#adsense

قضية سماحه: 3 بواحد

حجم الخط

لا تتعلق المسألة بميشال سماحه وحده ولا بالجرم الذي اتهم به ولا بالفصل بين قضيته وقضية اللواء السوري علي المملوك لقطع الطريق بينهما وبين رئيس النظام السوري بشار الأسد في قضية نقل المتفجرات إلى لبنان وكشفها قبل التنفيذ بالتعاون بين الشاهد ميلاد كفوري واللواء وسام الحسن رئيس فرع المعلومات واللواء أشرف ريفي مدير عام قوى الأمن الداخلي. المسألة تتعلق أيضا بمهام المحكمة العسكرية. هل هي جسم قضائي مستقل أم مكمل للبنية العسكرية ومنفذ لما يتبلغه من أحكام يجب أن تصدر؟

في العام 1992 كان العميد إميل حبيقة رئيسا لمحكمة الجنايات العسكرية التي أريد لها أن تكون ترجمة لما يريده عهد الوصاية وصدى لأجهزة الأمن اللبنانية ـ السورية وما تحبكه من تحقيقات للإنتقام من المعارضين السياسيين. كان على تلك المحكمة أن تنفذ ما تريده الأجهزة من دون مناقشة، وأن تعلن الأحكام التي تكون مبنية على التحقيقات الأولية التي تجريها هذه الأجهزة، والتي لا يمكن أن يتم تغيير حرف فيها على قاعدة أن ضباط الأمن والمحققين لا يخطئون، وأن المتهم دائما على خطأ.

في 8 تشرين الثاني 1991 انفجرت سيارة ملغومة داخل حرم الجامعة الأميركية في بيروت ودمرت مبنى الكولدج هول. بعد ثلاثة أيام وجدت فتاة مقتولة تدعى حياة الخليل. بعد أيام اعتقل شقيقها جهاد فاعترف بقتلها ولكن في التحقيقات الإضافية معه أجبر على الإعتراف بأنه هو من فجر مبنى الكولدج هول. كان المطلوب أن تذهب التهمة في هذا الإتجاه لتضليل التحقيق. وعلى هذا الأساس اضطر جهاد الخليل أن يتبنى الرواية التي رويت له وفيها أنه تعرف إلى شابين من “القوات اللبنانية” أقنعاه بالقيام بعملية التفجير وتحدث عن المدخل الذي تم من خلاله إدخال السيارة إلى حرم الجامعة وطريقة تفجيرها.

كان على المحكمة العسكرية برئاسة العميد حبيقة أن تنظر في هذه القضية. أمام المحكمة أنكر جهاد الخليل علاقته بتفجير الجامعة الأميركية وروى كيف تم إقناعه تحت الضغط والتهديد بتبني رواية التفجير. لم تقتنع المحكمة بإنكار جهاد الخليل فقط ذلك أن عناصر رواية التفجير لم تكن متطابقة مع الواقع على الأرض لا من حيث الشخصيات الوهمية التي تم إدخالها إلى مسرح العمليات، ولا من حيث طريقة التنفيذ والدخول إلى الجامعة الأميركية وضغط زر التفجير.

في 22 كانون الثاني 1992 أصدرت المحكمة بالإجماع قرارها ببراءة جهاد الخليل من تهمة تفجير الكولدج هول للشك وعدم كفاية الدليل وأعلنت عدم صلاحيتها بالنظر في دعوى مقتل حياة الخليل وطلبت استرداد مذكرة التوقيف الصادرة في حق جهاد وإيداعه موجودا مع الملف جانب النيابة العامة العسكرية لإيداعه المرجع الصالح.

لكن القضية لم تنته عند هذا الحد. تم تمييز الحكم وأعيد تجريم الخليل أمام محكمة التمييز العسكرية. ولم يكن العميد حبيقة راضيًا عن هذا الحكم بعد صدوره.

قضية ثانية تتعلق بما سمي انفجار تلة الريس في بعبدا في مكتب النقيب عماد عبود في مقر قيادة اللواء الأول في الجيش اللبناني في 26 آب 1992. قتل في هذا الإنفجار النقيب عبود والعريف فيليب ونيس وجرحت الجندي أميمة طراف. كان الزمن زمن انتخابات الوصاية صيف العام 1992 وكانت التهمة أن عددًا من الضباط الموالين للعماد عون كانوا يعدون لعمليات تفجير لمنع حصول الإنتخابات. بعد التحقيقات الأولية تم توقيف عدد من هؤلاء بينما تمكن الرائد وقتها فايز كرم من التواري بعد اتهامه بأنه الرأس المخطط لهذه العملية.

كان هذا الملف من أصعب الملفات التي واجهت المحكمة العسكرية برئاسة العميد حبيقة. في 17 كانون الأول 1992 صدر القرار الظني الذي طلب إنزال عقوبات مشددة بالمتهمين وفي 5 شباط 1993 عقدت المحكمة العسكرية أول جلسة لها للنظر في هذه القضية. بعد سبع جلسات صدر الحكم في 24 نيسان 1993 وقد تلاه العميد حبيقة وقضى بسجن الرائد فياض كوسا ستة أشهر وإنزال المدة إلى شهرين وتسعة أشهر للنقيب ميشال شلالا وببراءة النقيب طوني أبو سمرا والسجن تسعة أشهر للنقيب أندريه رحال وعشر سنوات غيابية للرائد فايز كرم بالإضافة إلى أحكام على عدد آخر من المتهمين العسكريين والمدنيين.

أيضا اعتبرت سلطة الوصاية أن هذا الحكم مخفف ولا ينطبق على التحقيقات الأولية وعلى ما ورد في القرار الظني وتم ترحيل القضية أيضًا إلى محكمة التمييز العسكرية.

حكم واحد كان يمكن السكوت عنه. حكمان تصبح القضية مسألة فيها نظر.

عندما وصل العميد حبيقة ذات صباح إلى مكتبه في المحكمة العسكرية وجد قرار فصله وتشكيله في انتظاره. قرأ الخبر من دون أن يكون مطلعًا على أي حيثيات له أو أن يكون في أجوائه من قبل. كان مستاء جدًا. عبّر بأسى واختصار: “العميد حبيقة لا يمكن أن يعصروه”. عندما تم بث خبر التشكيل عبر إحدى الإذاعات الخاصة تم الإتصال بها لمنعها من تكرار إذاعته لأن المسألة تتعلق بتشكيلات عسكرية لا دخل للإعلام بها.

بعد ثلاثة وعشرين عامًا لم يتبدل الوضع كثيرًا في المحكمة العسكرية. في القضايا التي تحتمل وضعها تحت خانة “قضية دولة” لا يتم السماح للمحكمة بالإجتهاد كثيرًا.

عندما أوقف الوزير السابق ميشال سماحه بالجرم المشهود وتم الربط مباشرة بينه وبين اللواء علي المملوك ورئيس النظام السوري بشار الأسد بتهمة نقل المتفجرات والتحضير لعمليات تفجير واغتيالات فردية وجماعية في لبنان واستهداف شخصيات سياسية ودينية وتجمعات وإفطارات قامت قيامة بقايا عهد الوصاية السابق. لا يكفي توقيف ميشال سماحه حتى يتم اتهام الأسد ومملوك كان المطلوب منذ البداية قطع الطريق على هذه التهمة وإنقاذ ميشال سماحه والإنتقام من اللواء وسام الحسن واللواء أشرف ريفي.

حاول اللواء جميل السيد أن يبقى بعيدًا من مسرح الجريمة. كان إلى جانب ميشال سماحة في سيارته المحملة بالعبوات. لم يكن يدري أن التحقيقات الأولية متأكدة من ذلك فحاول أن ينكر قائلا: “إن سيارة سماحة لا يمكن أن تقل حمارين”.

من البداية اشتغل اللواء وسام الحسن واللواء أشرف ريفي أمنيًا من أجل ضبط هذه العملية. عندما حضر ميلاد الكفوري وأبلغ الحسن بما طلبه منه سماحه تمت تغطيته قانونيًا من خلال إبلاغ النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا بالأمر. تابع الكفوري مراحل العملية كلها حتى تم ضبط سماحه بالصوت والصورة وبالجرم المشهود في المرحلة الأخيرة عندما سلم المتفجرات ونقلها من سيارته إلى سيارة ميلاد ثم سلمه ال170 ألف دولار.

عندما ذهب ميشال سماحه من بيته في الأشرفية إلى منزله الصيفي في قريته الخنشارة كان ينتظر أن يبدأ بسماع أخبار عمليات التفجير. خلال الإعداد لعمليات نقل المتفجرات والعبوات انفجرت عبوة صغيرة قرب منزل النائب خالد ضاهر الذي ورد اسمه في سياق الأشخاص الذين يجب أن يتم استهدافهم. ولكن بدلاً من أن يستفيق سماحه على خبر أمني صار هو الخبر. استفاق على صوت عناصر من شعبة المعلومات يقولون له: قوم مشي معنا أنت موقوف بتهمة نقل متفجرات. كان يعرف ما فعل. لم يقاوم. بدا مستسلمًا. انقاد بكل هدوء إلى محل التوقيف وبدأ يفكر بطريقة للخروج من هذا المأزق الذي اكتشف رفاقه في محور الممانعة أنهم كلهم وقعوا فيه. كيف لا والعملية تطال رئيس النظام السوري بشار الأسد. خلال هذا الوقت كان ميلاد كفوري صار في مكان آمن.

لا تتركوا سماحه يسقط. لا تتركوه وحيداً. لا تسمحوا باتهام المملوك والأسد. كانت هذه التعليمات تأخذ طريقها إلى التنفيذ. لم يكن المحامي صخر الهاشم في وارد التوكل عن ميشال سماحه. فهو محام يمكن أن يتوكل في أي قضية تعرض عليه. جاءه وزير سابق مسيحي ضليع في القضايا القانونية محسوب على محورالممانعة وطلب منه أن يتوكل على أن يبقى هو بعيدًا عن واجهة هذا الملف. كان من اللافت أن يدخل إلى هذا الملف كل من المحامي مالك السيد بعد انكشاف وجود والده جميل السيد إلى جانب سماحه في السيارة. وأن يدخل إليه أيضًا المحامي يوسف فنيانوس القريب من النائب سليمان فرنجية. اشترط المحامي صخر الهاشم أن يكون وحده من يترافع في الملف فتمت الموافقة على طلبه.

الملف الذي تم العمل عليه بعناية أمنية فائقة لم يتم العمل عليه بالمثل من الناحية القضائية فترك على أساس أن القضية مبكلة بالإعترافات والأدلة والوقائع وبالمضبوطات التي لا يمكن دحضها وبالتالي كان هناك تسليم بأن الملف إذا أرسل لوحده إلى المحكمة “بيجيب” الحكم.

عندما قال الرئيس ميشال سليمان إنه ينتظر اتصالا من نظيره السوري لتوضيح القضية التي كان يعمل لها سماحه بطلب منه ومن اللواء علي المملوك قامت القيامة عليه. وعندما تم اغتيال اللواء وسام الحسن في الأشرفية في 19 تشرين الأول 2012 بعد ثلاثة أشهر فقط على كشف قضية سماحه – المملوك قيل إنه دفع ثمن هذه القضية. وعندما صدر القرار الظني متأخرًا قيل إن قرار الإحالة فيه لم يكن محكمًا.

لذلك ربما تأخرت عملية البدء بمحاكمة ميشال سماحه وبدأت حملة تشكيك بدور شعبة المعلومات وبالشاهد ميلاد كفوري. أرسلت التبليغات إلى علي المملوك ولكنها لم تصل ولم ترجع حتى تم الفصل بين قضيتي سماحه والمملوك. كان هذا الفصل مقدمة لمحاكمة سماحة وحيدًا وربما كان ثغرة في هذه المحاكمة. فبعد هذا الفصل بدأ الحديث عن أن سماحه “ما عمل شي” وأنه تم الإيقاع به وأن المدة التي أمضاها موقوفاً كافية مهما كانت العقوبة التي سيحكم بها بسبب التهمة المحال بها للحكم.

عندما عقدت أول جلسة للمحاكمة اعترف سماحه بما نسب إليه واعتذر من عدد من الشخصيات التي طلب استهدافها. قبل هذه الجلسة سربت معلومات تقول إنه قد يتعرض لعملية اغتيال على الطريق بين محل توقيفه وبين المحكمة ولكن هذا الأمر لم يلغِ موعد المحاكمة.

في الجلسة الثانية لم تكن هناك معلومات خارج إطار المحكمة عن احتمال ختمها وسماع المرافعات وبالتالي النطق بالحكم. كان هناك اعتقاد أنه لا بد من أن يتم عرض المضبوطات والتسجيلات والأدلة. ولكن كل ذلك لم يحصل. كان المحامي صخر الهاشم تحسب لمثل هذا الأمر. كتب مرافعته وانتهى من طبعها قبل ساعتين تقريبًا من بدء الجلسة حتى إذا ختمت المحاكمة وطلب منه المرافعة يكون جاهزًا.

هذا ما حصل. صدر الحكم المخفف. وصل الخبر إلى اللواء أشرف ريفي داخل جلسة مجلس الوزراء. ترك الجلسة وخرج ليصرح ويهاجم المحكمة العسكرية والحكم. ولكن ما كتب كان قد كتب.

الهجوم على المحكمة العسكرية والحكم يرد تقريبًا على الهجوم الذي شنه محور سماحه ـ المملوك على توقيف سماحه وعلى الملف وعلى شعبة المعلومات. لقد ذهب الحكم إلى التمييز. ولكن ماذا يمكن أن يحصل في التمييز؟ هل تعيد المحكمة عرض التسجيلات وهل تنسف الحكم من خلال الإعترافات والأدلة؟ وماذا يمكن أن يحصل إذا عاد ميلاد كفوري ليدلي بشهادته ولو عن طريق النقل المباشر كما يحصل أمام المحكمة الدولية؟

طريق تعديل صلاحيات المحكمة العسكرية والمحاكم الإستثنائية طويل ويتجاوز هذا الملف. حتى لا تتكرر مسألة العميد إميل حبيقة لا بد من أن تصحح محكمة التمييز العسكرية هذا الحكم وألا تفصل بين سماحه والأسد والمملوك لأن قضيتهم واحدة. على المحكمة أن تصحح من أجل الحقيقة أولاً ومن أجل الشهيد اللواء وسام الحسن ومن أجل الشعب اللبناني الذي ينتظر العدالة أولاً وأخيرًا.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل