ليس جديداً القول إن صلاحيات الرئيس الأميركي، أي رئيس، واسعة جداً إلا أنها ليست مطلقة. ولا كذلك أن صلاحيات الكونغرس بمجلسيه واسعة بدورها لكنها تقف عند حدود معينة. الجديد أن القرارات الثلاثة التي اتخذها الكونغرس الحالي، وهو بغالبيته جمهوري، في الأسبوعين الماضيــيـن في وجـه الرئـيس باراك أوباما، الديموقراطي، تشي بما يمكن اعتباره نقلة ذات معنى ليس فقط في ما يتعلق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة، إنما كذلك بآلية صنع القرار في هذه الدولة وبآثاره على العديد من قضايا العالم التي تلعب دوراً كبيراً فيها… وما أكثرها في ميزان القوى الدولي في المرحلة الراهنة.
أهم هذه القرارات، من دون شك، انتزاع الكونغرس حق مراجعة أي اتفاق تعقده إدارة أوباما مع إيران بشأن ملف الأخيرة النووي قبل نهاية حزيران (يونيو) المقبل. ومع أن القرارين الآخرين (تسليح البشمركة الكردية والعشائر السنية العراقية من دون المرور بالسلطة في بغداد، وتقييد حرية حركة أوباما في التجارة مع دول منطقة الباسيفيك) ليسا بأهمية القرار الأول من ناحية، وقد عدلا نسبياً بالتوافق مع الإدارة من ناحية ثانية، فلا بد من ملاحظة أن ما يجمع بين القرارات أنها تتعلق بسياسة هذه الإدارة الخارجية، لا سيما في سياق الاعتراض عليها أو أقله عدم الموافقة.
هل في النظر إليها من هذه الزاوية مبالغة ما؟
في التاريخ الأميركي، إن صلاحيات الكونغرس حملت رئيساً مثل ريتشارد نيكسون على الاستقالة من منصبه عندما شعر بأن إجراءات في هذا الاتجاه يمكن أن يتخذها الكونغرس ضده في أعقاب استفحال ما سمي «فضيحة ووترغيت». كذلك فإنه بعد الحرب العالمية الأولى مطلع القرن الماضي، كان مجلس الشيوخ قد رفض التصديق على «معاهدة فرساي»، ما أدى إلى بقاء الولايات المتحدة خارج «عصبة الأمم» التي كان الرئيس الأميركي وودرو ويلسون يومها أحد بناتها.
أكثر من ذلك، فمع أن الدستور الأميركي يقوم على فصل السلطات، بحيث لا يملك الكونغرس حق إقالة الرئيس كما لا يملك الرئيس بدوره حق حل الكونغرس، فإن هذا الفصل ليس تاماً. هو فصل نسبي، كما بدا في أكثر من مناسبة، إذ يملك كل من الرئيس والمجلس وسائل متبادلة للتأثير. وفي حالة الكونغرس، فأهم صلاحياته الدستورية، بالإضافة إلى رسم سياسة الدولة الخارجية، السلطات المالية التي تخوله إقرار الموازنة والاعتمادات الطارئة أو الملحقة بها، وإذاً ممارسة ضغط مباشر على الرئيس وإدارته في كل ما يتجهان إلى عمله أو ينويان تنفيذه.
وصحيح أن في الدستور ما يعطي الرئيس حق استخدام الفيتو ضد بعض قرارات الكونغرس، لكن الصحيح أيضاً أنه نادراً ما استعمل هذا الحق خاصة في المنعطفات السياسية، الداخلية تحديداً، كما هي الحال الآن حيث يعد أوباما العدة للخروج من البيت الأبيض من ناحية، كما بدأت تظهر جلية ملامح معركة انتخابية قاسية بين الحزبين إن على الرئاسة أو على حكام الولايات أو على مقاعد الكونغرس بمجلسيه من ناحية ثانية.
في وضع أوباما الآن، قد لا يكون مبالغاً به القول إنه سيكون أمام خيار من اثنين لا ثالث لهما في الفترة المقبلة… أما التعامل ببراغماتية مع الكونغرس، أو الدخول معه في مواجهة قد تحوله إلى ما تصفه الأدبيات الأميركية بـ «البطة العرجاء» طيلة الشهور الباقية من إقامته في البيت الأبيض. وفي ظن البعض، أنه لأسباب تخصه وتخص حزبه قبل كل شيء، سيلجأ إلى الخيار الأول ليتعامل مع قرارات الكونغرس الثلاثة بما يخدم سمعته كشخص موله بالتاريخ، ومصالح حزبه في الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة.
وهناك بعض الإشارات إلى ذلك على الشكل التالي:
أولاً، لجهة مراجعة الاتفاق النووي المزمع عقده مع إيران، لن يكون أوباما محرجاً إذا أخذ موقفاً لا يختلف عن موقفه من «الخطوط الحمر» التي رسمها للنظام السوري في 2013 على خلفية أسلحته الكيماوية، ومطالبة الكونغرس يومها بتفويضه ضرب مواقع هذه الأسلحة مع أنه لا يحتاج دستورياً إلى مثل هذا التفويض.
وليس خافياً أن هذه المقاربة، لا تنقذ أوباما فقط من مواجهة محتملة مع الكونغرس وارتدادات ذلك شعبياً على حملة حزبه الانتخابية، بل إنها تقوي أيضاً موقفه التفاوضي مع إيران خاصة وأن هذه الأخيرة تحتاج إلى الاتفاق، وما يحتويه لجهة رفع العقوبات عنها، بمثل ما يحتاج هو إليه. وغني عن القول أن خطاب الحزب الجمهوري ضد أوباما يتركز على «قوة أميركا» ودورها الذي تعرض للاهتزاز في العالم، وأن مصير قسم من العقوبات في يد الكونغرس كما هو مصير القسم الآخر في يد الرئيس.
وفي ظل الاشتباك الأميركي مع إسرائيل بشأن هذا الاتفاق، كما عدم الرضا العربي الذي برز في قمة كامب ديفيد الأميركية/ الخليجية، فما من سبب يدعو أوباما إلى السير في غير هذا الاتجاه.
ثانياً، وفي ما يتعلق بتسليح البيشمركة والعشائر العراقية، فالأمر لا يختلف كثيراً إن لجهة الضغط على إيران في موضوع الاتفاق النووي، أو لجهة الحكومة العراقية التي تحتاج إلى سلاح أميركا ومشاركة سلاحها الجوي في معركتها ضد «داعش» وتثبيت سلطتها على الأرض.
هل تشهد سياسة أوباما الخارجية مثل هذه الانعطافة في خلال الفترة المقبلة؟
يصعب الجزم من الآن، بيد أن حملة الانتخابات الأميركية غالباً ما كانت تشهد مثل ذلك. وبعض الدلائل قد بدأت تعلن عن نفسها، أقله من خلال عدم رفض أوباما لقرارات الكونغرس الثلاثة بل ومحاولته التأقلم معها.