#adsense

عسكرتاريا في زمن مدنيّ

حجم الخط

إنّ هويّة النّظام المدني تنسحب على كلّ مكوّناته في كلّ الدّول المتحضّرة في العالم، الا انّ لهذه القاعدة استثناءات كما هو حاصل في لبنان. لن ندخل في مقاربة قانونيّة لعمل المحاكم إنّما سنتطرّق الى الموضوع من الزاوية العامّة لتطبيق الأنواع المختلفة للنّظم القانونيّة. فالإشكاليّة الأساس التي نواجهها اليوم في بلدنا لبنان، تكمن في تبدّل وظائف الأجهزة في الدّولة، وتحوّلها إلى مخلوقات خارقة، فإلى متى ستبقى هذه الحالة سائدة؟ وهل سيعود كلّ جهاز  في الدّولة إلى حجمه الطبيعي وإلى مهامه الأساسيّة؟

فرض النّظام الأمني السوري-اللبناني نفسه على كلّ أجهزة الدّولة من أمن عام وأمن دولة ومخابرات عامّة وخاصّة، وحتّى المحاكم العدليّة وغيرها. فباستعراض بسيط لما ارتكبته هذه الأجهزة في لبنان من حوادث 7 آب إلى توقيف قائد “القوّات اللبنانيّة”، وما تبع هذه القضيّة من توقيفات بحقّ رفاق لنا حيث كانوا يرغمون على التّوقيع على محاضر حول أمور لم يرتكبوها؛ فضلاً عن اتّهامات كانت تساق ضدّهم من قبل أجهزة المخابرات الامنيّة. كذلك كنّا نرغم على توقيع أوراق نلتزم بموجبها بعدم ممارسة أيّ نشاط سياسي أيّام تحصيلنا الجامعي، وطبعًا لم نكن نلتزم، بل كنّا دائمًا نزداد صلابة وقناعة بأحقيّة مواقفنا ومطالبنا.  فضلاً عن المحاكمات التي دارت في ما بعد لعدد من الرفاق، كذلك استشهاد بعضهم تحت التّعذيب على يد من أتقن فنون التّعذيب، من الدولاب إلى البالنكو والكرباج والتعليق بالمقلوب وضربات الكهرباء واللائحة تطول وتطول. كذلك الملفّات الاعلاميّة التي كان يفبركها النّظام الإعلامي الأمني.

أمّا بعد، فالمطلوب اليوم العودة الى الدّولة الحقيقيّة بإعادة المهام الحقيقيّة لكلّ جهاز أو مكتب أو مؤسسة فيها. من أدناها إلى أعلاها. فالدّولة لن تستقيم طالما لم تعد الصلاحيّات الإستثنائيّة إلى حالتها الطبيعيّة. وطالما الحقّ في غير مكانه والإسخريوطيّون أحرار في إعلامهم وممارستهم للمهام الإستثنائيّة لن يكون لبنان، لبنان الحريّة التي تحدّث عنها شارل مالك مرارًا وتكرارًا، أمّا نحن فسنبقى نقول الحقيقة مهما كانت صعبة ولن نتراجع في زمن السّلم عمّا لم نتراجع عنه في زمن الحرب.

فالمحكمة العسكريّة يجب أن تبقى، لكن لتحكم في أمور العسكر وليس في أمور النّاس المدنيين، وكلّ الأجهزة القضائيّة يجب فصلها عن الأجهزة السياسيّة، والمطلوب اليوم صياغة مشاريع قوانين تحرّم التّدخّل في دور القضاء، كما في تسريع عمله. فالدّولة التي قضاؤها بخير تكون بخير. وطالما قضاؤنا معتور في تطبيق بعض القوانين والدعاوى القضائيّة فيه تبلغ من العمر سنينًا طوال، لن يستقيم البلد. أمّا إذا لم نعمل على سيادة القوانين وتصويب عمل بعض الأجهزة في الدّولة فلن نصبح دولة راقية على عتبة الألفيّة الثالثة، وسنبقى في حضيض الدّول، وعندها ستسقط الأمانة التي سلّمنا إيّاها شهداؤنا سقوطًا مدوّيًا لأنّنا لم نستحقّ أن نحملها والأكيد أننّا مستحقّون.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل