
“القوانين ليست حاجة الأخيار للتصرف بمسؤولية، والأشرار غالباً ما يجدون طرق الالتفاف عليها”، يقول أفلاطون. حضورياً وباسم الشعب حكمَت، ولكن، ماذا عن حكم الشعب؟ ماذا عن انعكاسية المرآة؟ المحكومية تكاد تنتهي، فلنستعرض افتراضياً خيارات ما بعد ذلك.
بعد مذلة الموقف ومشقة الاستدعاءات وتعليمات السجان وخشونة الفراش وضيقه، أكثر من أربع سنوات، قد يكون القول الأميركي “home sweet home” من البديهيات. الرحلة أقل من نصف ساعة إلى القرية المتنية. وألا تلتقي بأحد المعارف أمر من المستحيل، أحد المارة ممن يترددون على عاصمة الشمال تقع عيناه على الجاني، يتساءل إن كانت الأعوام الأربعة التي مضت أعواماً إضافية. يخاف من آتٍ أعظم، ولا يجد أجوبة شافية. ترتبك التقاليد، فكاهن الرعية الذي اعتاد زيارة السجناء في الداخل، كما بعد خروجهم، يسمع صوتاً بعيداً يذكِره بشكر القدير على سلامة رئيسه الكبير، فيستعيض عن الزيارة بأخرى للكنيسة القديمة.
امتعاض يلف المكان، تخرقه لهفات عائلية معذورة، وحسرة بعض الشركاء على ما خرّبه رجال الأمن. يحـقِّرون إحدى البزات العسكرية، يقبِّلون أخرى، يتباهون أمام العدسات ويحاضرون: مغررٌ أخاك لا مجرمُ.
ليس جدول الأعمال مزدحماً، يلاحق الهاربين منه، والسعي إلى زيارة إحدى ضواحي العاصمة على قدم وساق، ناسها يتفادون العار، وأفعالهم تلتقطها كاميرات عادية نهاراً، وليس تلك المزودة برؤية ليلية من قلب صندوق سيارة. تتم الزيارة متخطية النفور، وبسرية تامة لأسباب أمنية وأخرى غير أمنية.
ليس على جدول الأعمال من زيارات لزميله في الجبل، لكثرة ما كفر بالفعل المشين، فعين الجاني على زيارة بحيرة شمالية، اعتادت ضفافها حكاياته من دون أن تتعلم الهروب من الخائبين، تستقبله وتستعجل أعمال التنظيف من بعده. فطريق العودة غير مختصرة، ولا تمر في طرابلس التي قد لا تنقذ المصادفة عمامتها، مرتين على الأثر، فالمجرم ليس غالباً ما يعاود زيارة مسرح الجريمة، كما في أفلام هوليوود.
الجاني منهك والنقاهة خارج البلاد، يتفادى الرحلة إلى باريس، فهناك قد يلتقي بزمرة من مواطنيه لم تصدر حكمها بعد، كما وصلت إليه آراء الجالية في سيدني وبوسطن. فالانتشار غير معني بالعدل المرقّط ويردد مقولة الكوميدي الأميركي الراحل، غروتشو ماركس “العدالة العسكرية للعدالة، كالموسيقى العسكرية للموسيقى”. ليس من وجهة بعيدة مرحِّبة خارج الحدود إلا الأقربون، لكن الطريق إليهم ليست آمنة، كما كانت، قد يُقتل الجاني برصاصٍ معارض، بسيفٍ تكفيري أو بمرضٍ نادر.
الوجهة بعد انقضاء المدة أكثر تعقيداً، قد يكون الحكم من دون أي شك الحياة الشاقة المؤبدة.