
نزاهة بعض القضاة، ومناقبية ضباط الجيش اللبناني، لا يمكنهما حجب الصورة الحقيقية لهيمنة “حزب الله”، في دوائر القضاء والمخابرات اللبنانية. هنا “شواذ” النزاهة والمناقبية، يؤكدان القاعدة العامة لتدخل “حزب الله” في هاتين المؤسستين. لو كان القضاء عامة غير خاضع لتأثيرات 8 آذار، لما طالبت 14 آذار بمحكمة دولية في قضية رفيق الحريري. ولو كان القضاء العسكري والمدني حُرَّين ومُستقِلَّين لما صدر الحكم على ميشال سماحة بالطريقة التي صدرت.
حتى الأعمال العسكرية التي قام ويقوم بها الجيش اللبناني، ما كانت ممكنة لو استعمل “حزب الله” حق النقض. للإيضاح أكثر: خاض الجيش معارك نهر البارد وأحداث عبرا، وجرود عرسال، لأن ثمة التقاء في 14 و8 على عدو مشترك هو الإرهاب والتطرف. في المسائل التي ليست في مصلحة “حزب الله”، يقف الجيش اللبناني منتظراً رفع “الفيتو”. الدليل هو معارضة “حزب الله” الشرسة لقرارات دولية ومؤتمرات حوارية محلية، بنزع سلاح المنظمات المسلحة في المخيمات العاصية على الشرعية الفلسطينية.
هل مخيم قوسايا للجبهة الشعبية أقوى من مخيم نهر البارد الذي سيطرت عليه “فتح الإسلام”؟
يعرف “حزب الله” كيف يستفيد من ثُغَرِ النظام اللبناني، وكيف يوَسِّعُ هذه الثُغَر لتعطيل النظام برمته، بينما تجهد 14 آذار في سياسة “سد الثُغر” ورأب الصدوع. وكم من السهل الهدم، وكم من الصعب الترميم خصوصًا في هيكل سياسي متصدع الى درجة كبيرة.
وبرهنت الوقائع من “7 أيار” وما بعده، أن “حزب الله” يتجاوز كل الخطوط الحمر في سبيل بقاء هيمنته في تلك الدوائر. أنها نوع من “ولاية فقيه” على الطريقة اللبنانية. ففي إيران قرار القضاء والعسكر والأمن والانتخابات والنووي، في يد المرجع “الولي الفقيه”، ولرئيس الجمهورية مساحة البحث عن حلول للأزمات الإقتصادية وتعبيد الطرق وتحسين الطبابة. وهنا لا بد من الإشارة الى تساهل في إيران، مقارنة بتشدد في لبنان. إذ يمكن لسياسي معتدل كحسن روحاني أن يصبح رئيساً “للجمهورية الإسلامية”، ولا يمكن لأي “روحاني” لبناني أن يرأس “الجمهورية اللبنانية”. هذا الـluxe، غير مسموح في لبنان.