بين “التفاهم” و”النيّات”

في أقلّ من عشر سنوات، وقّع ميشال عون ورقتين متناقضتين: “التفاهم” مع “حزب الله”، و”إعلان النيّات” مع “القوّات اللبنانيّة”.

وإذا كان ارتباطه بالأُولى مُحكَماً والتحاقيّاً خضع لامتحانات قاسية لم تؤثّر أو تبدّل فيه شيئاً، بل زادته تبعيّة والتصاقاً، فإنّ ارتباطه بالثانية خاضعٌ للتجربة والاختبار لتظهير كيف يمكن له أن يوفّق بين التناقضين، وأيّ الورقتين تتقدّم على الأُخرى، أو تُلغيها. لأنّ ازدواجهيتهما لا يمكن أن تستمر.

ليس خافياً أنّ التناقض العميق يكمن في المقارنة بين البند العاشر من “التفاهم” بما فيه من تسليم كامل لسلاح “حزب الله” في حروبه ومشاريعه الفوق لبنانيّة، وبين معظم بنود ورقة “النيّات” التي تتحدّث عن حصريّة سلاح الجيش اللبناني والقوى الأمنيّة الشرعيّة في حماية لبنان على كلّ أراضيه، وعن الانتساب إلى الشرعيّة العربيّة والدوليّة واحترام كلّ قرارات الأمم المتحدة ( لم نلاحظ مثلا استثناء القرارات 1559 و1680، و 1757 الناظم للمحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان).

وليس خافياً أيضاً في “الاعلان” اعتماد “اتفاق الطائف”، كمرجعيّة ميثاقيّة دستوريّة والتزام تطبيق كل بنوده من المناصفة إلى اللامركزيّة الإدارية.

بينما تعمّد “التفاهم” إغفال أيّ ذكر أو إشارة إلى “الطائف” والقرارات الدوليّة، وحرص على وصف مرحلة الاحتلال السوري بأنّها كانت مجرّد “تجربة شابتها ثغرات”، وأطلق الحريّة لسلاح “حزب الله” ( سمّاه هكذا بالإسم ) بحجّة الدفاع عن لبنان إلى أن “تتوافر الظروف الموضوعيّة”!

ومنذ عشر سنوات حتّى الآن، تعقّدت هذه “الظروف الموضوعيّة” كثيراً، وباتت “ورقة التفاهم” غطاء لدفاع “حزب الله” عن لبنان ليس فقط من الجنوب، بل من العمق السوري وأعماق العراق واليمن، وما بعد بعد.

لا شكّ أنّ ميشال عون قبض ثمناً متعدّداً لقاء هذا الغطاء، وهو ثمن شخصي تحت شعار مسيحي، بدءاً بعدد نوّاب تكتّله، وصولاً إلى تأخير تشكيل الحكومات بهدف توزير البطانة العائليّة، وشلّ الحكومة الراهنة على خلفيّة المصلحة الذاتيّة نفسها. ولم يتردّد عون في تغطية خروج السلاح على الشرعيّة، سواء في حرق الدواليب وإقفال قلب بيروت وتطويق السراي، أو 7 أيّار، أو الانقلاب على حكومة سعد الحريري.

لقد سلّم عون بالقرار الاستراتيجي ل”حزب الله”، وبالطبع للمحور الإيراني”، بحجّة التحالف عبر “ورقة التفاهم”، لقاء مكاسب مصلحيّة في السياسة والسلطة والمال.

والآن، يحاول تحقيق المكاسب نفسها تحت غطاء “إعلان النيّات”، من أجل بلوغ الموقعين الأساسيّين، رئاسة الجمهوريّة وقيادة الجيش.

والواضح أنّه بدأ المزايدة على “حزب الله” وقيادة الجيش في مسألة عرسال وجرودها، من جهة، وعلى سمير جعجع وبكركي والقوى المسيحيّة الأُخرى في مسألة “حقوق المسيحيّين”، من جهة ثانية.

وكما كانت “ورقة التفاهم” سترة نجاة لمصالحه، هكذا يريد اليوم “ورقة النيّات”.

لقد سلّم للقوّات اللبنانيّة بورقة ممهورة بطابع أدبيّاتها وأهدافها السياسيّة والوطنيّة المعلنة، ومن ورائها 14 آذار، بما يشبه ذاك اليوم المشهود في قصر بعبدا سنة 1990، حين رفع بيده كتيّب مبادىء “القوات” وأعلن التزامه بها.

.. وبعد ذاك الإعلان، يعرف الجميع كلّ ما جرى تحت اسم ” حرب الإلغاء”.

بالتأكيد، لا يغيب عن وعي “القوّات” ولا 14 آذار، ما حقّقه “إعلان النيّات” من كسب معنوي وسياسي وإعلامي لهما، عبر استدراج عون إلى ملعبهما. ولو كان التزامه ما وقّع عليه محفوفاً بالشكوك.

ويجب ألاّ يغيب عن ذهنهما أيضاً، ما يقوم به عون راهناً، في محاولته التدرّؤ بغطاء “النيّات” لشلّ الحكومة، وتفريغ الدولة بدءاً برأسها، وتوريط الجيش لئلاّ “يصدأ كسكّين المطبخ”، ودائماً تحت عقيرة “الحقوق المسيحيّة”.

لم يكن “حزب الله” منزعجاً من احتماء ميشال عون ب”التفاهم” لتحقيق مكاسبه السياسيّة، طالما أنّ المفتاح الاستراتيجي في جيبه. لكنّ على 14 آذار مجتمعة أن تحاذر استغلاله ورقة “النيّات” لبلوغ غاياته الشخصيّة مع إبقائه قراره الاستراتيجي في يد “حزب الله”.

المعادلة بسيطة: ما أعطاه عون في ورقة “النيّات” وقبلها ورقة “التفاهم” كان من أجل طموح ذاتي.

والفارق هو أنّه مكبّل اليدين مع “حزب الله”، بينما يريد أن يكون طليقهما مع “القوّات” و14 آذار.

وفي النهاية، لا يكون حرّاً إلاّ من يعشق الحريّة، في كلّ آنٍ ومكان، وليس بشكل انتقائي.

ولا أفق أمام من يشتري هنا، ويبيع هناك!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل