
في ظل ما يحكى ويعلن ويستشف من هنا وهناك بموضوع تعديل “الطائف” والتأسيس لصيغة جديدة، ووضعاً للامور في نصابها الحقيقي، نتوقف عند الآتي:
اولاً: اننا نتحدى اي فريق سياسي في لبنان ان يعلن امام الرأي العام اللبناني ان اتفاق “الطائف” قد نفذ كاملاً. هنا نقطة البداية في معالجة هذه المسألة، فمن يستطيع ان يقول ان اتفاق “الطائف” نفذ وقد بقيت العديد من البنود والاصلاحات طي النسيان او التناسي، وبالتالي كيف نستطيع ان نطالب اليوم بتعديل “الطائف” او تغييره وهو لم ينفذ باكثر من 60% اذا كنا متفائلين؟
ثانياً: اذا سلمنا جدلاً بتعديل اتفاق “الطائف”، فالسؤال الاول الذي يطرح: في ظل اي معادلة نأتي الى تعديل الطائف؟ لقد غرق لبنان منذ السبعينات في حروب اهلية وخارجية واقليمية ودولية دموية ومدمرة للحجر والبشر من اجل الوصول الى اتفاق الطائف، ونذكّر بالاوراق الاصلاحية التي قدمت منذ عهد الرئيس المرحوم سليمان فرنجية ( الوثيقة الدستورية ) وصولاً الى وثائق مؤتمرات لوزان وجنيف في عهد الرئيس امين الجميل. وكلها سقطت تحت الحديد والنار الى ان وصلنا الى الطائف فكان “الطائف” حصيلة طبيعية للافلاس السياسي والوطني لهذا المسار الطويل من التناقضات بين من كان يعتبر صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني رئاسية ومجحفة بحق المسلمين وبين من كان يعتبر ان المطالبة بالاصلاحات السياسية تكريس لوضع اليد الاسلامي على حكم البلد.
فأي تعديل للطائف يعني من جملة ما يعنيه، وفي قراءة واقعية – سياسية بسيطة، عودة الى حرب اهلية خصوصاً واننا حالياً في اسوأ اجواء داخلية – اذ ان العلاقات بين القوى السياسية اللبنانية مصطفة مذهبياً وطائفياً وسياسياً وعقائدياً اصطفافاً قسم البلد الى شطرين بين من يبايع لبنان اولاً بخلفيته السنية العروبية ومن يبايع ايران والاسد اولا بخلفيته الشيعية العلوية الصفوية من دون ان ننسى حال انعدام الوزن والتوازن بين القوى اللبنانية. ففريق مسلح ومدجج بفائض القوة العسكرية يتحكم على فريق واسع من لبنان واللبنانيين الاخرين، وهو في حال دويلة ضمن الدولة وسياسة خارجية اقليمية مناقضة لسياسة الدولة وقرار حرب وسلم خلاف قرار الدولة … فاي تعديلات ستأتي حرة وديمقراطية ومتوازنة في ظل هذا الواقع؟
ثالثاً: اذا كان رهان بعض القوى السياسية والمسيحية تحديداً – المتحالفة خاصة مع سلاح حزب الله – ان تستفيد من هذا السلاح لفرض تعديلات في الطائف لمصلحة المسيحيين وهو مطلب حق في المبدأ، الا ان تلك القوى يجب ان تتعظ من تجارب التاريخ ومن ما يؤخذ بالقوة بالقوة يسترد لان لبنان بلد التسويات اولاً واخيراً. ومهما تحالفت وتضافرت ظروف انية ترجح كفة فريق على اخر، تجعله مستقوياً على اخر الا ان متطلبات العيش المشترك تفترض في النهاية مسك العصى من الوسط والتراجع والانكفاء والشواهد التاريخية الحديثة كثيرة لمن يريد العودة الى ارشيف لبنان السياسي.
رابعاً: يجب ان لا يغيب عن بال احد – ان اي تعديل للطائف حاليا – غير مضمون النتائج في ظل وجود نزعة انفصالية عن ثوابت لبنان وقواعد ومبادئ السلم الاهلي والموالفة العريقة بين اللبنانيين والتغيير في قواعد العيش المشترك من طرف اساسي في التركيبة اللبنانية وتوتر فتنوي مذهبي وطائفي في لبنان والمنطقة كلها اعتبارات لا يبدو من ينادي بتعديل الطائف في هذا الظرف اخذا اياها بالاعتبار فضلاً عن الضرر البالغ اللاحق في النسيج السوسيو- سياسي اللبناني منذ اندلاع الثورة السورية وتداعياتها الى الان على لبنان. وبالتالي من يستطيع ضمان ان نخرج من مسألة تعديل الطائف بصيغة دولة موحدة مثلا – او بصيغة دولة عيش مشترك مثلا؟ عندها من يتحمل التبعات التاريخية على سقوط الهيكل على رؤوس الجميع؟
خامساً: قد نكون في صميم انفسنا موافقين على اعطاء الرئيس الماروني اقصى الصلاحيات الرئاسية، لا بل قد يكون من بيننا من يطمح الى ان يتحول النظام اللبناني الى رئاسي مطلقي لمصلحة المسيحيين، لكن بين الواقع والتمني مفارقتين اساسيتين: العبر من التاريخ والسياسة الواقعية .
ان اي فريق وبخاصة من ينادي بتعديل اتفاق “الطائف” اليوم لا يمكنه ان يضمن مسبقا اتفاق اللبنانيين على صيغة جديدة للبنان واحد موحد. كما ان اي فريق وبخصاة من ينادي بتعديل اتفاق الطائف اليوم لا يستطيع ان يضمن ان تسفر التعديلات عن استمرار العيش المشترك – وبالتالي الى اين نذهب؟ وما المطلوب في ظل الظروف الحالية؟ كلام حق يراد به باطل…
اعذرونا يا سادة فاننا نرى المشهد اللبناني اعمق واخطر بكثير مما يراه البعض في طروحاته …. فاللهم اشهد اننا بلغنا …
