
عام على الفراغ الرئاسي. 365 يوماً والفراغ سيد القصر في بعبدا. كأن المطلوب أن يتعود اللبنانيون على هذا الواقع او ان يتآخوا مع فكرة جمهورية من دون رأس. لكن هل تبقى ثمة جمهورية من دون رئيس؟ ومن يدير رأس ما تبقى من هذه الجمهورية؟ ماذا يعني تفريغ موقع الموارنة الأول والأخير في الجمهورية اللبنانية، وهل يكون تاريخ 25 أيار المسجل على روزنامة أعياد الوطن بإسم “عيد التحرير” هو يوم وطني أم وقفة تأمل في يوميات عام من تاريخ وطن من دون رئيس؟
كما العادة سينقسم اللبنانيون على مضمون هذا اليوم لكن في حسابات التاريخ العنوان سيدون واحداً: عام على الشغور الرئاسي. والأصح عام على انكشاف حقيقة غير قابلة للجدل، ومفادها بان الشغور باق حتى إشعار آخر إلا إذا… إطمئنوا فهذه الـ”إذا” تتضمن كل الإحتمالات إلا أن ينتخب الرئيس الـ13 منذ استقلال لبنان من داخل البرلمان… ولو بدا تشتي غيمت!
يوم أعلن رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع برنامجه الرئاسي تحت شعار “الجمهورية القوية” كان مدركاً لدقة المرحلة. قال يومها “المرحلة التي يمر بها لبنان هي من اخطر المراحل في تاريخه المعاصر، فالدولة والكيان باتا رهن الإستهدافات المتواصلة والمباشرة”. حتى أنه ذهب إلى أبعد من ذلك كأنه كان يقرأ في تفاصيل الأيام التالية. تفاصيل يوميات “عام على الفراغ الرئاسي”. قال جعجع: “إن الدولة لا تحتمل من يقاسمها السلطة والقرار ويعطل مؤسساتها ويقوض مرجعيتها، والكيان لا يحتمل ما يخل بتوازناته ويضرب ميثاقيته ويهدد عيشه المشترك”.
في برنامجه الرئاسي الذي أعلنه من المقر العام لحزب “القوات اللبنانية” في معراب، واستغرق 45 دقيقة فند جعجع العديد من البنود التي تناولت محاور ومواضيع سياسية وأمنية وإقتصادية ومعيشية وإجتماعية وعلاقات لبنان الخارجية والإقليمية والربيع العربي والوضع في سوريا والقضية الفلسطينية وسواها… وعلى رغم أهمية هذا البرنامج الذي يطرح للمرة الأولى في تاريخ انتخابات رؤساء جمهوريات لبنان الـ13 بعد الإستقلال الا ان العراقيل التي وضعت للحؤول دون تأمين النصاب البرلماني لانتخاب رئيس للجمهورية على مدى الجلسات التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري فرض واقعاً لم يعد قابلا للجدل: بلد من دون رئيس حتى إشعار آخر.
طبعا هي ليست معادلة “جعجع أو لا أحد” وهو من دعا بعد كل جلسة انتخاب أن يترشح من يشاء والرئيس الذي ينتخب من داخل البرلمان سيكون من أول المهنئين له كائنا من كان هذا الرئيس العتيد. لكن 14 جلسة ولم يتأمن النصاب، 15 جلسة، 16 لم ولن يتأمن على رغم كل المعطيات الجديدة التي استجدت وآخرها الحوار القواتي – العوني والتي أعادت خلط الأوراق من جديد في العديد من المواضيع الا ان الجمهورية بقيت من دون رأس ولا رئيس مسيحي ماروني.
كلام يحبط المسيحيين وتحديداً الموارنة الذين باتوا يشعرون ان لا رأس يمثلهم على مستوى الدولة؟ في البداية لا بد من الإعتراف بأن أحد مصادر قوة وضمانة المسيحي في لبنان يتوقف حصراً على موقع رئيس الجمهورية. وبغض النظر عمن يخطف قرار الدولة ويجر الوطن وشعبه نحو حروب وخيارات تهدد كيان الوطن وثقافته واستقراره، المسيحي موجود في لبنان بمشيئة اجداده وقديسيه الذين حفروا في وادي القديسين اسماءهم وسطروا حكاية الوجود المسيحي في لبنان والشرق. والمسيحي موجود وباق في لبنان لأن لا جمهورية ولا وطن اسمه لبنان من دون مسيحييه. من هذه القاعدة ينطلق المحللون في قراءة تفاصيل عام من دون رئيس وما بعده.
من الواضح أن عملية خلط الأوراق في الشهر الأخير اعادت طرح إشكالية جديدة. إشكالية لا تتضمن اسماء معطلي انتخاب رئيس للجمهورية وإحالة الأسباب على تعقيدات الأزمة الداخلية معطوفة على الأزمة الإقليمية الحادة. بين العامين 2005 و2015 شهد لبنان ولادة 4 حكومات اقتصر دور بعضها على تصريف الأعمال ومنها من تحول إلى حكومة تكنوقراط عاجزة عن اتخاذ اي قرار من شأنه ان يضع مؤسسات الدولة على السكة الصحيحة.
لكن أزمة الرئاسة تختلف. والخروج منها بحسب من يصرون على القراءة في المرحلة بهدوء وتبصر ان الخروج من ازمة الفراغ الرئاسي لا يتم من خلال افكار ومبادرات سبق وطرحت واثبتت عقمها. وبعد عام على الفراغ الرئاسي اصبح من الصعب جداً الكلام عن ملء الشغور الرئاسي بانتخابات داخل البرلمان او نتيجة اتفاق لبناني-لبناني مبني على مبادرات وأفكار سبق وطرحت. ألا يقال “لو بدا تشتي غيمت؟”. في النهاية اي اتفاق لبناني أصبح مستحيلاً لانه لو كان متاحاً لكان ابصر النور منذ عام لكن المشكلة أصبحت شبه معروفة. والجهة المعرقلة ايضاً. وفي ظل تموضع كل السياسيين لا شيء سيتغير.
نفهم من ذلك ان الـ365 يوماً فراغ ستتحول إلى ذكرى سنوية؟ والفراغ باق حتى إشعار آخر؟ للأسف يجيب المحللون أن الوضع في لبنان سيبقى معلقا في انتظار حدث ما. قد يكون امنياً وتحديداً من بوابة عرسال او سواها وقد يكون سياسيا. المهم ان اي انزلاقة او تسخين امني ما سيؤدي إلى عقد مؤتمر اقليمي – دولي على غرار اتفاق الدوحة من اجل مقاربة الأمور عندها يمكن الكلام عن حل. عدا ذلك الأزمة الرئاسية باقية حتى إشعار آخر.
الربط بين الفراغ الرئاسي والخوف على الموقع المسيحي في الجمهورية اللبنانية غير وارد. فرئاسة الجمهورية باقية في يد المسيحيين حتى لو اقتصر دور الرئيس على إدارة الأزمة، وهو ليس كذلك، وبالتالي فإن تغييب المسيحيين عن المعادلة والكلام عن انتهاء دورهم غير دقيق ولا يعكس الواقع ولا الحقيقة. هذا ما تجزمه اوساط مسيحية وتؤكد ان موقع الرئاسة هو للمسيحيين لكنه يشمل ايضا المسلمين ولا وطن اسمه لبنان إن لم يكن قائماً على اساس التوازن الطائفي.
لكن ثمة واقع آخر. واقع يعيشه اللبنانيون في تفاصيل حياتهم اليومية مفاده بان “حزب الله” هو من يدير الجمهورية وهو من يدير قرار الحرب والسلم ويصادر القرار الإستراتيجي في لبنان. ثمة من قرأ هذا الواقع من زمان من يوم ولادة “حزب الله” في العام 1982 وأدرك انه ليس مقاومة لبنانية. وهو سعى من خلال الحروب التي خاضها إلى تثبيت ولاية الفقيه في لبنان.
واليوم وبعد عام على الفراغ الرئاسي تتكشف كل الحقائق. او كما يصر على التسمية “عام على انكشاف الحقيقة”. فما هي الحقيقة التي لم يعد المحلل السياسي فايز قزي يتردد في إعلانها؟
“كان مقررا ان يعلن “حزب الله” مشروع الولاية الإيرانية بعد حربي الـ2006 والـ2008 لكن كلمة السر لم تكن وصلت بعد. اليوم حان وقت القطاف وها هو يعلن جمهوريته من القلمون إلى الناقورة. وإذا كان ثمة رئيس للجمهورية اللبنانية فسيكون على جزء منها لأن صيغة “لبنان دولة ديمقراطية برلمانية “كما هو وارد في الدستور لم تعد تسري بعدما تحولت الأمرة النهائية لـ”حزب الله” على كل المراكز الأمنية والسياسية وآخرها المحكمة العسكرية. واستطرادا سأل قزي: “هل سيتمكن القاضي صقر صقر بعدما ميز قرار المحكمة العسكرية في قضية الحكم الصادر في حق ميشال سماحة من استجواب اي عنصر من “حزب الله”؟ وهل سيسمح له الحزب في ذلك؟
يعترف قزي ان “حزب الله” حرر الجنوب في العام 2000 “لكنه استبدل الإحتلال الإسرائيلي بالإحتلال الإيراني على كل الأراضي اللبنانية. من يحررنا من الإحتلال الإيراني؟ لا جواب. لكن ما يدركه ويصر عليه قزي ان لا جمهورية إذا لم يكن على رأسها مسيحي ماروني والمطلوب ايجاد صيغة سياسية جديدة تستجيب وتلبي الواقع الوطني والإنساني. “لكن لن يكون هناك جمهورية حتى ينتخب لها رئيس”.
قراءة سوداوية؟ تشاؤم اكثر من اللزوم؟ “لنقل إنني اقرأ بهدوء وتمعن ما لا يريد أن يقرأه السياسيون في لبنان. ثمة من بدأ يشعر ويتلمس هذه الحقائق من دون ان يعلن عنها بشفافية. وإذا كنا اليوم نتوقف عند محطة عام على الفراغ الرئاسي إلا أن وفاة الجمهورية حصلت منذ مدة. اليوم يتم الإعلان الفعلي عنها. أما الإعلان القانوني فيحتاج الى توافق دولي والرئيس الذي سينتخب سيكون وضعه اشبه بالفارس الذي يمتطي جواداً يصارع المرض”.
منذ استقلال الجمهورية اللبنانية عام 1943 تعاقب على سدة الرئاسة 12 رئيساً آخرهم الرئيس ميشال سليمان وهو الرئيس الرابع بعد اتفاق الطائف. وقبل عام من انتهاء ولاية الرئيس سليمان توقع فايز قزي ان يكون آخر رئيس مسيحي ماروني على كل الجمهورية اللبنانية. لكن على خط آخر كان هناك من يقرأ في برنامجه الرئاسي التالي: “أتوجه إليكم اليوم وكلي ثقة بأن موقع الرئاسة لا يزال، بعد اتفاق الطائف يتمتع بصلاحيات مهمة… فالرئيس السيادي القوي متى وجد استطاع تطبيق النصوص الدستورية كما يجب وخدمة الأهداف الوطنية وتحقيق المصلحة اللبنانية العليا… نقف اليوم هنا لنقول معاً إن لبنان يستحق، وإن رئاسة من قوة ثورة الأرز وحلم الشهداء لا يمكن إلا أن تنتصر… وستنتصر!”. قالها سمير جعجع في برنامجه الرئاسي ولم يطوِ الصفحة على رغم فشل كل المحاولات والنداءات في تأمين النصاب في البرلمان لانتخاب رئيس وعلى رغم مرور 365 يوما ًعلى الشغور الرئاسي. سمير جعجع قال ما لم يقله آخرون في برنامجه الرئاسي في نيسان 2014 ولا يزال مرشح “الجمهورية القوية”.
