خاسران كبيران في المنطقة: محور الممانعة بكل مراتبه وتركيباته، وإدارة باراك أوباما.
والدقّة، كما الخفر من حسابات التشفّي، يستدعيان مدّ مفعول الخسران على كل المنطقة وشعوبها في بداية المطاف ونهايته. باعتبار أن النار تفور فيها وتحرق أخضرها ويابسها وتنكب شعوبها وتهدر ثرواتها وتحطم كل مناحي العيش والعمران فيها وتعيدها القهقرى الى مراحل لا مثيل لأضرارها إلاّ تلك التي حملتها الغزوات الخارجية: من الغرب مع الحملات الصليبية، ومن الشرق مع المغول والتتر.
تحت هذا السقف يمكن الاستطراد والافتراض بأمان، ان محور الممانعة يترنح في معاركه ميدانياً وسياسياً وتفاوضياً في كل جبهاته، بحيث يتزامن الاندحار المروّع لبقايا سلطة الأسد وانكشاف كل أوراقها عن عجز استعصائي لا دواء له ولا رادّْ، مع اندحار قوى الانقلاب في اليمن، وبقاء الوضع العراقي في مكانه «البحري» حيث المدّ والجزر حالة واحدة لوضعية مزدوجة: الارهاب «الداعشي» من جهة أولى، والسلطة وملحقاتها من «الحشد الشعبي».. الإيراني من جهة ثانية.
في موازاة ذلك الضنى، تستمر صورة الهزيمة «النووية» الإيرانية في التبلور يوماً تلوَ آخر، وفي كل خط من خطوطها وبطريقة تجعل منها أم الهزائم الاستراتيجية للنظام الراهن: أراد، في خطه العريض، أن يعيد إحياء المجد القومي التليد بأدوات حديثة (وإفنائية!) فاكتشف متأخراً، ان وقائع الحاضر أقوى من النوستالجيا، وان الدول العظمى تكون كذلك عندما تستند الى معطيات وحقائق وأرقام وبنى مادية ملموسة، وليس الى الاشعار والشعارات والكلام الكبير الفارغ من أي مضامين حتى لو كانت صغيرة.
الخاسر الآخر هو الرئيس الأميركي، أو بالأحرى سياساته في المنطقة.
قد يفترض كثيرون ان التكتيك الذي اعتمده في مقاربة النكبة السورية والوضع العراقي لم يكلف واشنطن نقطة دم واحدة في مقابل تراكم مكاسب أبرزها رؤية أعداء بلاده يفتك بعضهم ببعض.. إرهاب إيراني يقاتل إرهاباً داعشياً أو قاعدياً أو أصولياً تكفيرياً. واستنزاف مادي وبشري وأخلاقي كبير وخطير لإيران وكل أهدافها ومراميها وملحقاتها، ساعد على كسرها في ملفها النووي..
ذلك صحيح نسبياً، لكن صحّته عابرة وليست مقيمة ودائمة، بحيث ان الجلوس في شرفة المتفرجين مريح بالتأكيد، لكنه لا يعني سوى الغياب عن المسرح. وذلك بالنسبة الى واشنطن ليس تفصيلاً بسيطاً وإنما أكلافه كبيرة وبعيدة المدى. ومنها تمدّد حالة النظر بسلبية الى دورها و»صورتها» باتجاه قطاعات عربية وإسلامية عريضة وغير تقليدية. ومنها ازدياد مخاطر الجماعات الارهابية وليس تقليصها، ومنها خسارة النفوذ المألوف في أكثر من مكان وموقع وقرار، وغير ذلك كثير.
من تفاصيل بعض معاني ذلك، أن التطورات الميدانية المتسارعة في اليمن وسوريا خارجة عن إرادة أوباما وسياساته.. وذلك على سبيل المثال وليس الحصر!