#adsense

عندما يهدم الكبار جدار الفصل

حجم الخط

التقى العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع، بما يمثلان، بعد خصومة طالت لحوالى ثلاثة عقود. فهل ينهي لقاؤهما مرحلة مؤلمة من تاريخ لبنان والمجتمع المسيحي فيه؟ هذا ما تأمله النفوس حتى تلك التي بكت على أعزّاء سقطوا في حرب أواخر الثمانينات. اجتمع الرجلان في الثاني من حزيران 2015، هادمين بذلك جدار فصل ارتفع بين مجموعتين تخاصمتا وتباعدتا لألف سبب وسبب. وانقسم مشهد المراقبين بين مشكّك ومتشائم وكئيب ومتفائل ومُشجّع… لكن السؤال هو: هل إننا نُريد هدم هذا الجدار أو الابقاء عليه عاليًا؟

يعرف من يدرس التاريخ أنّه لا يوجد جدار فصل يدوم إلى الأبد. هنا نتذكّر شعب برلين الذي هبّ إلى هدم جدارها في التاسع من تشرين الثاني 1989 فتواصل ناسها من الجهتين وأعاد إلى ألمانيا الواحدة التوازن الضروريّ والقوة الإضافيّة التي عزّزت الحريّة والديمقراطيّة والوحدة والرفاه. وكذلك في دولة جنوب أفريقيا التي مزقتها صراعات السود والبيض،انكبّ فريدريك دي كليرك ونيلسون مانديلا على الحوار لثلاث سنوات فانهى الافريقيون الجنوبيون في 1993 وإلى الأبد جدار الفصل العنصري – آبرتهايد. أعطى البلَدان للعالم بأسره أمثولة في كيفيّة التغلّب على آفة التمييز بين الناس في داخل الأوطان.

وفي ايرلندا الشماليّة، قدّم كلّ من القسّيس إيان بايزلي زعيم الغالبية البروتستانتيّة وجيري آدامز ومارتن ماغينس، قائدي حزب “الشين فين” الكاثوليكيّ، أفضل نموذج للتغلّب على الفرقة والخلاف ما بين الطوائف في البلد الواحد. اتفقوا على وضع منطقتهم تحت سلطة حكم الدولة والقانون والقضاء واتفقوا في أيار 2007 على أن يكون حمل السلاح محصوراً بالجيش البريطاني.

الملفت في هذه المصالحات كلّها نجاح هؤلاء الكبار في بناء أواصر الصداقة الشخصيّة المتينة في ما بينهم وهم يحاولون إعادة ترميم جسور الأخوّة في ما بين جماهيرهم بعد عقود من الخلاف الحاد والصراع الدامي والمؤلم. إلا أن من يدرس هذه المآثر التاريخيّة المعاصرة يعرف أنّ جميع هؤلاء الرجال دفعوا أيضًا أثمانًا لصلحهم من قبل المغالين من مؤيديهم والمتألمين والعاجزين عن المسامحة. والأمر نفسه قد يحصل عندنا.

لكن لا بد أن نسأل أنفسنا: هل نُريد الاستمرار في النظر إلى بعضنا  البعض بوصفنا أعداء إلى الأبد، ونبقى نعتبر إخوة لنا غرباء نرهبهم؟ ألم يقل المسيح: “أحبّوا أعداءكم”؟ ألم يقصد الرّبّ بهذه الوصيّة تقليص الفوارق بين الأعداء وتحويلهم إلى أخوة وأصدقاء أحباء؟ ألا يجب أن يتحلّى السياسيّ المسيحيّ بالجرأة الكافية لهدم جدار فصل العداء والكراهية والحقد بهدف تأمين مستقبل أفضل للأجيال المقبلة؟ وما فضلنا كمسيحيين إن بقينا نُحبّ الذين يُحبوننا ونخاصم من يخاصموننا؟

ومن المؤكّد ان المجروحين ينتظرون مبادرات، قد تُطرح بعد، لشفاء جراحهم وآلام الماضي العميقة. ويجب الا يستخفّ بهذا النوع من المبادرات إن كنا نبغي حقًّا بركة من قال: “طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون”.

ولا بدّ هنا من كلمة شكر لكلّ من النائب ابراهيم كنعان والصحافي ملحم رياشي اللذين تكلّل جهدهما بلقاء الأمس بين الجنرال والدكتور. وهو اللقاء الذي تُوّج بالتفاهم الواضح وحمل توقيع الرجلين اللذين هدما جدار الفصل بين جمهوري العائلة الواحدة. عسى أن يقتدي آخرون بما حصل ويستمر قطار التفاهمات لتوطيد وحدة لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل