لعل من أولى تحديات فريقي “اعلان النيات” العوني – القواتي الوليد حديثاً في الرابية أن يواجها اقناع المشككين الكثر بالتمعن قليلا بنص الإعلان و”احترام” الجهد المشهود لواضعيه في التوصل الى هذه الصيغة المركبة من توجهات الفريقين. نقول ذلك لا من منطلق تضخيم أو تقليل لهذا التطور بل من زاوية الالتفات الى ظاهرة لبنانية عامة لم تعد تقيم اعتباراً للتعهدات المثبتة بنصوص لفرط ما فقدت الالتزامات صدقيتها. يدرك فريقا “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”، هذه الحقيقة مثلما يدركها أي طرف سياسي انخرط منذ زمن طويل في الصراعات اللبنانية وليسا في حاجة الى معرفة ما يترصدهما من محاذير في اثبات مضيّهما فعلا نحو طي ذيول الصفحة الاشد انهاكا للمسيحيين ما داما يعترفان من خلال هذا الإعلان ضمناً وعلناً بمسؤوليتهما المشتركة ويطلان على مشهد مختلف. هذه المعادلة تثقل عليهما اكثر في اختبار اثبات إستقلالية قرارهما الذي برز في اختراق لحظة داخلية فاجأا فيها الحلفاء والخصوم باتخاذهما مساحة “مسيحية” صرفة نأت بنفسها عن مجريات التصعيد والصراع والاصطفافات الى حدود اثارة توجس الجميع من هذا التوقيت المباغت للإعلان. وتبعاً لذلك سيتعين عليهما أن يخرقا الانطباع السائد عن شكليات النصوص وعدم احترامها من موقعيها انفسهم. ففي هذا الإعلان ثمة صيغة شد فيها كل منهما الآخر الى نصف موقعه ولو المبدئي. “القوات” جذبت “التيار” الى ادبيات التزام الطائف والدستور والمواثيق الدولية إسقاطاً للنزعات الانقلابية، و”التيار” جذب “القوات” الى تصحيح ممارسات الطائف والاعتراف بالمثالب المعتورة منذ بدء تنفيذه. أما الصيغة المشغولة بميزان شديد الدقة حول مواصفات رئيس الجمهورية “القوي”، فتطلق العنان في غموض يمكن ان يكون بنّاء ويمكن أيضاً ألا يكون كذلك حين تأتي ساعة الخيار الحاسم.
والحال إن الفريقين أحسنا صنعاً بعدم التماهي الحرفي مع “تفاهم مار مخايل” بين التيار العوني و”حزب الله”، اذ أسبغا صدقاً اكبر في ابراز المدى المبدئي لخطوتهما وبعدها المتصل بالواقع المسيحي من دون إيهام الناس أنهما ذاهبان الى تحالف ثنائي خالص من شأنه ان يقلب المعادلة الداخلية ويخلط الاوراق. بل لعل افضل ما يواكب هذا التطور هو ان يواكبه فريقاه بالإمعان في الشفافية الواقعية التي تبقي الإعلان وترجماته المنتظرة في اطار إستقلالية الحد الادنى المسيحية لكل منهما التي تمليها ظروف لا تحتاج الى شرح وتبرير بلا تضخيم أو أوهام وعلى الآخرين احترامها. ثم ان نصاً أحدث هذا الدوي في ظروف غير عادية يتعين على واضعيه أن يشرعا أولا في اعادة الاعتبار الى الالتزامات والتعهدات.
