#adsense

صحافيات “داعش”!

حجم الخط

يُهيمن على ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية المزعومة داعش، غموضٌ كثيف لا يتصل فقط بظهور التنظيم ومشروعه التكفيري ومصادر تمويله، بل يتجاوز ذلك ليشمل علاقة التنظيم بتفاصيل كثيرة على رأسها مسألة المرأة، وخصوصًا أنها علاقة تعرف حاليًا تطورات مهمة مما يفرض علينا اعتماد مقاربة موضوعية لا تكتفي بالأفكار المكررة وتُريحنا عناء الحيرة والتفكير.
إن وجود النساء في تنظيم يقطع الرؤوس ويقيم المذابح الجماعية دون شفقة أو رحمة يُمثل في حدّ ذاته مظهرًا من مظاهر المفارقة الغريبة، فما بالنا عندما يكون حضور النساء أكثر من مجرد حضور شكلي وثانوي وقسري الدوافع؟
لذلك، فإن أول مستلزمات الموضوعية هو القطع مع التعاطي المسبق الذي يُروّج ظاهرة جذب تنظيم داعش للنساء على أنها جذب قسري، وأن المرأة في هذا التنظيم ضحية من الضحايا الكثر.
فالمعطيات الواردة والمتناثرة هنا وهناك، تشير صراحة إلى أن المرأة في تنظيم داعش فاعل أساسي ومدبر ومشاركة في «حلم الدولة الإسلامية» المزعومة.
ويبدو لي أن فهم هذه النقطة بشكل دقيق مسألة مهمة؛ لأنها تُحدث فارقًا في الفهم والقراءة والاستنتاج. فما الذي يجعل النساء المسلمات ينجذبن إلى هذا التنظيم الإرهابي التكفيري الإجرامي؟
لم تكن المرأة ذات حضور في بداية ظهور «داعش»، حيث كانت البداية ذكورية مائة في المائة، إلا أن «نجاح» التنظيم في خطواته الأولى وتحوله إلى تنظيم يسجل الأهداف تلو الأهداف، علاوة على تزايد أعداد المنتمين إليه بشكل سريع وكبير، كل هذه المؤشرات وغيرها حتّمت حضور المرأة اجتماعيًا داخل التنظيم، وخصوصًا أن استمرارية هذا التنظيم فرضت الاستنجاد بالمرأة لاعتبارات وظيفية أساسية.
ومن الخطأ تركيز كل الاهتمام على «جهاد النكاح» وفكرة أن وجود المرأة في «داعش» وجود جنساني أولاً وأخيرًا، فإلى جانب ذلك تؤدي «الداعشيات» أدوارًا عدّة.
ولعل الرقم الذي راج مؤخرًا في وسائل الإعلام التونسيّة القائل إن 700 امرأة تونسية يوجدن اليوم في تنظيم داعش، قد أنتج حالة من الاستغراب والاستنكار داخل تونس وخارجها؛ ذلك أنه صحيح أن النساء في «داعش» ينتمين إلى جنسيات متعدّدة، ولكن استئثار التونسيات برأس القائمة مغاربيًا أثار نقاط استفهام وتعجب. فتونس معروفة بمعالجة رائدة لمجلة الأحوال الشخصية، والدستور يضمن المساواة بين الجنسين. بمعنى آخر، أن الواقع التشريعي والاجتماعي والسياسي ينم عن مكانة نوعية للمرأة التونسية داخل الأسرة والمجتمع ومؤسساته كافة.
ولكن ها هو البلد الرائد في مجال حقوق المرأة والرافع شعار الحداثة منذ عقود طويلة سابقة حتى لمرحلة الحكم البورقيبي، هو نفس البلد الذي هاجرت منه مئات النساء إلى تنظيم داعش للالتفاف حول مشروع متطرف. وتؤكد كتيبة الخنساء التي تحمل المسؤولة عنها الجنسية التونسية أن المرأة التونسية وغيرها لا يمثلن فقط قاعدة اجتماعية في التنظيم، بل إنهن عناصر في الصفوف الأمامية.
إذن، هؤلاء النساء في عداء مع الحداثة ومظاهرها ويفضلن المشاركة في تنظيم يهدف إلى استعادة ماضي الخلافة، أي إن المرأة شريك في المشروع أو هي متبنية له بدليل أن تنامي عدد النساء تزامن مع تشكيل قوات التحالف الدولي.
كما أن محاولة رصد أهم الوظائف التي تؤديها تقودنا إلى الاعتراف صراحة بأن المرأة «الداعشية»، شريكة فاعلة ونشيطة. ومن الخطأ القنوع بكون جميعهن ضحايا مستغلات جنسيًا؛ لأنه وفق هذا المنطق، فإن كل «الدواعش» مرضى وضحايا تنشئة اجتماعية ونفسية ودينية.
فنساء «داعش» متحمسات ومتعصبات لتنظيمهن كما الرجال. والبعض منهن مقاتلات يمتلكن وحشية خاصة جدًا. من ذلك ما ورد في مواقع التواصل الاجتماعي على لسان واحدة منهن بعد إعدام الصحافي الأميركي ستيفن سوتلوف، حيث قالت: «يا ليتني أنا قمت بذلك».
أيضًا هناك مسألة جديرة بالانتباه تتمثل في أن خطة الإعلام داخل تنظيم داعش تهيمن عليها النساء، إذ ينشطن بشكل مكثف في الدعاية والأخبار إلى درجة أنه يمكن اعتبارهن صحافيات التنظيم المتطرف والقائمات بالاتصال أيضًا؛ إذ يُسهمن بشكل كبير في عمليات تجنيد الشابات.
قد يرى البعض أننا استثنينا الأوروبيات، ولكن في الحقيقة هناك خلط في هذه المسألة؛ فأغلب المحسوبات أوروبيات هن من الجيل الثالث للجالية العربية المسلمة في أوروبا وينتمين إلى جيل يعاني منذ سنوات طويلة من مشكلات عدة ومظاهر تأزم على صعيد الهوية والاندماج داخل المجتمعات الأوروبية.
بيت القصيد: المرأة ليست ضحية للاستغلال والعنف الجنسيين، بل إنها مقاتلة وإعلامية وقائمة بالاتصال. والاعتراف بهذه الوظائف يُحوّل وجهة المقاربة والقراءة تمامًا. ويصبح السؤال الجدير بالتفكير هو أسباب انخراط الكثير من الشابات في تنظيم من أكثر التنظيمات جرائم؟ أي لماذا تختار شاباتنا الاغتراب في مشروع متطرف تكفيري في نشاز مع قيم الإنسانية وخصائص الأنوثة؟

المصدر:
الشرق الأوسط

خبر عاجل