
يحورون ويدورون، ويستنبطون حججا وآليات بذريعة فرض المشاركة في القرار، وكأنهم ليسوا جزءا من هذه السلطة السياسية والتنفيذية والتشريعية، ولا شركاء في مغانمها ومشاريعها ووظائفها منذ سنوات. في ظل حرب سنية- شيعية بدأت، ولا أحد يعرف كيف ومتى تنتهي، ولا كيف سيكون مصير البقية الباقية من مسيحيي الشرق، يمارس مسيحيو لبنان لعبة الترف السياسي والرهان على الوقت، ويمعنون، بقصد او بغير قصد، بضرب آخر موقع مسيحي في هذه المنطقة، حتى اذا ما أتت الساعة يكون قد فات الاوان. هذا الاسبوع تجند نواب “تكتل التغيير والاصلاح” لاستمزاج الكتل السياسية رأيها في اقتراحات معروفة سلفا الاجابات عنها، ومجهول القصد من طرحها في هذا الظرف. وللاستفسار توجهنا الى عضو التكتل النائب ألان عون.
* ماذا استخلصتم من اللقاءات مع الكتل السياسية؟
– نحاول التفتيش عن مخارج، وطرحنا مقاربة نناقشها مع الآخرين لإضافة بعد مسيحي إلى الاستحقاق الرئاسي. بعد عام على الشغور، لا يستطيع الافرقاء الآخرون أن يتصرفوا كأنهم لا يدركون ما يحصل. يجب أن يفهموا أن جوهر المشكلة مسيحي بامتياز. في وقت معين حصرت المشكلة كأنها مشكلة شخص، ونحن نقول إنها مشكلة حقوق ومقاربة، بدليل أننا نطرح اليوم آلية، وليس شخصا، توصل من له صفة تمثيلية، أيا يكن.
* طروحاتكم تتطلب تعديلات دستورية ووقتا لتنفيذها، وكأنكم تؤجلون الاستحقاق، فهل تنتظرون شيئا ما؟
– هناك دائما اعذار والنتيجة واحدة: لا يريدون الاعتراف بحقوق المسيحيين في هذا الاستحقاق. من ينتظر هم الآخرون الذين سلّموا بانتظار تطورات خارجية يتحدد على أساسها اسم الرئيس لينتخبوه، وهذا ما اعلنه صراحة النائب وليد جنبلاط مثلا. نحن ندعو إلى الخروج من هذا الواقع، والاستفادة من النافذة اللبنانية المتبقية، لأن التسوية متأخرة وانتظارها سيطول، وعندما ستأتي، لن نكون مؤثرين فيها نحن اللبنانيين. عندما عجزنا عن التوصل إلى نتائج من خلال مسارات الحوار، دعونا إلى الاتفاق على آليات. هذه المحاولة هي للتوصل إلى توافق على آلية معينة، وليس فقط على شخص.
* لماذا استنباط آلية جديدة فيما الآلية الدستورية موجودة، انزلوا وانتخبوا؟
– ليس المقصود آلية بالمعنى الانتخابي. قلنا إننا لن نغير الدستور، وسنبقي على آلية الانتخاب وفق المادة 49، ومجلس النواب ينتخب رئيس الجمهورية. نحن اليوم نقول بآلية حسماً للخلاف بيننا، بما أن الاتفاق على شخص لا يفتح ثغرة في هذا الحائط، فلنتفق على آلية توصل أكثر من شخص، كي لا يكون لأحد عذر سياسي معين، نرضى بها كمسيحيين أصحاب هواجس ونكون حللنا مشكلتنا، وتتيح للمسلمين إيصال شخص ينسجمون معه سياسيا.
* لا يكون التمثيل المسيحي صحيحا الا اذا كان العماد عون رئيسا للجمهورية؟
– الموضوع ليس محصورا بالعماد عون شخصيا، بل هو موضوع حقوقي، له علاقة بطائفة معينة وباستحقاق معين، وبمن يملك هذا التمثيل، كائنا من كان اسمه. ما نحاول القيام به هو كسر نمط معين بالتعامل مع رئاسة الجمهورية، مستمر منذ الطائف، نحاول تغييره لكي يعتمد من الآن فصاعدا. إما أن نكسر هذا المسار ونغير نمط التعاطي مع رئاسة الجمهورية ونعتبرها جزءا اساسيا من حصة المسيحيين في هذا النظام السياسي، وعليه يجب ان تخضع لمعايير تمثيلية مثلها مثل الوزراء المسيحيين والنواب المسيحيين والتعيينات الادارية للمسيحيين والآن العسكرية والامنية، واما ان هناك مشكلة نعبر عنها من خلال هذا الموقف الذي نتخذه في شأن الرئاسة. ثم هناك فرصة لن تتكرر، متوافرة اليوم من خلال تكتل سياسي مسيحي ذي حجم كبير، وتحالف قوي كبير جدا، وزعيم تاريخي، واذا كنا على ايامه لن نتمكن من تصويب الخلل في النظام بحق المسيحيين، فلا أرى امكان ان تتوافر فرصة جديدة في المستقبل، وهذا ما يخيفني على مستقبل المسيحيين، وهذا جوهر المعركة التي نخوضها اليوم.
* كم يمكن البلد في ظل الوضع السيئ الذي يعيشه ان يتحمل هذا الترف السياسي الذي تمارسونه؟
– الموضوع بالنسبة الينا وجودي، نريد تكريس كلمتنا في رئاسة الجمهورية، وبقدر ما يكون وزننا بالمشاركة في القرار في البلد على كل المستويات، نضمن استمراريتنا فيه. اتكلم هنا كطائفة وكمكون أساسي في لبنان. ديمومتنا وضماننا فيه يكونان من خلال مشاركتنا في القرار فعليا وليس شكليا، ولكي نؤمن هذه المشاركة الفعلية يجب ان نكون مؤثرين في كل مستويات الدولة، وأولها رئاسة الجمهورية. إذاً الموضوع جوهري وليس ترفا. هل انت موجودة في دولة قانون ونظام لكي تنالي حقوقك وانت خارج السلطة؟ اذا لم تكوني على الطاولة بقوة، فلن يحسب أحد لك حسابا. لذلك اصبحت رئاسة الجمهورية بالنسبة الينا قضية حياة او موت على المستوى السياسي كمسيحيين، وليس فقط كفريق سياسي.
* لكن المسيحيين انفسهم متفرقون، فكيف يؤثرون؟
– المشكلة تكمن في تحجيم المسيحيين داخل السلطة، وليس في تنوعهم السياسي. اذا كان الرأي العام المسيحي يتمثل في فريقين او ثلاثة فهذا حقه، لكن ما ليس حقا هو ان يكون لهذين الفريقين حجم معين ولا يعطى في السلطة، هذه المشكلة الاساسية.
* اتفقتم في بكركي على 4 اسماء تمثل المسيحيين لخوض الانتخابات.
– هؤلاء ممنوعون من الرئاسة من خلال فيتوات سياسية موضوعة، لماذا؟ اختيار المسلمين يجب ان يكون من خلال هؤلاء الاربعة.
* قال نبيه بري ووليد جنبلاط نسير بمن يتوافق عليه المسيحيون.
– لا نريد الاتفاق. نحن اتفقنا على اجراء معركة في ما بيننا، هل يقبلون؟
* انزلوا الى المجلس لإجراء المعركة.
– مشكلة المسيحيين اننا لم نتوافق على شخص واحد، توافقنا على خوض معركة في ما بيننا، الآخرون لا يقبلون، لأن لكل واحد اسبابه. “هيك ما بتزبط”.
* كيف ومتى “بتزبط”؟
– اليوم الأفق مقفل.
* متى يقتنع عون بأنه ليس مرشحا وفاقيا؟ ولو كان مرشحا لمنصب مسيحي الا يجب ان يقبل به المسلمون؟
– المسلمون لهم رأي فيه، لكن يجب ان يكون من ضمن المرشحين المسيحيين وفقا لمعايير معينة، ليختاروا من بينهم. عندما نتواجه مع تعيينات عند الطوائف الاخرى، لا نختار عنهم، ينتقون الاشخاص ونحن نعطي رأينا فيهم.
* اي انكم تريدون ان تضمنوا توافقا على ميشال عون، او احد الاربعة، لتنزلوا وتؤمنوا النصاب؟
– نريد، من خلال توافق على آلية جديدة، تصويب الخطأ المتمادي في حق المسيحيين، والذي تفاقم من خلال تطيير الانتخابات النيابية مرتين، وتطيير الطعن في المجلس الدستوري، ومن خلال قانون انتخابي غير عادل انتج اكثرية فيها خلل مسيحي، كلها اسباب افقدت هذا المجلس مشروعيته، اضافة الى المشكلة الاساسية. تصحيح وضع هذا المجلس وهذا الخلل المسيحي يكون بالاتفاق بين الكتل المسيحية، اذا لم يكن على شخص، فعلى آلية معينة ترضي المسيحيين، ويقبلون شروط اللعبة من خلالها. المشكلة معهم انهم لا يمشون بشخص يملك هذه المواصفات، ولا بآلية تؤمنها. لا يمكن المسلمين ان يقولوا لا فقط، يجب ان يعترفوا بوجود المشكلة، وان يعطوا حلولا مرضية لها وليس حلولا لأشخاص، حول كيفية تأمين تلك المعايير في اي رئيس مقبل، وتترك بعدها حرية التصويت لمن يريدون.
* هل انتم اصلا كأطراف مسيحيين، “تيار” و”قوات” وكتائب و”مردة”، متفقون في ما بينكم على الآلية؟
– تبين من لقاءاتنا انه يمكن المسيحيين الاتفاق على الآلية، ولو لم يتفقوا حتى الآن على شخص واحد. كلهم مع ان يأتي رئيس ذو مواصفات مسيحية معينة، يعطيها كل فريق تعريفا مختلفا.
* لو لم يكن شامل روكز صهر عون، هل كان يخوض المعركة بهذه القوة؟
– مبدأ “مع التعيين وضد التمديد” خضناه في كل الاستحقاقات، في النيابة وفي الرئاسة، واليوم نحن في السياق الطبيعي نفسه. اذاً، ليس مفاجئا ان نكون ضد التمديد في منصب قيادة الجيش. صودف ان المرشح الذي نطرحه على صلة قربى، لكن هذا لا يضعف مبدئية المعركة التي نخوضها.
* بتعيين قائد جيش في غياب رئيس جمهورية، الا تضعفون ما تبقى من دور مسيحي في هذا النظام؟
– ليس لانه حصلت مشكلة لم تسمح حتى الان بانتخاب رئيس يجب توقيف كل الاستحقاقات الاخرى. يهمنا لو كان هناك رئيس جمهورية ان يكون له رأي، خصوصا اذا كان ذا صفة تمثيلية ويمثل مرجعية للمسيحيين في البلد. اليوم اذا عين قائد للجيش في غياب رئيس الجمهورية، مع الاخذ في الاعتبار رأي المرجعية السياسية المسيحية الموجودة في الحكومة، امر لا يسيء الى المسيحيين ولا الى دور رئيس الجمهورية الغائب حتى هذه اللحظة، ما دام يعوض من خلال احترام ارادة المرجعية السياسية المسيحية على الساحة.
* الا تكونون تفرضون على رئيس الجمهورية المقبل، وهو القائد الاعلى للقوات المسلحة، قائد الجيش؟
– هذا المقبل، بما انه سيسعى لنيل تأييدنا، “يمرر” معه قصة قائد الجيش. اذا اتى الرئيس الذي نطالب به تكون المشكلة محلولة لانه خيارنا، واذا افترضنا انه رئيس آخر، عليه على الاقل تأييد خياراتنا، اذا اراد تأييدنا.
* لماذا تخوضون المعركة منذ الآن؟
– موضوع التعيينات الأمنية مطروح الان، ونحن من دعاة ان يحصل من ضمن سلة وتحل القصة دفعة واحدة. هناك بالطبع عنصر ثقة مفقود مع كثيرين، وهناك نيات بعضها مبيت وبعضها معلن في شأن عدم الاستعداد للتعيين. وفي هذه الحال، طبيعي طرح الموضوع من ضمن سلة متكاملة، لكي نضمن حصول هذا الامر.