
الكذب في بلادنا ليس إستثناء لكنه من فرط التكرار صار يُشبه الحقيقة! والحقيقة الحقة (لمن يتناسى) لا تقبل الجدال… ماذا إذا؟ نتبع “على العمياني” ما يُشبه الحقيقة أم نبحث عن الحقيقة الحقة حتى لو سمعنا أن أوانها ليس الآن وأن الأولويات تقتضي غض النظر عن “الإستثناء” واعتباره حقيقة؟ ماذا إذا نُدير ظهرنا لاستثناءٍ بات يُعد مبرما أم نُطالب الآن الآن بإلغاء الإستثناءات حتى لو أتت في صيغة: المحاكم الإستثنائية؟
المحاكم الإستثنائية ملف فـتح وهناك من وعد بأن قضيتنا الوطنية المقبلة ستحمل عنوان: المحكمة العسكرية!
أشرف ريفي، وزير العدل اللبناني، غاضب، حانق، وما في قلبِهِ على لسانه وما يخرج على لسانِهِ فيه كثير كثير من الحقيقة (كي لا نقول كل الحقيقة فنوصف بالإنحياز). أشرف ريفي انتفض على المحكمة العسكرية إثر قرارها الصادر في حق ميشال سماحة، شعر بالصدمة كما كثير من اللبنانيين فانتفض. القرار لا يُبرر: أربع سنوات ونصف، 54 شهرا، هو عقابه فقط لا غير على نقله متفجرات من سوريا لتنفيذ سلسلة إغتيالات وتفجيرات في لبنان! 54 شهرا… تصدقون؟ لا، لا أحد في رأسِهِ منطق ويؤمن بحكم القانون يُصدق! ثمة قطبة خفية. ثمة حسابات غير قانونية. ثمة حكم فيه كثير من اللغط صادر عن محكمة إستثنائية.
وفُتح الملف، شُرّع تحت عنوان: لا للمحاكم الإستثنائية في لبنان، لكن ليست هذه المرة الأولى التي نسمع فيها بهذا، فقد سبق ورُفعت إقتراحات قوانين بإلغاء المحاكم الإستثنائية في لبنان إسوة بكل دول العالم الديموقراطية، لكن هل نحن مثلهم في دولة ديموقراطية؟ نشك! وإلام آلت إليه كل الإقتراحات السابقة؟ الى جمود فزوال… فهل نُصدق اليوم أن من يطالبون بإلغاء أو بتعديل المحاكم الإستثنائية ماضون في هذا المسار الى حين يتحقق؟ نترك لكم الجواب…
ثلاث محاكم إستثنائية في لبنان: المحكمة العسكرية، مجلس شورى الدولة والمجلس العدلي. نعم، المجلس العدلي هو أيضا محكمة إستثنائية وأحكامه لا تقبل أي سبيل من سبل الطعن والمراجعة وهو ينظر في الدعاوى التي يُقرر مجلس الوزراء إحالتها عليه، بعد أن يُعين وزير العدل محققا عدليا في الجريمة المحالة. وأنشئ المجلس العدلي كمحكمة إستثنائية، لمن يهمه التوقيت والتاريخ، عام 1923 في عهد الجنرال الفرنسي ويغان وفي العام 1948 أنيطت به الجرائم الواقعة على أمن الدولة. يعني في احتساب زمني سريع يُصبح على وجود المجلس العدلي كمحكمة إستثنائية قرن إلا ثماني سنوات! تُصدقون؟
ما رأي رجل القانون والدستور إدمون رزق بالمحاكم الإستثنائية وهل يملك قراءة تتجاوز كل القراءات التي أغدقت في أسبوع؟
إدمون رزق، الأستاذ، يرجع الى الوراء نحو خمسة وعشرين عاما وتحديدا الى يوم كان وزيرا للعدل عامي 1989 و1990 حين قدم مشروع تعديل الدستور وحرر التشكيلات الإدارية من المذهبية والمحسوبيات، ويومها ولأول مرة عُين رئيسًا لمجلس القضاء الأعلى قاضٍ مسلم سني، نظرا لتوافر شروط الكفاءة والإختصاص فيه ولم يحتج أحد ويشرح: “وبالجملة كان هناك مشروع لتعزيز القضاء من الناحية المادية، عبر صندوق التعاضد، وإصلاح القضاء وتعديل صلاحيات المحكمة العسكرية الدائمة وبحصرِ اختصاصها بجرم العسكريين ذات الطابع العسكري، وبالتالي إذا نفذ عسكري جريمة قتل لا يذهب الى المحكمة العسكرية بل يمثُل أمام المحكمة الجنائية. كنا في صدد العودة الى الإختصاص الطبيعي والعادل المعروف في الأنظمة الديموقراطية وتحديث صلاحيات المحكمة العسكرية وفقا لمعيار الإختصاص العسكري، لكن للأسف لم نصل الى هذا. إستقالت حكومتنا قبل أن يتحقق هذا” ويتابع “أعددت أيضا مشروع إنشاء مرجع تمييزي للمجلس العدلي مثل محكمة الجنايات كي لا يبقى المجلس محكمة بالدرجة القطعية من دون مرجعية يعود إليها، وبالتالي كان يفترض أن تكون هناك مرجعية لأحكام المجلس العدلي قد تكون المحكمة التمييزية وأن تحدد صلاحيات المحكمة العسكرية”.
كان يا مكان… ماذا عن اللحظة؟ وهل كُتب على لبنان أن يبقى الى أبد الآبدين رهينة الإستثناء؟
إدمون رزق راقب التطورات والمواقف بعيد صدور القرار في حق ميشال سماحة وخرج بيقين: “طريقة التصدي للحكم لم تكن صائبة وكان يفترض بالمسؤولين أن يسعوا الى تعديل الصلاحيات لا لانتقاد الأحكام خارج أصول المراجعة لدى القضاء الأعلى ومحكمة التمييز”. لكن كيف يثق من سمعوا بالحكم بجدوى الإنتقاد ضمن الأصول في حكم لا أصل له ولا فصل؟ يجيب: “التعاطي السياسي مع هذا الحكم وردات الفعل وإنزال موضوع إضافي الى الشارع ليس إلا تعبيرًا إضافيًا عن الخلل العام. القضية تحتاج الى طرح بديل. السجال حول قضية ظرفية يسيء بدل أن ينفع. نحن أمام جدلية خارج إطار التفتيش عن بدائل. إننا ننتقد وضعًا قائمًا بدل أن نعمل على تغيير المسببات لتغيير الناتج. إننا نكتفي بكلام آخر بانتقاد الناتج. هذا قضاء إستثنائي أعطيت له صلاحيات إستثنائية وعلينا أن نعود الى قواعد الأنظمة الديمقراطية بفصل السلطات في شكل حقيقي وبالممارسة إنطلاقا من مفهوم تعميق ثقافة الديمقراطية. وهذا ليس فقط في المحاكم الإستثنائية بل في كثير من السلطات التي تتداخل ببعضها البعض، فها هو مجلس النواب لا يقوم بصلاحياته الحقيقية الثلاث: الإشتراع والرقابة والإنتخاب. مجلس النواب عليه أن ينتخب رئيسا للجمهورية وانتخاب أعضاء المجلس الدستوري وانتخاب قسم من قضاة مجلس القضاء الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء أمام المجلس الأعلى وعليه أيضا وأيضا واجب التشريع وإقرار الموازنة”.
حين يبدأ الأستاذ في القانون والدستور في الكلام “عما يُفترض بنا وعلينا” يكرج الكلام سيولا. علينا بالكثير الكثير وما يُطبق أقل من قليل. وما دام قد تطرق، على هامش المحاكم الإستثنائية، الى المجلس النيابي ورئاسة الجمهورية ننقل ما قال: “هناك مواد مهملة في الدستور فحواها أن النصاب في الجلسات هو النصف زائدًا واحدًا وتقول المادة 49 أن رئيس الجمهورية يُنتخب في الدورة الأولى بالثلثين ثم بالنصف زائدًا واحدًا، وجاء في المادتين 73 و74 أن المجلس النيابي يلتئم فورا عند خلو سدة الرئاسة بلا دعوة ويبقى في جلسة دائمة مستمرة مفتوحة، وورد في المادة 75 أن المجلس الملتئم هو هيئة ناخبة لا اشتراعية، أي يفترض أن يكون كذلك منذ أيار الماضي، أيار عام 2014، ولا يحق له أن يعمل شيئاً إلا انتخاب رئيس للجمهورية”.
هذا ما يفترض، وما يُفترض لا يُطبق! وما يحصل اليوم في أي موضوع آخر، غير انتخاب رئيس للجمهورية “يُشبه من يبكي فوق رأس ميت”!
حسمها الوزير السابق إدمون رزق… وكل ما قيل ويقال يُذكرنا بقول الأديب السوري محمد الماغوط: جميع الحقوق محفوظة ويكفلها القانون قانون الطوارئ طبعا!
إيلي كيروز، النائب في البرلمان اللبناني، تقدم في 13 أيار هذا من رئيس المجلس النيابي نبيه بري باقتراح قانون يرمي الى تعديل قانون العقوبات العسكرية الصادر في القانون رقم 24/68 واقتراحه اقترن بأسباب موجبة فيها: بما أن المحاكم العسكرية بحكم تكوينها غير القضائي هي محاكم إستثنائية لا تتمتع بالضمانات القضائية اللازمة ولا تمارس التعليل في قراراتها وهي بالتالي خارج مفهوم الرقابة القانونية على عمل القضاء. وإنطلاقا من أن المطالبة بحصر اختصاصها في إطار المعاقبة على الجرائم العسكرية المحددة في قانون العقوبات العسكرية هي مطلب حيوي وأساسي للعدالة لأن اتساع صلاحياتها يمس حقوق الإنسان وبمبادئ المحاكمة العادلة. وانطلاقاً من ان محاكمة العسكري امام قضاء عسكري مؤلف بغالبيته من قضاة عسكريين يشكل حصانة غير مبررة لهذا العسكري ويؤلف استثناءً مناقضاً للمبادئ الجزائية العامة ويحمل اعتداءً على مبدأ مساواة المواطنين امام القانون وأمام العدالة. وانطلاقاً من ضرورة تفادي احالة اي مدني بصفة مدعى عليه او متدخل او شريك او محرّض أو فاعل معنوي أو مخبّئ، امام القضاء العسكري، نظراً لعدم توفر ضمانات محاكمة عادلة وشروط ممارسة حق الدفاع وحقوق الادعاء الشخصي لهذا المدني امام القضاء العسكري. وانطلاقاً من ان العسكريين يتمتعون أسوةً بسواهم من المتقاضين امام المحاكم العدلية المختصة بكل الضمانات المتعلقة بحقوق الدفاع. وانطلاقاً من أن الخشية من المحاكم العسكرية رافق وجودها، ففي عهد الرئيس فؤاد شهاب، خشي الرئيس القادم من رأس هرم المؤسسة العسكرية، من الدور المنوط بالمحاكم العسكرية ورغب في حصر دور هذه المحاكم بمراقبة الانضباط العسكري. وهو قال في هذا المجال: ”ان أساس وخلفية ايجاد المحاكم العسكرية هو ”مراقبة الانضباط والحزم والصرامة في الامتثال للقوانين العسكرية“.
كما خشي الرئيس فؤاد شهاب من افتئات المحاكم العسكرية على المواطنين المدنيين الذين هم خارج المؤسسة العسكرية وقوانينها ولا يخضعون لأحكامها، ومن أجل تشكيل ضمانة بسيطة في هذا المجال جرى في عهده تعيين قاضٍ مدني في المحكمة العسكرية. لذلك نتقدم من المجلس النيابي باقتراح قانون تعديل قانون العقوبات العسكرية”.
تلك هي إذا الأسباب الموجبة، أما الإقتراح ككل بالمواد المطلوب تعديلها فأصبح في المجلس النيابي لكن المجلس يغط من زمان في سباتٍ لا يستفيق منه…
المطلوب إذا تعديل المحاكم الإستثنائية لا ألغاؤها وعدم التحجج بالظروف والتوقيت غير المناسبين، كما دائما، كي لا نبدأ في مكان ومن مكان… فلنبدأ اليوم من ملف المحاكم الإستثنائية ولنبدأ من ملف رئاسة الجمهورية ولنبدأ من مشروع قانون الشيخوخة ولنبدأ من قانون السير ولنبدأ من القوانين التي تحفظ البيئة والسياحة والإقتصاد واليد العاملة اللبنانية…. فلنبدأ من كل هذا الآن لأن كل الملفات باتت تغلي في آن وأي إرجاء لأي ملف معناه وضعه على الرف الى… قرن آخر ربما!

إيلي كيروز: سنتابع “نضالنا” لتعديل قانون القضاء العسكري
ما هو مبرر الإبقاء على عمل المحاكم الإستثنائية طوال العقود المنصرمة ومن يستفيد من الإبقاء على المحاكم الإستثنائية بشكلها الحالي؟
إن الإبقاء على عمل المحاكم الإستثنائية هو إتاحة شكل من أشكال المحاسبة السريعة وتطبيق إجراءات استثنائية. غير أن القضاء العسكري خضع دائماً للسياسات الحكومية، خصوصا وأن إدارة هذا القضاء تعود لوزير الدفاع الوطني وللسلطة العسكرية العليا في الجيش بحسب قانون القضاء العسكري.
ثمة من يعتبر أن طرح هذا الملف في الوقت الحالي غير مناسب أبدا لأن الأولوية اليوم هي لانتخاب رئيس للجمهورية؟
صحيح، إن الأولوية اليوم هي بالتأكيد لانتخاب رئيس للجمهورية، لأن رئيس الجمهورية هو بحسب المادتين 49 و 75 رئيس الدولة. غير أن طرح ملف القضاء العسكري لا يخضع للتوقيت. فإن كل وقت هو وقته لأنه يتعلق بكرامة المواطنين اللبنانيين وحقوقهم وحرياتهم الأساسية وبالمحاكمة العادلة وضماناتها.
لماذا لم يُصر جديا وبإلحاح الى رفع هذا الملف سابقا؟
لقد طرحت هذا الملف منذ العام 2013. ويأتي موقفي في الأساس ليمثل نوعاً من الرفض لشكل معين من أشكال القضاء الذي تتم ممارسته في لبنان منذ مدّة طويلة، والذي يميل الى جعل القضاء العسكري أحد أشكال المحاسبة السريعة خارج نطاق القضاء العادي، مما يسمح بكل بساطة بوجود سلطة قضائية موازية تعلو على المبادئ الأساسية لحكم القانون.
ماذا ستكون خطوتكم التالية في هذا الملف؟ هل سينضم الى الملفات التي سبق وفتحت بطنَّة ورنَّة وعادت وأقفلت بموجب حكم الأمر الواقع؟
لن نقفل هذا الملف وسنتابع ما أسميه “نضالنا” للوصول الى تعديل قانون القضاء العسكري انطلاقاً من إعادة نظر جذرية في اختصاص القضاء العسكري وحصره بالجرائم العسكرية بالمعنى المنصوص عليه في القانون رقم 24/68. لقد سبق أن طلبت من لجنة الإدارة والعدل النيابية أن تلعب دوراً في هذا الموضوع، كما طلبت من وزير العدل أن يبادر الى تنظيم ورشة وطنية قانونية – حقوقية بمشاركة القوى السياسية والكتل النيابية من أجل بلورة تصور واضح لتعديل قانون القضاء العسكري.
تقدمتم باقتراح قانون مرفق بأسبابه الموجبة ويرمي الى تعديل قانون القضاء العسكري… هل تلقيتم إجابة؟
لقد تقدمت باقتراح قانون لتعديل قانون القضاء العسكري منذ نيسان في العام 2013. ولقد أحيل الإقتراح الى الحكومة لإبداء الرأي منذ 24/4/2013، دون أي رأي من الحكومة لغاية اليوم. لقد أردت من خلال هذا الإقتراح أن أحصر اختصاص القضاء العسكري بالجرائم العسكرية بحصر المعنى وبمنع اي امتداد للإختصاص العسكري الى المدنيين.
إن الخشية من المحاكم العسكرية رافقت وجودها، حتى أن الرئيس فؤاد شهاب، والقادم من رأس هرم المؤسسة العسكرية، خشي من الدور المنوط بها ورغب في حصر دور هذه المحاكم بمراقبة الإنضباط العسكري والحزم والصرامة في الإمتثال للقوانين العسكرية.
هل ستمضون قدما أيضا من أجل تعديل المحاكم الإستثنائية الأخرى؟
يحتاج لبنان الى إعادة نظر جذرية بالمحاكم الإستثنائية القائمة فيه. ويأتي في طليعة هذه المحاكم المجلس العدلي. إن المجلس العدلي هو محكمة خاصة تحال إليها القضايا بناءً على تقديرات مجلس الوزراء وبمقتضى تزكية من وزير العدل، وليس كنتيجة لإجراءات قضائية عادية. ولا تقبل الأحكام التي يصدرها المجلس العدلي، بما في ذلك أحكام الإعدام، المراجعة القضائية. وقد أعربت منظمة العفو الدولية عن بواعث قلقها بشأن إجراءات المجلس العدلي التي لا تتماشى مع معايير المحاكمات العادلة، بحسب ما أرسته المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.