#adsense

سجون وساحات: مخايل عواد جبهة مقاومة شعبية وسياسية

حجم الخط

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1433:

مناضل، هذا هو لقبه وموقعه وسيرته في صفوف “القوات اللبنانية”. بالسلاح ناضل، وبالسياسة ناضل، وبالفكر والثقافة ما زال يناضل. الكل يناديه مخول وهو في الحقيقة الأستاذ مخايل عواد القواتي مذ وطأ “الرنجر” السوري أرض لبنان. “هذه الأرض المقدسة” يقول “تستحق النضال من أجلها والموت في سبيلها خيار من الخيارات”.

أول ما دفعه للانخراط في “القوات اللبنانية” هو عدم قدرته على تحمّل “منظر” الجيش السوري في بلدته حصرون جارة بشري، ولو لم يكن في “القوات” لكان بالتأكيد في إطار آخر يحمل القضية ذاتها. يقول: “قواتيتي تنبع من داخلي. وحيدًا لم يكن في مقدوري أن أفعل شيئًا. إحساسي بالذلّ كان يطغى على أي إحساس آخر”. لذا “تورّط” ونذر كل طاقاته في سبيل قواتيته هذه، وفي رأيه “إذا كان الإنضواء في صفوف “القوات اللبنانية” يشكل ورطة أو خسارة معينة… إلا أنه أفضل بكثير من أن تكون كرامتنا مدعوسة”.

مخول عواد راديكالي عنيد ناضل طيلة الأعوام الـ 11 من داخل السجن الكبير في سبيل إطلاق الدكتور سمير جعجع من إعتقاله السياسي. ما هي المحطات السياسية التي كان شاهدًا عليها لا بل شريكاً في صناعتها في أوقات كثيرة؟

قبل أيام من إعتقال الدكتور جعجع قال له عواد “ما فيك تفل تجاه هذه التهمة”. كان هذا رأيه ربما وحده من بين الذين كانوا يطلبون منه أن يسافر ويترك البلد. يضيف مخول: “رحم الله الشيخ فريد حبيب كان يقول لي “دخيلك أقنعه يفلّ إنت ما بتعرف هودي الناس شو ممكن يعملوا”. أيضًا جوزف فضول كان يطلب مني إقناعه بالسفر وكانت قناعتهم هذه نابعة من المحبة فقط وليس من منطق المقاومة”.

في البداية تحركت “القوات اللبنانية” من خلال خلق أطر وتنظيمات مناطقية للتواصل مع المناصرين القواتيين بغية إبقاء قضيتنا على قيد الحياة، على رغم الوسائل المتواضعة المتوافرة بين أيدينا. وكان العمل على مستويين: أولا متابعة قضية الحكيم وملفه في القضاء مع قضايا باقي المعتقلين من الرفاق. وثانيًا محاولة ترميم ما يمكن من القدرة على الضغط الشعبي والسياسي، وكان هذا يتطلب إصدار بيانات وطرح شعارات وتنظيم حركات شعبية والتنسيق لإتصالات سياسية على مختلف الأصعدة.

وقتذاك كان تركيزنا على غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير على إعتبار أنه القادر على الإحساس بقضيتنا ورفع الصوت، وكان الهدف الأول أن نبرهن براءتنا من تهمة تفجير الكنيسة، علماً أن الفاعل لم يظهر حتى اليوم. نقول الفاعل أي الذي نفّذ العملية وليس من حضّر وخطّط لها والذي كان معروفاً من اليوم الأول أنه النظام السوري. على الأقل يجب كشف المنفّذين لمنعهم من لعب دور تفجيري آخر في البلد. تهمة تفجير الكنيسة إذًا لم يكن في الامكان أن تمرّ هكذا بالنسبة لنا وكان علينا إثبات براءتنا منها ولو كانت الكلفة حياتنا. لو اتهمنا بغير تلك الجريمة زورًا لكان التعامل مع القضية مختلفًا أما في تهمة تفجير الكنيسة فكلام آخر. أعتقد أن هذا هو منطق الحكيم آنذاك.

في المرحلة الأولى كان علينا أن نثبت أن “القوات اللبنانية” تُستهدف إستهدافًا سياسيًا وأن التهمة ليست جنائية. بعد المحاكمة الأولى التي بدأت بقضية إغتيال داني شمعون ترسّخ في ذهن الرأي العام المسيحي واللبناني أن “القوات” تحاكم سياسيًا وليس جنائيًا. كان أمامنا مهمة تعرية القضاء الذي تحول آنذاك أداة في يد النظام السوري، إضافة الى التواصل مع الأطراف السياسية المسيحية كافة، حتى التي حفل تاريخنا معها بالنزاعات، وتظهير المظلومية المسيحية العامة التي كانت لاحقة بنا فقط لأننا إخترنا الخط المقاوم وليس لأسباب أخرى. هنا بدأنا بترميم العلاقات مع الجميع ولعل الخطوة الأهم كانت مع رئيس حزب الوطنيين الأحرار دوري شمعون الذي كشف لنا أن “القوات اللبنانية” كانت فكرته وان إستهداف سمير جعجع ليس من أجل الإقتصاص من قتلة داني شمعون إنما بغية تصفية الحضور المسيحي ولأن سمير جعجع هو قائد “القوات اللبنانية”.

موقف دوري هذا لم يكن الترجمة الوحيدة لتقاربنا بل أكمل مع مقاطعة الإنتخابات النيابية في العام 1996 وكنا “دينامو” العملية، ودوري لعب دورًا مهمًا جدًا هنا يتمثل في التواصل مع كل الأطراف المسيحية من الرئيس أمين الجميل الى الجنرال ميشال عون الى العميد ريمون إده.

الإنجاز الأول إذًا كان في تحويل قضية الدكتور جعجع الى قضية سياسية خصوصًا عندما وقف البطريرك نهاية العام 1995 وقال: “سمير جعجع لا يحاكم لجرائم منسوبة له بل نتيجة مواقفه”.

زمن المقاطعة وصلنا الى ذروة عملنا وأعدنا نبض الممانعة في الجو المسيحي ورأس الحربة في هذه الممانعة على الأرض كانت “القوات اللبنانية”.

في هذه المرحلة حققنا فوزًا كبيرًا يصبّ في ما فكّر به الحكيم حتى قبل إعتقاله، أذكر هنا أنه قال لي “قد أسجن وقد تطول مدة السجن وتتخطى 27 سنة، أي المدة التي أمضاها نلسون مانديلا سجينًا سياسيًا وعاد وانتصر الحق. فنحن نعرف القضاء لكن مهما كان فاسدًا إلا أننا قادرون على تحقيق توازن معه. وشبّه الأمر كما معركة في ساحة لا تتسّع إلا لكتيبتين من كل جهة فمن معه 10 فرق ومن معه 3 كتائب متوازٍ في هذه المعركة”.

الى هذه الدرجة كان الدكتور جعجع مراهناً على القضاء؟

بل كان متفائلًا بالمقاومة، ومؤمنًا بقدرة “القوات اللبنانية” على لملمة نفسها لمواجهة هذه المعركة. وهذا المنطق لم يكن ليفهمه بعض القياديين في “القوات” أنذاك الذين كانوا على العكس بجو التخطيط لقطف المكاسب. يعتبرون أنفسهم شركاء وصنّاع الطائف وتبين تدريجيًا أن كلاً منهم كان ربط نفسه بالسوريين، حتى أن أحدهم جلس معنا إيلي كيروز وأنا وعرض علينا إعادة إحياء الألوية العسكرية القواتية وتمويلها وتأمين معاشات العسكر مقابل اللقاء بغازي كنعان وبالتالي بدء التعاون مع السوريين.

ويخرج الدكتور جعجع مقابل هذا التعاون؟

كان هذا تفصيلاً بالنسبة لهم، نعمل على معالجته. كنا في حال تخلٍ شبه عام من عدد من القياديين السابقين. بعضهم حتى كان يفصح عن رغبته في التفاوض مع السوري حتى وصل أحدهم للقول “علينا أن نرى أين هي المصلحة السورية ونحققها ونبلغهم بذلك لنصل الى إطلاق الدكتور جعجع من سجنه”. في حساباته كان يجب أن يصبح الحكيم عميلًا للسوريين ليخرج. بعض من أحبوا الدكتور جعجع وأخلصوا له كانوا يؤمنون أن التواصل مع السوري والتعاون معه هو القرار الصائب.

حكي الكثير عن مبادرات سورية لماذا لم تقبلوا بها؟

بدأت المبادرات في اتجاه الحكيم بعد تأسيس لقاء قرنة شهوان حين أرسل أحد مسؤولي “القوات” من أميركا خبرًا يقول إنهم بدأوا بالتفاوض مع وليد المعلم الذي كان سفيرًا لسوريا في الولايات المتحدة، على حلّ قضية إعتقال الحكيم. وقتها تبنى هذه المبادرة ريشار جريصاتي وروبير فرح ورفضنا أنا وتوفيق الهندي وسلمان سماحة معتبرين أن لا مبادرات مع السوري.

ما كان البديل؟

بعد السينودوس وزيارة البابا يوحنا بولس الثاني الى لبنان في العام 1997 كثفنا تحركنا واعتبرنا أن أي دفع الى الأمام قد يكون مفيدًا فالمرحلة تحتاج الى هيئة مسيحية شاملة تضع الأمور في نصابها. أفق هذا النضال لم يكن واضحًا والأمل باطلاق الدكتور جعجع لم يكن نابعًا من الهدف بقدر ما كان نابعًا من العمل الذي نقوم به، لم تبدأ الرؤية بامكانية إطلاق الدكتور جعجع إلا بعد موت حافظ الأسد. عندها بدأنا نتأمل جديًا باطلاقه، تلا ذلك حادثة 11 أيلول 2001، في هذه المرحلة كنت أنا خرجت من السجن إثر الاعتقالات التي أعقبت 7 آب وكان سلمان وتوفيق لا يزالان في السجن. هنا بدأت الاستراتيجيات تتبدّل.

وماذا عن سجنك؟

بالنسبة الى غيري لم أُعانِ الكثير، وعندما أنظر اليوم لما تفعله عصابات الأسد في سوريا أقول في نفسي ” الى أين يمكن أن تصل وحشيتهم؟!!”

نفهم أنهم رحموكم أكثر مما يرحمون اليوم أبناء بلدهم؟

المسألة ليست مسألة رحمة بقدر ما كانت ضوابط تحول دون أن يطلقوا العنان لحقدهم، على رغم كل ذلك صفّوا رمزي عيراني وبيار بولس وقتلوا فوزي الراسي تحت التعذيب… لم يتركوا شيئًا إلا وفعلوه، وما يتعرّض له الأسرى في السجون السورية اليوم ذاقته أنطوانيت شاهين قبل أعوام، وما فعلوه بشبابنا ليس أقل مما يفعلونه بشبابهم. هذا نظام مجرم في كل الأوقات لكن أهمية ما فعلناه أننا إنتقلنا من صفر الى ما لا نهاية لا سيما مع زيارة البابا يوحنا بولس الثاني والسينودوس. العناية الالهية تجسدت هنا عمليًا. لم يكن ممكنًا أن يخرج الدكتور جعجع من السجن برضى حافظ الأسد وعصابته، هذا أمر غير وارد في منطق المقاومة. كنا أكيدين أنه لا يمكن أن يخرج من سجنه إلا إذا كسرت اليد السورية التي سجنته. ولا يمكن للقوات أن تعود لنبضها الحزبي الرسمي إلا وسمير جعجع في وسطها. هذا الأمر كان محسومًا بالنسبة لنا.

بعد زيارة البابا بدأت مرحلة جديدة. وإعتبرنا وصية السينودوس جواز عبور لحمل قضيتنا الى العالم بأسره. وبدأنا نفكر كيف يمكن أن ننظم جبهة مقاومة شعبية وسياسية.

نحن كنا راديكاليين لا يمكن أن نساوم. بقينا على خط المقاطعة والممانعة بينما قسم من الشباب قرّر المشاركة في الإنتخابات النيابية وقسم ثالث بقي يترنّح بين الفكرتين.

إثر الإنسحاب الإسرائيلي من الجنوب في أيار 2000 وموت حافظ الأسد ونداء مجلس المطارنة الموارنة في أيلول، الذي نَعتبِر أنه أعطانا حقنا من الفقرة الأولى التي شكك فيها بنتيجة الإنتخابات النيابية ومن ثم في باقي بنوده، وجدنا أن الوقت حان لكي تبصر الهيئة التي كنا نخطّط لها النور فكان لقاء قرنة شهوان. وكنا هنا قد بدأنا بالعمل كهيئة تنسيق بين “القوات” و”الأحرار” و”العونيين”. فكانت حصة الأحزاب في القرنة النصف تمامًا إضافة الى النصف الآخر للمسيحيين المستقلين الذين كان عدد منهم أقرب الى  النائب وليد جنبلاط والرئيس رفيق الحريري.

هنا بدأ السوريون محاولة سرقة الموقف القواتي مع المبادرات التي أطلقت مع فؤاد مالك وغيره ممن يطالونهم. بعد مصالحة الجبل و 7 آب في العام 2001 بدأ الرفض المسيحي ينسحب على آخرين. أذكر هنا أنني قصدت الشيخ فريد حبيب وكنت خارجًا من السجن حديثًا، وقلت له سيكون إجتماع في الديمان ومن الضروري أن تشارك فيه، يومها رحّب البطريرك صفير به على أنه الممثل للقوات وفوجئ الجميع بموقف البطريرك حين قال أن سجن توفيق الهندي هو إستهداف شخصي له.

لماذا خرجت أنت من السجن قبل الآخرين؟

أنا أوقفت لأسبوعين فقط وسلمان وإيلي أوقفا لمدة 4 أشهر وبقي توفيق الهندي سجينًا طيلة سنة و3 أشهر. لا أعرف لماذا تركوني قبلهم، أعتقد لأن البطريرك أرسل أحدهم الى وزارة الدفاع ليوصل لي الدواء لأنني كنت قد خضعت لعملية قلب مفتوح قبل مدة. ربما خافوا من أن تتكرّر قصة فوزي الراسي. جاءوا بطبيب الى السجن لفحصي، لم أره لأني كنت “مطمّش” لكنني عرفت أنه يقيس ضغطي وسألني أسئلة طبية. لم يعذبوني كغيري من الشباب صحيح لكنني خضعت للتحقيق والتعذيب النفسي بما يكفي.

بعد خروجي من السجن عدنا للملمة قواعدنا على الأرض ولجان المناطق لنكمل مسيرتنا ونضالنا.

وأكمل مخايل عواد النضال لكسر الإرادة السورية مع ثورة الأرز، وبالتالي كسر سجن سمير جعجع، فمن الأساس كان واضحًا لديهم كما قال منذ البداية أن السوري لا يمكن أن يطلق الدكتور جعجع ما دام قادرًا على القبض على ورقته، لكن عندما مات النظام مع موت حافظه فتح باب السجن عريضًا أمام الحكيم.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل