#adsense

13عاماً على إغتيال رمزي عيراني ولم ينتهِ التحقيق

حجم الخط

عندما اغتيل الوزير والنائب السابق إيلي حبيقة في كانون الثاني 2002 اتجهت الأصابع نحو إسرائيل وربطت بين الدعوى المقامة ضد رئيس وزراء إسرائيل أرييل شارون في بلجيكا لمسؤوليته في مجازر صبرا وشاتيلا وبين رغبة حبيقة في الإدلاء بإفادته أمام المحاكم البلجيكية إذا طلب منه ذلك.

ساد اعتقاد لفترة قصيرة بأن هذا الربط ممكن على رغم تسويق هذه النظرية على أساس أن شارون قتل حبيقة ليتخلص من شاهد أساسي في الدعوى التي قد تسقطه من رئاسة الحكومة كما أسقطته من الحكومة في العام 1983.

خيط رقم شاسي السيارة التي استخدمت في عملية التفجير قاد في اتجاه معرفة اسم صاحب السيارة فإذا به في بلدة جزين. اعتقد كثيرون أن الحقيقة ستنكشف بسرعة ولكن تبيّن أن شخصين اشتريا السيارة منه وقالا له أكثر من مرة إنهما من آل نصر من بلدة صباح الجنوبية. كانت محاولة أخذ التحقيق في الاتجاه الإسرائيلي واضحة ولكنها سرعان ما وصلت الى طريق مسدود عندما تبيّن أن الشخصين ادعيا الانتماء الى عائلة نصر والى بلدة صباح وانتهى التحقيق عند هذا الحد.

ما الذي يربط قضية اغتيال الوزير حبيقة بقضية خطف المهندس رمزي عيراني مع سيارته في وضح النهار في وسط بيروت في 7 أيار من ذلك العام وتصفيته وإعادته جثة في صندوق سيارته في مساء 20ايار بعد أربعة أشهر على اغتيال حبيقة؟ وما هي قصة رمزي؟

هذا التحقيق جزء مما نشر في “النجوى ـ المسيرة” في 3 حزيران 2002.

ليس رمزي عيراني مسؤولاً عن اغتيال حبيقة، ثمة من حاول أن يربط بين هذا الاغتيال ومقتل الدكتور مخايل نصار في البرازيل مع زوجته نظرًا الى العلاقة التي كانت تربطه بالوزير حبيقة ولكن هذا الربط لم يتأكد.

في قضية حبيقة لم يصل التحقيق الى نتيجة منذ ذهب في اتجاه الخط الذي رسمه له المنفذون قبل أن تفشل أدلة كثيرة ربما كانت موجودة مع غسل منطقة الجريمة وشطفها بالمياه.

في قضية رمزي حاول التحقيق أن يبحث في أكثر من مكان، حيث يمكنه ذلك وحيث توجد إشارات ولكنه كان يغرق في التفاصيل تحت ضغط إعلامي وشعبي وسياسي، منذ البداية لم تعط قضية خطف رمزي عيراني حقها من الاهتمام.

لأن رمزي في “القوات اللبنانية” فقد اعتاد على استدعائه مرة بعد أخرى الى مراكز المخابرات للتحقيق معه الى درجة أنه عندما لاحظ أن سيارات تراقب منزله في عوكر اتصل بأحد ضباط المخابرات ليسأله إذا كان المراقبون يعملون لديه.

التحقيقات قالت إن هذه السيارات كانت محددة ومكشوفة ومعروفة. عندما شعر رمزي بأنه مراقب طلب من عامل سيرلنكي في البناية المجاورة أن يسجل له أرقام السيارات. البعض كان يسأل على سبيل المعلومات عن تحركات رمزي وأي طريق يسلكه عندما يذهب الى عمله.

هذه العلاقة الملتبسة مع مراكز المخابرات قد تكون استغلت لإنجاح عملية خطف رمزي بسهولة ومن دون صعوبات. في التفسيرات التي يعطيها البعض أن رمزي عندما ترك مركز عمله في شركة “توتال” في شارع كليمنصو اتجه نحو سيارته التي كان يركنها في مكان ما هناك وفتحها فاقترب منه أشخاص وادعوا أنهم من المخابرات وطلبوا منه مرافقتهم، فلم يبدِ مقاومة وربما لذلك لم يثر الحادث انتباه أحد. وفي مطلق الأحوال إذا كان ثمة من رأى الحادث ولم يدلِ بإفادته فقد يكون شريكا في عملية الخطف وفي مراقبة رمزي متى يأتي الى العمل ومتى يغادر.

لماذا خطف رمزي عند خروجه من العمل بين الساعة الرابعة والنصف والخامسة وليس عند وصوله صباحًا؟ ربما لأن التحرك يكون أسهل بعد الظهر. تقع شركة “توتال” في شارع فرعي من منطقة كليمنصو فيه اتجاه واحد للسير من تحت الى فوق. تدور الطريق من “نزلة” مسرح المدينة ثم تلف يميناً في اتجاه الشركة. عادة تتسع لوقوف سيارة الى جانب واحد. هناك يبحث الموظفون عن أمكنة يرصفون فيها سياراتهم لأنهم لا يركنون كل يوم في الموقف القريب فبعضهم لا يستسيغ ترك مفاتيح سيارته فيه وآخرون قد يتأخرون عن العمل الى ما بعد الوقت الذي يستقبل فيه الموقف السيارات قبل أن يحين موعد المشتركين.

عمل رمزي في شركة “توتال” منذ العام 1993. بدأ مهندسًا في المصلحة الفنية ثم صار رئيسًا لها. يهتم بوضع الدراسات والخرائط ويجول على محطات الوقود والممتلكات التابعة للشركة. يشرف على التعديلات والتغييرات والتحسين في الأبنية والتمديدات ويهتم بإنشاء المحطات الجديدة من ناحية الموقع والتصميم وملاحقة الرخص ومتابعة الأعمال التنفيذية. علاقته المباشرة كانت مع المهندس ريمون خوري المستشار الفني في الشركة وهو الذي أجرى المقابلة الشخصية لرمزي قبل تسعة أعوام من اغتياله عندما قدم طلباً للعمل في الشركة.

أصدقاؤه في العمل يقولون إنه كان مندفعاً في عمله ويشتغل من دون أن يحاسب على الوقت والدوام. المهم أن يؤمن مصلحة العمل ويحقق الإنتاج اللازم. لم يكن يتضايق أو ينزعج. يناقش ويساهم في ابتكار الحل بالحوار. ولا مرة حصل صدام معه ودائمًا كان رفيقاً للابتسامة. مهذب، إبن بيت، لا يشتم أحدًا، كلهم يحلفون بحياته. الموظفون، أصحاب المحطات، المتعهدون، المهندسون، ويعتبرون خسارته خسارة للكل.

في المصلحة الفنية لا يتصرفون بمبالغ مالية لأن القسم التجاري في الشركة هو المسؤول عن الصرف. المصلحة الفنية تقدر كلفة الأشغال وتحصل على الموافقة الإدارية للتنفيذ وتدفع الإدارة المالية.

لم يأخذ رمزي انتماءه الحزبي معه الى العمل. كان يفصل بين الأمرين. في اليوم الأخير في 7 أيار 2002 كان برنامج عمله يتضمن القيام بجولة على بعض المحطات وتقديم تقارير الى القسم التجاري وحضور جلسة مجلس الإدارة الموسع بعد الظهر، ربما وصل الى مكتبه قبل الظهر بقليل وأنجز أوراقه وحضر الاجتماع وغادر نحو الساعة الرابعة والربع أو الرابعة والنصف.

كانت زوجته جوسلين الخوري في زحلة نهارًا فهي من هناك. عند عودتها اتصلت برمزي طالبة منه أن يقل معه أختها من أمام فندق “فينيسيا”. قال لها إنه مشغول ومن الأفضل أن تمر هي لتأخذها معها. قالت له إن حرارة ابنها جاد مرتفعة ومن الأفضل أن تأخذه الى البيت مباشرة بدل أن تلف به في الطرق وفي الازدحام في شوارع بيروت. نزل رمزي عند رغبتها. كانت الساعة نحو الرابعة تقريبًا وكان على موعد مع رفاقه المهندسين في “القوات اللبنانية” في فندق “لو غبريال” في الأشرفية حيث كانوا يعدون لإقامة حفل تكريم نقيب المهندسين السابق سمير ضومط. اتصلوا به وقال إنه أتٍ.

تلك الليلة كان عيد ميلاد ابنته ياسمينا الخامس. سألته ألا يتأخر. قال لها إنه يحضر لها مفاجأة فجلست تنتظر أمام قالب الحلوى. في طبعه هادئ. وليس من عاداته ألا يتصل بزوجته إذا غيّر مواعيده أو طرأ ما يدعوه الى ذلك. الساعة الخامسة إلا خمس دقائق اتصلت به فلم يرد. ليس من عادته أن يطفئ جهازه الخليوي أيضًا. “انشغل بالها”.

بين مقر شركة “توتال” وفندق “فينيسيا” نحو خمسمئة متر فقط. تخرج السيارة من الشارع نزولاً نحو الأوتوستراد الذي يلتف صعودًا من الفندق في اتجاه برج المر وتلف يسارًا وتنزل النزلة فتصبح أمامه. ولكن رمزي لم يكمل مساره. شيء ما خربط مشاريعه وخارطة حياته. بقيت أخت زوجته تنتظر. رفاقه في فندق “لو غبريال” كانوا ينتظرون. زوجته. ياسمينا. ولكنه لم يأتِ. نسي مواعيده مرغماً.

ساد الاعتقاد للوهلة الأولى أنه عند المخابرات. إذا كان الأمر كذلك فالمسألة هينة. كم يوم ويعود. أسئلة في كل الاتجاهات ولا بد من انتظار بعض الوقت حتى تنجلي الغيوم.

لأن هناك أكثر من جهاز أمني، كان المطلوب أن يتم الاستعلام عنه عندها كلها وهي تنفي كلها وجودها عندها. وهم في العادة كانوا ينفون في البداية. بين الحقيقة والوهم والشكوك ضاعت الساعات الأولى من اختفاء رمزي وكان الذين خطفوه أوصلوه الى المكان الذي يستوعبه مع سيارته. لا شك في أنه مستودع تحت الأرض أدخلت إليه السيارة وبقيت فيه واقتيد منها رمزي الى مكان سري فيها بعدما تمت السيطرة عليه كليًا.

في هذا الوقت الضائع ذهبت التحقيقات الأولية في اتجاه النزوة الشخصية واعتقد البعض أن المسألة قد تكون مشابهة لما حصل مع مسؤول الطلاب في الجامعة الأميركية في بيروت قبل أشهر، عندما افتقدوه في مكان سكنه داخل الجامعة، وهو أميركي، اتصل رئيس الجامعة مبلغاً عن اختفائه. اعتقد كثيرون أنه خطف ولكن التحريات نجحت في العثور عليه مع أحد أصدقائه في شقة في منطقة الحمرا. ولكن رمزي لم يكن من هذا النوع وكان خط تحركه معروفا تلك الليلة ولم يدر في ذهن أحد أنه قد يتعرض لسوء بهذا الحجم وأن جهة معينة مجهولة تستطيع أن تخطف وتقتل وتتجول بالجثة في السيارة في وضح النهار من دون أن تبدل لون السيارة ولا لوحتها مع أن أوصاف سيارة رمزي كانت أصبحت معممة. وهي من طراز لا توجد منه أعداد كبيرة وكان في الإمكان العثور عليها في وقت أسرع.

عندما قلق أهل رمزي ورفاقه عليه، اتصل أمين سر نقابة المهندسين عماد واكيم بالنقيب السابق سمير ضومط وأبلغه بأمر اختفائه وسأل عم يمكن فعله. أحد المهندسين من خلال ابنه اتصل بشركة الهاتف الخليوي سائلاً عن آخر الاتصالات التي تلقاها هاتف رمزي عيراني. ولكن لم يتم التجاوب معه في الشركة. وبعد ساعات كان هذا المهندس مع ابنه يخضع للتحقيق حول السبب الذي حمله على السؤال عن هاتف رمزي ولكن بعد التأكد من نيتهما الإيجابية وعدم وجود أي علاقة لهما بعملية الإخفاء أطلقا.

بعد عشرين ساعة على خطف رمزي، وبعدما بدأ يتأكد أن المسألة ليست مزحة، فتح خط هاتفه الخليوي لمدة أربع دقائق ولكن التحقيق لم يتوصل الى كشف الخفايا التقنية واللوجستية والأمنية التي تكوّنت منها عملية الخطف وبحث في أماكن بعيدة عن الهدف وكان كمن يبحث عن قطعة حديد على سطح الماء.

تعددت الأجهزة الأمنية وتنافست في البحث عن الحقيقة الى حد أدخلها في فوضى معلوماتية لم تكن بعيدة عن انتقادات قاسية وجهها إليها القاضي عدنان عضوم مدعي عام التمييز في 13 أيار طالبًا الخضوع لقرارات النيابة العامة التمييزية لأن التداخل في العمل أدى أو يؤدي الى ضياع الأدلة.

في خلال هذه المرحلة كان يتم التركيز على الجوانب الشخصية من حياة رمزي عيراني. أسباب مالية من خلال عمله. أسباب نسائية من خلال علاقات محتملة سرية. علاقات شاذة. كل هذه الأفكار السيئة تم ترويجها، ولكن دائمًا كانت تقف عند حدود معينة.

جانب آخر ركز عليه التحقيق هو البحث عن خلاف داخل مصلحة الطلاب في “القوات” بين بعض المسؤولين فيها على خلفيات شخصية وسياسية والخلافات داخل “القوات”، وتم الترويج لأخبار تقول إن المسألة داخلية. وما كاد هذا الباب يقفل على لا نتيجة حتى فتح على الاتصالات التي تلقاها عدد من رفاق رمزي على هواتفهم الخليوية من مجهولين حول مكان وجود سيارته. عدم تصويب الأجهزة في الاتجاه الصحيح ساهم في إخفاء حقيقة ما تعرض له رمزي.

كان على التحقيق أن يحصر دائرة الشبهة في الجهات القادرة على تنفيذ عملية من هذا النوع عبر خطف شخص مع سيارته وإخفائه، لا أن يوسع دائرة الاتهام الى المنفذين المحتملين الذين قد تكون لهم مصلحة في التخلص منه ولكن ربما كانوا فعلوا برصاصة أو بحادث أو اعتداء لا بعملية خطف. إن حصر العملية بهذا الشكل يسقط من دائرة التركيز على الملاحقة الكثير من الاحتمالات ويحصرها في شكل ضيق جدًا لأن الذين خطفوا رمزي لم يتركوا دليلاً على عملهم وجريمتهم إلا طريقتهم في التنفيذ واحترافهم في إدارة العملية في كل مراحلها وإحاطتها بالسرية التامة ضمن ستار حديدي من الكتمان.

في عز هذا القلق عند أهل رمزي ورفاقه وبعدما توسعت التساؤلات على المستوى الشعبي، حاول بعض الجهات السياسية أن يستغل حزن العائلة والمسألة في تدبير هجوم على الأجهزة الأمنية لاتهامها بالتقصير. وحاولت السلطة والأجهزة أن تصل الى نتيجة سريعة. ولذلك، ولأنه لم تتوفر معلومات ولو محدودة ولم يتم الإمساك بأي خيوط جدية، ذهبت التحقيقات في اتجاه الاتصالات الهاتفية واتهم رفاق رمزي بمحاولة استغلال اختفائه لإثارة النعرات عبر الإيجاء بأن سيارته موجودة في المنطقة الغربية.

هذا ما خرج به وزير الإعلام غازي العريضي بعد اجتماع مجلس الوزراء في 16 أيار. قال إن المجلس يهتم بالقضية ويتضامن مع العائلة لكشف ملابسات الحادث. أما وزير الداخلية الذي كان رأس اجتماعًا لمجلس الأمن المركزي فقدم عرضاً تفصيلياً وأن هناك خيوطاً بدأ تلمسها، وثمة طلبًا قدم الى الأنتربول الدولي للمساعدة في كشف مصادر الرسائل التي كانت تبث عبر شبكة الإنترنت. ثم أعلن العريضي أن وزير الداخلية تلقى في آخر الجلسة اتصالاً من مدير عام قوى الأمن الداخلي يفيده بأن الشخص الذي كان يرسل الرسائل أوقف واعترف.

كانت جلسة مجلس الوزراء مساء الخميس. مساء الأربعاء 15 أيار ورد أول اتصال الى أحد رفاق رمزي في مصلحة الطلاب. كان مع عدد من أصدقائه في منطقة كسروانية جبلية عندما اتصل به أحدهم ولم يكن صوته واضحًا وأبلغه أنه صديق لرمزي وأن سيارته موجودة في مكان قريب من فندق “الكومودور” في الحمرا، هكذا فهم منه، وحاول أن يعرف منه أكثر لكنه أقفل الخط، فسارع رفاقه الى طلب الرقم الذي اتصل منه المتحدث فكان يرن ولا أحد يجيب عليه. تم إبلاغ قوى الأمن الداخلي وبعض الأصدقاء الآخرين بالأمر فاستدعي عدد منهم الى التحقيق وبدل أن يتم الاستماع إليهم على سبيل المعلومات وضعوا في دائرة الشك فضاع التحقيق في متاهات جديدة، خصوصًا أن دوريات أرسلت الى منطقة “الكومودور” ولم تعثر على السيارة فساد اعتقاد بأن هؤلاء الشباب يريدون أن يلعبوا لعبة قذرة.

صباح الخميس تلقى جان أبي نجم اتصالاً آخر على هاتفه الخليوي بعدما ناداه المتصل باسمه، قال له إنه صديق رمزي وكان يتمشى مع صديقه في منطقة الروشة وشاهد سيارة رمزي متوقفة أمام فندق “سي روك”، حاول أن يفهم منه من هو. رد عليه بأنه خائف وأقفل الخط. كان الاتصال من مكان آخر ومن رقم آخر غير الرقم الذي استعمل في اليوم السابق. تم إعلام الاستقصاء بالأمر وخضع جان أبي نجم للتحقيق. وقيل إن دوريات بحثت في محيط “سي روك” ولم تعثر على السيارة، فزادت نسبة الشك بدور سيئ يلعبه هؤلاء وبأن هناك قطبة مخفية، وتم تسريب معلومات الى بعض وسائل الإعلام عن وجود مشبوهين موقوفين وعن خيوط ومحاور قد تقود الى كشف الجناة.

البعض يرجح أن تكون الاتصالات تزامنت مع تاريخ قتل رمزي ووضع سيارته هناك. بعد اكتشاف السيارة والجثة قدر الطبيب الشرعي تاريخ الوفاة بين خمسة وسبعة أيام أي عند ورود الاتصالات. القاضي عدنان عضوم في مؤتمر صحافي عقده في 22 أيار بعد يومين على اكتشاف الجثة بالصدفة قال إن السيارة وضعت في اليوم نفسه من دون أن يكون كلامه مثبتاً بأدلة حسية ملموسة وبشهادات الشهود.

يوم الجمعة، بعد عملية قتل رمزي نظريًا، برز فجأة دور الشاهد حسين أو فوزي زهر الدين. كانت عائلة رمزي في عز قلقها تنتظر أي خبرية من أي كان لتتمسك بها وتبني عليها. دق جرس “الإنترفون” في المنزل في الطابق الثاني في البناية المواجهة لمدرسة زهرة الإحسان وتحدث أبو حسين وقال إن لديه معلومات عن خطف رمزي وطلب من الشخص الذي رد عليه: انزلوا بدي إحكي معكم. ولكن في النتيجة طلع أبو حسين وروى روايته، بقي نحو ساعتين وأدخل العائلة في متاهات تشبه الأفلام. “استجوب” أكثر من مرة وكان يكرر إفادته بحضور محامين وأطباء وأكثر من شخص. قال إنه بائع خضار ورأى عملية الخطف بالصدفة وكيف نزل أشخاص من سيارة جيب وأخذوا رمزي معهم من دون أن يبدي مقاومة وقال إن أحدهم قاد سيارته واتجه الجميع في موكب في اتجاه طريق المطار. وقال إنه لم يتحمل عذاب ضميره وقرر أن يأتي ويقول ما عنده وهو خائف من أن يصل الى قبضة العدالة. قال إنه قصد مطرانية بيروت وطلب لقاء المطران بولس مطر فأحاله الى كاهن في المطرانية فأخبره ما لديه من معلومات. ونظرًا الى خطورتها ولأنها كانت تلقي ضوءًا على أسرار عملية الخطف والجهة التي نفذتها، حسب ادعاء الشاهد، طلب منه الكاهن أن يذهب الى بكركي ويخبر الأب ميشال عويط، قال إن ليس معه مال فنقده عشرين ألف ليرة أجرة الطريق.

لم يذهب أبو حسين الى بكركي، سأل عن بيت كرم قرب بيت رمزي عيراني حتى لا يثير الشبهات حوله. اخترع اسم كرم حتى يصل الى بيت العيراني. وصل وأخبر القصة. ولكن مبالغاته جعلته موضع تساؤل. قال إنه حفظ رقم السيارة الخاطفة وسجله على ورقة وأخذها من محل للدواليب أعطاهم إياها وأنه يعرف السائق وحدد مكاناً يرتاده في منطقة المنارة.

لماذا لم يذهب الى بكركي؟ قال لأنه سأل سائق تاكسي عن الأجرة فطلب 25 ألف ليرة والكاهن لم يعطه إلا عشرين ألفا، وعرض إعطاء المبلغ الى العائلة ليردوه إليه. استنتجت العائلة أنه ليس مختلاً عقليًا واعتقدت أن ضميره بما عذبه كما يقول أو أن جهة معينة أرسلته. لم تتصور أنه يمكن أن يسلك هذا الطريق الخطر بملء إرادته وهو يعرف الى أين تقوده ومن دون أن يطلب شيئاً في المقابل. “واحد بيروح عالموت بإجريه؟ مش معقول”. عرضه عليهم أن يحدد لهم المثلث الذي حصلت عليه عملية الخطف على الأرض. لم يأخذوه. كان مستعدًا لأن يذهب معهم. عرضوا عليه “البدّو ياه” إذا أدت معلوماته الى كشف ملابسات قضية خطف رمزي، لم يطلب مالاً، كان خائفاً من الوقوع في قبضة القضاء. هكذا أعطى انطباعًا قد يكون حقيقيًا وقد يكون مصطنعًا، بعد الاتصال بالمباحث الجنائية أتت دورية وأخذته.

ظل أمر الشاهد سرًا غير معلن ولكنه تردد ضمن إطار العائلة الضيق وتسرب الى الأصدقاء، وفجأة طلع خبر في الصحف أنه صياد جوائز وأن له سوابق في هذا المجال، عندما حاول أن يضلل التحقيق في قضية اغتيال إيلي حبيقة وفي اختلاق معلومات حول خطة لتفجير السفارة الأميركية واغتيال كريم بقرادوني.

عطلت قصة هذا الشاهد التحقيقات وأخذتها في اتجاهات مختلفة. تم تشكيل خلية أمنية من أربعة ضباط: رئيس المباحث الجنائية العميد ابراهيم جبور، العقيد شارل عطا من جهاز أمن الدولة، العميد عماد القعقور رئيس فرع التحقيق في مخابرات الجيش والعميد جان سلوم من الأمن العام. وأخذت هذه اللجنة تجتمع كل مساء في مكتب مدعي عام التمييز القاضي عدنان عضوم من أجل غربلة المعلومات المتجمعة لدى الأجهزة وتنسيق العمل ضمن الخطة التي وضعت لمتابعة عمليات الاستقصاء والتحقيق مع الموقوفين أو الاستماع إليهم على سبيل المعلومات.

وسط هذا الجو، كانت سيدة تسكن في جوار فندق “سي روك” تمشي على الطريق، فشمت رائحة كريهة منبعثة من سيارة “بولو” سوداء متوقفة قرب الفندق. بعد الارتياب بالأمر تم إبلاغ القوى الأمنية، حضرت دورية للكشف على السيارة. بعد السؤال عن رقم لوحة سيارة رمزي والتأكد من مطابقة رقم لوحة السيارة، تم كسر الزجاج وفتح الصندوق فظهرت الجثة.

هل هذه جثة رمزي؟ كان يجب التأكيد من ذلك.

ظهر ذلك اليوم تلقت زوجة رمزي اتصالاً من عند المحقق. طلبوا منها إحضار أوراق تتعلق بطلب استخدام خادمة. بعد ساعات أخذت الأوراق وذهبت. كان ضابط برتبة نقيب يستمع إليها، تلقى خبرًا وتركها لوحدها. جاؤوا واعتذروا منها لأن النقيب ذهب في مهمة سريعة. بعدما غادرت المكان تلقت اتصالاً من أحد المحامين، سألها إذا كان رمزي يضع سلسالاً في عنقه. ساورتها الوساوس. قلقت. لماذا يسألها؟ رمزي أصابه شيء؟ قالت له إنه كان يضع سلسالاً فيه ذخيرة العذراء. وسألته: ليش عم تسألني؟ في شي؟ قال لها: لا لا، ما في شي. في المنزل في الأشرفية تلقى الدكتور نبيل عيراني اتصالاً يبلغه عن العثور على جثة رمزي في شارع كاراكاس. بدورها تقلت جوسلين اتصالاً ثانيًا يفيدها بذلك: “صارلو 10 إيام مقتول”.

أحد المسؤولين الأمنيين اتصل بسلمان سماحة رئيس مصلحة الطلاب في “القوات اللبنانية” وطلب منه الحضور الى كاراكاس للتعرف الى الجثة. لم يعرفه في البداية، ذلك النهار لم يشاهده لا هو ولا غيره من الذين علموا بالخبر وتوجهوا الى هناك ولم يستطيعوا تحديد ماذا كان يرتدي. كان مشوهًا بفعل تآكل الجثة وكان زجاج السيارة مكسورًا والصندوق مفتوحًا والمقعد الخلفي مقلوبًا ورجل رمزي مكسورة حتى أمكن إدخاله في الصندوق. هل قلب الخاطفون المقعد الخلفي؟ لو كان ذلك صحيحًا لكان بالإمكان مشاهدة الجثة من الزجاج الخلفي مباشرة والسيارة مقفلة. ربما عمد بعض رجال قوى الأمن الى قلبه حتى يروا ما في داخل الصندوق. بفعل تحلل الجثة كان الصندوق مغطى بسائل أسود تسلل من أحد الثقوب الى الأرض وشكل بقعة لزجة.

هل يعقل أن يكون تسرب هذا السائل كله بهذه الكمية لو كانت السيارة أوقفت في ذلك المكان في اليوم نفسه؟ وإذا كانت الرائحة منبعثة الى هذا الحد هل كان يمكن لأي شخص أن يقودها من دون أن يضع كمامة على وجهه؟ ألا يعني الجزم بوضعها في اليوم نفسه أنها نقلت من مكان قريب؟ أليس غريبًا أن يتصرف السائق براحة تامة ويقفل زجاج السيارة ويقفلها بالمفتاح ويأخذه معه؟

الطبيب الشرعي لطف الله أبو سليمان كان حاضرًا، نقلت الجثة الى مستشفى الجامعة الأميركية وتم الاتصال بالأهل  للنزول والتعرف إليها. الدكتور فادي نصر، صهر رمزي، كان في عيادته، ترك وتوجه مباشرة الى المستشفى. كانت الرائحة الكريهة تملأ المكان حتى البوابة الخارجية. رمزي صديقه منذ الطفولة وأيام الدراسة. كانت الجثة موضوعة على طاولة على البطن، لذلك لم يستطع أن يرى وجه رمزي. كانت مهترئة جدًا ومشوهة. تعرف إليه من السلسال الذي في رقبته ومن يده التي لم يتغيّر شكلها كثيرًا. وحضر أيضًا طبيب الأسنان الذي كان يعالج رمزي وسبق ورصرص له ضرسين من أسابيع قليلة.

الطبيب الشرعي وضع تقريره. رمزي مصاب برصاصتين في الصدر، حسب المعلومات المسربة حددها بأنها من عيار 5 ملم، ولكن تقرير الأدلة الجنائية حسب التسريبات أيضًا حددها بأنها من عيار س 7,62 ملم. المسألة تختلف وتفسير عملية القتل يتغيّر لأن الرصاصتين تظلان الدليل الحسي.

بعد نحو ثلاث ساعات اتصلوا من مستشفى الجامعة الأميركية بالعائلة طالبين نقل الجثة الى مكان آخر. نقلت الى مستشفى بعبدا الحكومي حيث حقنت بمادة الفورمول التي تحفظها بوضعها الأخير لأشهر عدة.

التحقيق لم يتوصل الى نتائج ملموسة وانتقل الى قاضي التحقيق الأول في بيروت حاتم ماضي الذي تابعه من النقطة التي بلغها.

عائلة رمزي انتظرت لتعرف من خطفه وقتله ولم تهتز يده ولا رف له جفن وتحذر من المساس بسمعته الشخصية وبكرامته “لأن رمزي أعلى من الكل، رمزي كان ملتزمًا بقضيتو، رمزي شهيد الحرية، راح شهيد فكرو، لأن الهيئة بهالإيام ما بقا فينا نفكر على صوت عالي، لازم نكذب على حالنا وعلى غيرنا، ممنوع بقا نروح نصلي. ممنوع رمزي و 5000 شاب يطلعوا على حريصا حتى يصلوا. بدك تصلي صلي وحدك بزاويتك حتى ما حدا يشوفك. بدك تفكر فكر لوحدك. بيقولوا لبنان بلد الحريات، منو حر، مش مهم يكون حر وشعبو مكبّل. الهيئة ما بقا فينا نقعد بهالوطن. لا بدنا نضل تا نسقي الأرزات، أرزات الشهدا ونتحمل. راح رمزي بس بعد في رمزي تاني وتالت وألف رمزي. في تساؤلات كتيرة حول قضية رمزي. نحن ناطرين من القضاء يجاوبنا عليها”.

بعد 13 عامًا هل يعقل ألا يتم اكتشاف خيط في قضية اغتيال رمزي عيراني؟

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل