
كتبت سيبال رزوق في “المسيرة” – العدد 1433:
أصيب في معركة “سوق الغرب” وفي “الأسواق التجارية” وما زال حتى اليوم يبدي استعداده للقتال اذا استدعى الأمر. لطالما كان مقتنعاً بانتمائه القواتي، ويعتبر أنه “عندما يضحي الشخص بأغلى ما لديه، بروحه وحياته عن قضية، لا ينتظر أي مكسب في المقابل إذ يكون هدفه الرئيسي الدفاع عن وجوده وأرضه والمحافظة عليها طيلة حياته”. خلال خوضه المعارك استشهد معه 27 رفيقاً وأصيب نحو 50 وهو بينهم. لا ينسى رفاقه الأبطال ويقول إنهم لو لم يستشهدوا أو يبذلوا دمهم لما وجدنا اليوم مسيحيين في لبنان.
عاد بنا منير ضو الى ذكريات الحرب الأليمة ليروي لنا تفاصيل عاشها خلال تجربته في معركة سوق الغرب في أيلول 1983 حيث خاضت “القوات اللبنانية” واحدة من أصعب معارك الحرب. كان اّمر المجموعة في تلك المعركة عصام خوري وهو كان المشرف على كل العملية أما منير ضو فكان نائبه والمسؤول عن المجموعة الموجودة على أرض المعركة. كان “الحكيم” في منطقة بحمدون وكان يتم الهجوم عليه بشكل عنيف من منطقة صوفر.

يروي منير أن المجموعة التي كان يترأسها تبلغت المهمة التي تقضي بقطع طريق بيصور- عاليه التي تربط منطقة الشحار الغربي بمنطقة عاليه لمهلة زمنية محددة بـ 12 ساعة في المرحلة الأولى فيما تحاول المجموعات الأخرى فتح طريق بحمدون عبر كفرمتى أو عاليه.
اتخذت المجموعة التي كان يترأسها منير موقعها الاستراتيجي وتمركزت على تلة معروفة بتلة “الثلاث ثمانات”. فترة الـ 12 ساعة الأولى لم تكن كافية إذ أن المجموعات القواتية الأخرى تقدمت في كفرمتى وواجهتها مصاعب كثيرة عرقلت تنفيذ المهمة. كما أن الجيش لم يتمكن أيضا من فتح طريق عاليه – بحمدون.
تابع منير: “بعد فشل المحاولات الأولية طلب منا تجديد 12 ساعة أخرى وبات الوضع يتجه أكثر فأكثر نحو الخطورة والصعوبة. مرّت 24 ساعة من دون الوصول الى أي نتيجة وكان موقعنا الاستراتيجي يصبح ضعيفاً خصوصاً أننا لسنا في أرضنا أو في منطقتنا فكان وضعنا الأمني حرجاً جداً وحياة كل شخص منا مهددة في كل لحظة”.

يروي منير أصعب اللحظات التي مرّ بها خلال هذه العملية بتأثر وحسرة قائلاً: “المعركة في بحمدون كانت محتدمة وبدأت المجموعات بالتعرض لإصابات مباشرة فطلب منا التمديد لـ 12 ساعة أخرى. وبما أننا لا نستطيع مغادرة المواقع إلا في المساء فهذا يعني أن الـ 12 ساعة ستمتد حتماً الى 24 ساعة”.
كان الفريق مؤلفاً من 60 شخصا يتناوب 10 منهم عند التبديل لكن منير كان ثابتاً في موقعه بما أنه اّمر المجموعة والمجموعة تنقسم عند المناوبة الى مجموعتين كل واحدة منها مؤلفة من 5 أشخاص وكل شخص كان يتمركز في حفرة فردية للحماية.

يتابع منير: “في اليوم التالي أي بتاريخ 6 أيلول عند الساعة الثانية ظهراً تمكن الطرف الآخر من كشف مواقعنا بشكل دقيق وتعرضنا لهجوم قاس بالدبابات وبتنا نصاب بشكل مباشر. المجموعة التي كنت موجوداً معها أصيبت بشكل مباشر فاستشهد منا حسان مطر ومرسال بكاسيني ومانويل عمانوئيل وفادي جرجس وأنا أصبت اصابات بليغة. أما المجموعة الثانية فأصيبت بشظايا واستشهد منها جورج خطار وأخوه. أذكر أن الشهيد فادي جريس مات على صدري والحفرة التي كنت موجوداً فيها كشفت على اليمين فعادوا وأطلقوا ست رصاصات علي في رجلي ويدي. في تلك المرحلة دمرت الأجهزة التي كانت في حوزتنا وفقدنا الاتصال مع العناصر الأخرى وكانت المشكلة في كيفية إعطاء خبر للرفاق أننا في حاجة للانتقال من مكاننا وكان معنا مصابون. تكلمت مع الرفيق إدوار نخول الذي كان ملقب “بالدنغي” وهو كان ضمن المجموعة الأخرى وكان أيضًا مصابًا لكن وضعه كان أفضل من غيره. فسألته إذا كان قادرًا أن يتوجه نحو المجموعة الأخرى ليعطيهم خبرًا أننا في خطر وبأننا فقدنا سبل التواصل معهم.
اتفقنا على ضرورة ذهابه ولكن مهمته كانت شبه مستحيلة، فكان عليه في ضوء النهار تجاوز مسافة 200 متر تحت الخطر للوصول الى الموقع. الأرض كانت مكشوفة، معرضة للنار ومستهدفة بشكل كبير. كان الموقف صعبًا جدًا ولكن لم تكن لدينا خيارات أخرى فإذا لم نعطهم خبرًا سنموت جميعًا. ركض”الدنغي” بشجاعة مسافة الـ 200 متر وأكمل مسيرته على رغم الرصاص الكثيف الذي كان يتعرض له حتى أنني كنت أرى من حوله كثافة الدخان من كثرة إطلاق النيران. لكن في النهاية وصل البطل وأنقذ حياته وحياة رفاقه.
بعد أن وصلهم الخبر اتجهت مجموعة كبيرة من المقاتلين القواتيين وشنوا هجومًا كبيرًا على الموقع وتمكّنوا من نقلنا من دائرة الخطر”.

معركة سوق الغرب باتت مشهورة طوال فترة الحرب ولم يتمكن أحد الدخول الى تلك المنطقة. حتى الجيش انسحب منها. بعد وصف هذه المرحلة لم ينهِ منير القصة بل أعطى عنواناً لبداية جديدة “بداية المعاناة”. عند انتهاء المعركة تلقت عائلة منير ضو خبر وفاته عبر الراديو فكانت صدمة للعائلة وقد استغرقهم وقت طويل حتى تمكنوا من معرفة أخباره ومكانه. وبعد تدخل خاله الخوري تمكنت عائلته من زيارته في المستشفى. يقول منير: “عندما دخلت والدتي الى غرفتي لم تعرفني! تشوه قسم من وجهي وكانت الكسور والإصابات في كل جسمي. كانت حالتي الصحية دقيقة فاضطررت الى البقاء في المستشفى ستة أشهر على التوالي وامتدت فترة العلاج لسنتين حيث خضعت لعدة عمليات لترميم وجهي ويدي”.
وعلى رغم كل المعاناة التي مرّ بها منير إلا أنه رفض التقاعد والابتعاد عن ساحات القتال للدفاع عن القضية. ويقول: “عندما أصبحت حالتي الصحية مستقرة عدت فوراً الى صفوف المقاتلين والكادرات القواتية فأصبحت في العام 1985 ضابطاً في القوات واستلمت سرية بيروت وما زلت حتى اليوم في أيام السلم قواتياً مقتنعاً بقضيتي”.