.jpg)
لماذا لا انتخابات في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى منذ إخفاء الإمام موسى الصدر في آخر آب 1978؟ الموارنة والروم والكاثوليك ينتخبون بطاركتهم، والسُنة انتخبوا مجلسهم الشرعي الإسلامي الأعلى قبل أيام، والدروز بدّلوا قيادتهم الدينية. فهل من الصعب أن تنتقل العدوى الى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى؟ من يمنع الانتخابات والتجديد في السلطة الدينية وهل من مصلحة الطائفة الشيعية اليوم أن تذهب الى الانتخابات؟
قبل أن يغيِّبوه قال: “ليس في العالم شعب صغير وشعب كبير بل شعب يريد الحياة وشعب لا يريدها” لكن ماذا لو عاد وظهر؟ ماذا لو عاد الإمام موسى الصدر الآن الآن؟ وأيُ جماعة سيجد؟ وأيُ إجابة سيسمع ممن يقبضون على أعناق الشيعة من أهل الشيعة حين يُذكرهم بقوله: “البكاء لا يكفي، الإحتفال لا يكفي، الحسين لا يحتاج الى ذلك، الحسين شهيد الإصلاح”؟
ماذا سيجد الإمام موسى الصدر إذا لو عاد الآن الآن؟
لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس سنستعرض كل القصة، وندق أبواب الطائفة بحثا عن كل الحقيقة، ولأن نصف الحقيقة كذبة، إليكم حقيقة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الكاملة… كما يحكيها مسؤولون فيه.
منذ إستفقنا في هذه الدنيا ونحن نسمع عن إمام مغيّب ومنذ نضجنا ونحن نسمع عن وجود “نائب رئيس للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى” ومنذ توغلنا في قراءة سراديب السياسة والطوائف ونحن نعي أن الطائفة الشيعية تدفع فاتورة القيد الطائفي مرتين والحبلُ الغليظ مشدود حول أعناق “أولادها” ممن يقبضون على الرقاب والعباد باسمِ الانتماء الى “شيعة علي”! ومنذ أعوام كثيرة، منذ أيقن بعض أهل الشيعة أنهم باتوا في بئر عميق، وهم يحاولون الصراخ: نحن هنا… نحن هنا… نحن هنا… أتسمعون؟
قلة يسمعون وهذه هي مشكلة هؤلاء، بعض الشيعة، ممن يأبون الذوبان في ثنائية “حزب وحركة”. هذا البعض قليل؟ كثير؟ العددُ ليس مهما لأن الوعي هو دائما أقل…
نفتح اليوم ملف الانتخابات في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لأنه ببساطة مطلب شيعي وهكذا يجب أن يكون ولأن إنعاش المجلس، الذي دخل في سبات، يُفترض أن يكون لبنانيا.
في الثالث والعشرين من آذار عام 2012 تقدم ثلاثة من أعضاء الهيئة المستقلة لمتابعة شؤون المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى من رئاسة مجلس الوزراء بوصفها السلطة التي خولها القانون الوصاية على مؤسسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وعلى سواه من المؤسسات بمراجعة إدارية فيها أن أوضاع المجلس قد بلغت من الإزدراء مستوى لا يمكن السكوت عنه، ولا بد معه للسلطة التي قلدها القانون سلطة الوصاية من التحرك تحت طائلة التقصير في أداء واجباتها.
ممتاز، ماذا حصل؟ هل أتى ردّ؟ هل أتت إجابة؟ هل جرى تحرك ما؟ إجراء ما؟ هل وُجه سؤال؟
ثلاثة أعضاء إذا من الهيئة المستقلة لمتابعة شؤون المجلس تقدموا بهذه المراجعة القانونية وهم: الشيخ محمد علي الحاج، مدير حوزة الإمام السجاد العلمية، ولقمان سليم، الباحث والناشط السياسي، وراشد صبري حمادة. ديوان رئاسة الحكومة إمتنع عن استلام هذا الإستدعاء وتسجيله فأرسل إليه عبر “ليبان بوست” في 26 آذار 2012، وأصبحت المسألة بهذا في يد الدولة اللبنانية والقضاء اللبناني… فهل وضع هؤلاء الثلاثة أياديهم في المياه الباردة؟ بالطبع لا لكنهم يكررون في كل مرة: الفشل معناه التوقف عن المحاولة!
لماذا امتنع ديوان رئاسة الحكومة عن استلام الإستدعاء؟ سؤال لا بدّ أن يكون قد خطر في بال الكثيرين والإجابة عند لقمان سليم: “لم يكن هذا التصرف في ظل سيادة شريعة المحاصصة الطائفية والمذهبية مفاجئا”. ماذا يعني هذا؟ هل خاف ديوان رئاسة حكومة محسوبة دستوريا على السنة أن يتفاعل مع هذا الإستدعاء الذي قد لا يعجب من يستولي على قرار أهل الشيعة من الشيعة؟
يوافق سليم على هذا الإستنتاج ويشرح: “أصبح المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أوتيلاً يستخدمه كل طرف لأغراضه، أمل تستخدمه لأغراض و”حزب الله” يستخدمه لأغراض، والإثنان، الحزب والحركة، اتفقا على ألا يتدخل أي طرف بالطرف الآخر، فيكفي “حزب الله” أنه يسيطر عبره على الجهاز الديني الشيعي كاملا، على الجوامع والحسينيات والمساجد والمصليات، وعلى استخدام إسم المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لأغراض تتعلق حتى بالإستيراد، كون المجلس يحوز على صفة المصلحة العامة وبالتالي هو معفي من الضرائب على الإستيراد، ويعمل “حزب الله” بالتالي على استيراد كل شيء، كل كل شيء، تحت إسم المجلس، من الملعقة الى البلاط الى كل ما يندرج في خانة التجارة العامة، في ظل إعفاء ضريبي، أما “أمل” فتستفيد عبر المجلس من مكاسب ومقدرات عقارية ومالية وتستخدمه باعتباره الواجهة التي يُصار من خلالها الى تظهير صورة الجهاز الديني الشيعي، وبالتالي ها هو نائب رئيس المجلس الشيخ عبد الأمير قبلان يذهب الى بكركي ساعة يشاء “الحزب” و”الحركة” وحين يشاءان ألا يفعل لا يفعل”.
القضاء اللبناني لم يتحرك في اتجاه البحث في قضية المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ويردد كل من تابعوا الملف عن كثب أن رئيس مجلس شورى الدولة قال لحاملي القضية وهو يهز رأسه: “ما تحرجوني”!
.jpg)
تأسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لمن لا يعرف في العام 1969 وانتخب الإمام موسى الصدر أول رئيس له، ويوم اختفى، خطف، تولى الشيخ محمد مهدي شمس الدين مقامه والشيخ عبد الأمير قبلان نائبا له. عام 1994 حصل تغيير شكلي. انتخب الشيخ شمس الدين رئيسًا للمجلس والشيخ قبلان نائبًا له بالإجماع. دام هذا الأمر حتى مرض الشيخ شمس الدين في العام 2000، ونزولاً عند رغبته تولى الشيخ قبلان رئاسة المجلس. ومنذ وفاته في العام 2001 لم يتبدل هذا الوضع. وبذلك تزعم قبلان (افتراضيا) الطائفة الشيعية في هذا البلد، على اعتبار أن فكرة المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى التي على أساسها أسس السيد موسى الصدر المجلس هي إشراك الشيعة في منتدى يضم كل مكوناتهم ويملك من الديمقراطية ما يجعله قادرا على الحوار والانفتاح على كل الطوائف الأخرى باسم الطائفة الشيعية. هذه هي الفكرة الأساس وليس كل أساس عند “حزب الله” هو أساس عند حركة “أمل” وليس كل أساس عند طائفة هو ما يعده الحزب والحركة أساسًا!
الأهم من أن تتقدم هو أن تتقدم في الاتجاه الصحيح. دعونا نثق بهذه المقولة ونتابع. السيد محمد حسين فضل الله، رحمه الله، أبى الدخول في هذا المجلس من الأول، ولهذا، بحسب مدير مكتب نجله السيد علي فضل الله الحاج هاني عبدالله، تفسير فيه “أن السيد فضل الله كان يتبع خطا مختلفا عن السيد الصدر والشيخ شمس الدين وكان يرغب ألا ينضوي في مجلس يكون جزءا من الدولة بل كان يهمه مجلس بحجم العالم الإسلامي”.
لا يرغب هاني عبدالله الدخول في التفاصيل كثيرا “لأن الموضوع حساس جدا ويتعلق بمؤسسة نحن (السيد علي فضل الله وقبله والده) خارجها” ويستطرد “تلقى السيد فضل الله أكثر من دعوة من السيد موسى الصدر شخصيا ليكون جزءا من هذا المجلس لكنه رفض رافعا شعار: “لا أنتخِب ولا أنتخَب”. ويتذكر: “كان يأبى السيد فضل الله زيارة الشخصيات السياسية لكن الرئيس حافظ الأسد أصرّ على هذا عام 1986 وأرسل له ست دعوات فلبى وجلس مع الرئيس السوري الذي اقترح عليه في تلك الجلسة إستلام رئاسة الطائفة الشيعية عبر انتخابه رئيسًا للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لكنه أصرّ على موقفه ورفض قائلا له: أنت حافظ الأسد ولك حضورك على المستوى القومي وأنا محمد حسين فضل الله ولي حضوري في كل العالم الإسلامي وأرفض أن أكون موظفا لدى الدولة اللبنانية”.
في مكتب السيد فضل الله إذاً رفض للكلام عن إستيلاء من يقبضون اليوم على قرار الشيعة على المجلس الذي يُعدّ من يرأسه رئيس الطائفة ليس لشيء إلا لأن السيد فضل الله كان خارجه. وقبل أن نتابع بحثنا عن التفاصيل نختم كلام هاني عبدالله حول ما قاله ذات يوم وزير الخارجية ايلي سالم للسيد فضل الله عن كتابه آفاق الحوار الإسلامي- المسيحي: “مقدمة كتابك أهم من مقدمة كتاب ابن خلدون”. لكن بما أن في الختام دائما مسكا عندما تسأل عبدالله: لماذا هناك انتخابات في دار الإفتاء انتخبوا الشيخ دريان (عبد اللطيف دريان) وفي بكركي انتخبوا البطريرك الراعي (بشارة الراعي) وفي دار طائفة الموحدين الدروز اتفقوا على شيخ عقل واحد ووحدهم من يستولون على قرار الشيعة يأبون إجراء انتخابات؟ يجيب: “هذا السؤال هو لسان حال كل الشيعة، كل الشيعة (تقريبا كلهم) يرغبون بإحياء الوجه الديموقراطي للطائفة لكن لا معطيات لدينا قانونية ولا حيثيات مادية”.
لا معطيات أو حيثيات في مكتب السيد محمد حسين فضل الله لكن الشيخ محمد علي الحاج، مدير حوزة الإمام السجاد العلمية، يملك الكثير ويقول: “ما يحصل لا يُحتمل ولا يمكن السكوت عنه. إنهم يتعمدون التعطيل وعدم ضخ دم جديد عند الشيعة حتى لا تولد قوى جديدة ولا أحد يتنفس خارج قصبة من يقبضون على الطائفة. نحن نعترض على هذا. نحن نرفض أن تكون هناك حرية وتنوع لطيف عند كل الطوائف إلا عند جماعتنا. تأسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في سبيل المحافظة على التوازن. الشيخ عبد اللطيف دريان حافظ على وجود كل الأطياف لدى أخواننا السنة أما عندنا فتتقاطع مصالحهم (الحزب والحركة) من أجل عدم خلق قوى تجديدية”.
وهل لنا أن نعرف أسباب تعطيل “حزب الله” و”أمل” إنعاش هذا المجلس؟ يجيب الحاج: “حزب الله حزب ديني والمجلس ديني وهو يتيح، إذا أنعش، حراك الشيعة وهذا يؤثر طبعا على “حزب الله”. وماذا عن حركة “أمل”؟ الحركة “أمل” تعتمد نفس المنهاج في إبقاء المجلس الشيعي ضعيفا كي تنجح في السيطرة عليه. لا يريد “حزب الله” ولا “أمل” أن يشاركهما أحد القرار فكيف إذا كان مجلسا إسلاميا شيعيا هو المسؤول الأول، بمنطوق تأسيسه، عن أهل الشيعة؟! ثمة إذا تقاطع مصالح يقضي على المؤسسة وعلى التنوع الطائفي ويُسخر عمل المجلس في دعم المقاومة وكل ما تبتغيه هذه المقاومة وهذا ما يلتزم به الشيخ عبد الأمير قبلان بدقة”.
لا يريد إذا لا “الحزب” ولا “الحركة” إحياء المجلس الشيعي لأن الحزب مرتاح أن يبقى هذا المجلس كما هو والحركة التي تستفيد من مقدرات المجلس، الذي يضم الكثير الكثير من الأوقاف، تخشى إذا جرت إنتخابات أن يأتي الحزب بحزبللاهي بالكامل رئيسا.
ما رأي المفتي الجعفري الشيخ أحمد طالب؟
لا يجد المفتي أي ظروف تبرر عدم حصول الإنتخابات ويقول: أثبتت التجارب التي مارستها الطوائف الأخرى عدم صحة المخاوف التي يعللون أنفسهم بها بأن انتخاب مجلس شيعي جديد سيثير الخلافات بين أهل الطائفة. هم يشعرون إذا بأنهم بغنى عن عملية الإنعاش هذه في انتظار المتغيرات على مستوى المنطقة، وكلنا نعلم أن انتظار التغيرات الإقليمية معناه أن الطائفة لن تحيا أي نوع من أنواع التغيير وهذا خطير جداً كون غالبية اعضاء الهيئة الأساسية في المجلس باتوا في عداد الموتى. هذا واقعياً، أما لبنانياَ فأعتقد، والكلام الى المفتي طالب، أن وجود مجلس شيعي فاعل في هذه المرحلة يُشكل عامل قوة لكل الطوائف الأخرى، فالإمام الصدر أسس هذا المجلس كي يكون نقطة التقاء وحوار مع بقية المذاهب لا مجلس عداء وجفاء وجمود، وكلنا نعلم أن الأحزاب العسكرية لا يمكنها أن تقوم بدورٍ اعتدالي لأن لها مصالح وتوجهات. المجلس الشيعي الذي ينبض حياة هو وحده قادر أن يؤدي الخطاب المرن مع بقية الطوائف وآن أوان إعادة روحه إليه وخطابه”.
ألا يأتي الخطاب المرن على حساب المتشددين… فكيف يُطلب من متشددين التنازل أمام خطاب مرن؟ يجيب طالب: “الإنسان الحكيم يعرف أن لا عداء مطلقاً في الخلافات المذهبية بل مجرد عداء مرحلي ومن مصلحة الجميع، حتى الأصولي، أن يكون هناك صوت في جماعته يُشكل حلقة وصل مع المذاهب الأخرى”. ما دام الأمر هكذا فلماذا لا ينعشون هذا المجلس؟ يجيب: “لكل طرف مبررات وكلها غير مقنعة. إنهم يحتجون كما سبق وقلت بالظروف الأمنية، لكن لا أعتقد أن أي من هذه المبررات يبرر ترك المجلس الشيعي على حاله”.
مضى على وجود الشيخ عبد الأمير قبلان نائبا للمجلس الإسلامي الشيعي خمسة عشر عاما فلماذا نشعر بهذا الإلحاح بإقالته اليوم؟
لا يختلف إثنان حتى من يعترضون على إجراء انتخابات حالية للمجلس على عدم قانونية الشيخ قبلان، أضيفوا أنه مريض وبات مسنا، يلامس الثمانين (مواليد 1936)، وهناك أيضا وأيضا كثير من الشيعة الذين يريدون أن يتحركوا تحت عباءة مجلس شيعي غير مرتهن الى أحد. والسؤال: ماذا لو تنازل قبلان إضطراريا عن موقعه لسبب قاهر جدا (بعد عمر طويل)؟ من هو المؤهل بلا انتخابات ليتبوأ مكانه؟ يجيب طالب: “يفترض ان تنتقل كما هي الحال منذ أربعين عاما الى الأكبر سنا من اعضاء الهيئة الشرعية وأكبرهم سنا اليوم هو السيد محمد علي الأمين”.
يرفض لقمان سليم هذه الفرضية معللاً: “السيد الأمين هو أكبر الأعضاء سنا لكنه عاجز عن الحراك. هو مريض. إنه مجرد أيقونة في المجلس لا أكثر ولا أقل”.
ماذا عن السيد علي الأمين، مفتي صور سابقا، ما رأيه؟ لا يرغب السيد على ما يبدو في الحديث في هذا الموضوع وهو الذي عاني من البطش “الحزبللاهي” كثيرا وقُبع من منصبه بأمرٍ صادر عن رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ولجنة التنظيم والإدارة في المجلس بإشارة وجهها “حزب الله” الى هذا المجلس. ألم نقل منذ البداية أن من يعتاد رفع الأصبع يعتاد تدريجيا على البطش؟
ماذا لو عاد السيد موسى الصدر حيا اليوم؟
هناك من يبصم بالعشرة أنه، في ظل كل اللعبة المسيطرة والتكتيك السياسي- الحزبي وقرار احتكار طائفة في إسمين، لن يعود! فوجود السيد موسى الصدر ليس من مصلحة لاعبي هذا الزمان…