد في متراس قرب بناية الشمالي.

الشهيد ميشال عبدالله  من “الكتائب” استشهد في مدرسة الجهاد .

الشهيد بشاره مخلوف من “الكتائب”.

الشهيد ايلي سلوم من “نمور الاحرار”.

وجرح حوالى 20 مقاتلاً من مقاتلي القوات اللبنانية الموحدة.

أراد الاسد الاب تركيع لبنان واحتلاله وفرض نفوذه البعثي عليه، وأن يكون الناطق بإسمه على طاولات المفاوضات في الغرب والشرق. عندها تصدت المقاومة اللبنانية لمشاريعه التوسعية وقالت له “أيدك عن لبنان” وكسرت له اليد التي تطاولت على لبنان في مناطق وجود المقاومة اللبنانية، فكانت المقاومة استمرار لملاحم البطولات عبر التاريخ القديم والحديث.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل