حادث مأسوي خطف حياة المخرجة مارتين ضاهر
مارتين التي أحبت الحياة، لم تكافئها الحياة بالحب نفسه، ولم تدعها تستكمل تحقيق أحلامها، فخطفتها في سنّ السادسة والعشرين وهي في ريعان الشباب، سالبةً من أهلها الضحكة ومن أصدقائها رفيقة طموحة ومفعمة بالشغف والعطاء. ليل الجمعة، كان شبح الطرق أسرع من مارتين بعدما اصطدمت سيارتها بحائط على طريق جونية.
25 سنة كأنها 100!
“فتاة محبَّة للحياة، موهوبة، مفعمة بالحركة، تعمل حوالى 20 ساعة في اليوم بلا كلل”، بهذه العبارات تصفها إحدى صديقاتها المقرّبات في حديث لـ “النهار”، “كانت مارتين تنجز رسالة الماجستير في مدينة تولوز الفرنسية، حيث كان من المفترض أن تناقشها بعد فترة قصيرة. وهي كانت قد أنجزت فيلماً عن الجيش اللبناني، وعملت مع الممثلة ريتا حايك، والمخرج جاد شويري، وكثيرين. هي ابنة قاضٍ ومحامية، متعلمة، ومثقفة، شقيقتها خريجة جامعة هارفرد في القانون، وتعمل في مكتب محاماة في باريس، وكذلك شقيقها يدرس المحاماة، جميعهم تحت وقع الصدمة، في العزاء يحاولون تمالك أنفسهم، والبقاء أقوياء قدر المستطاع ولكنهم في حال انهيار. لا يتقبَّل أحدٌ هذه الخسارة، لا أهلها ولا نحن، حتى الناس الذين عملت معهم في الأردن ومصر فُجعوا بالخبر، واتصلوا بي مؤكدين إصرارهم على المجيء الى لبنان لحضور جنازتها ووداعها، فهي أينما ذهبت أحبَّها الناس وأحبتهم. تمنيت لها في عيد ميلادها حياة مليئة بالجنون والإبداع، فهي عاشت في 25 سنة ما لا يعيشه إنسان في 100 عام، إلاَّ أنَّ القدر عاكسها. نحن في حال حزنٍ شديد، وأتمنى لو استطعت توديعها قبل الرحيل”.
وفي آخر اتصال لها مع صديقتها، روت مارتين يومياتها المليئة بالحركة والحياة والنشاط “أنا بخير، أمضي أيامي في العمل، وأمارس الرياضة كثيراً، فهذه أولوياتي في الحياة، الأصحاب الذين أتمكن من رؤيتهم هم زملائي في العمل، أو جيراني. لقد حصلت على وظيفة في مصر. كما أنني سأذهب الثلثاء إلى أمستردام، ومن ثمَّ برلين ومدريد حيث سأمضي 25 يوماً، وبعدها إلى تولوز- فرنسا حيث أكمل الماجستير، ولاحقاً إلى مهرجان “كانّ” لبضعة أيام، لأعود بعدها إلى لبنان. آسفة لن أتمكن من رؤيتك قبل نهاية شهر أيار، لكني “اشتقتلك، طمنيني عنك”، وبعد عودتي يمكننا الذهاب إلى القليعات، أتمنى أن تكوني بخير، قبلاتي”.
الجرح لن يندمل أبداً
بدورها، قالت صديقة مارتين منذ الطفولة، انها لا تصدِّق ما حدث، ولا زالت في حال نكران إذ تقول لـ”النهار”:” عندما عرفت بالنبأ، لم أصدِّق، اعتقدت أنَّها مزحة، إلى الآن لا نعي ما حصل، إنها ضربة كبرى للجميع، لأهلها وأشقائها وأصدقائها. صباح السبت ، استيقظ أهل مارتين ليجدوا أنها لم تَعُد إلى المنزل، فذهبوا إلى المخفر لإبلاغ القوى الأمنية عن عدم عودتها، وهناك عرفوا أنها تعرضت لحادث سير وفارقت الحياة. مارتين كانت شغوفة بالسينما منذ الصغر، ديناميكية، فرحة، إنسانية، مرحة، مفعمة بالحركة. كنا نقول لها أنتِ “ستيفن سبيلبيرغ” المستقبل، أرادت تحقيق أمور كثيرة، درست في الأنطونية وأكملت تحصيلها الجامعي في جامعة القديس يوسف. كنا صديقتين مقربتين، كما أنَّ هناك صداقة تجمع بين عائلتينا. مارتين كانت تُنجز رسالة الماجستير عن حادثة اغتيال “القضاة الأربعة” في صيدا، سلَّطت دوماً الضوء على المسائل الإنسانية، وفي مشروع تخرجها الجامعي (الإجازة) أنجزت فيلماً عن عمل الدوائر الرسمية في لبنان، حيث انتقدت فيه البيروقراطية الإدارية وإهدار الوقت. ولكنها، كانت مرهقة جداً في الفترة الأخيرة من التصوير والإخراج، حيث أمضت أياماً بلا نوم ولكن على رغم ذلك لم تكن تتوقف. نحن لا زلنا في حال صدمة، أما أهلها فيحاولون التماسك ولكن جرحهم لن يندمل أبداً، أقول لمارتين سنفتقدك جداً ولن ننساك أبداً، والجرح سيبقى في قلبنا دوماً، ولكنك ستبقين أيضاً في صلواتنا وأفكارنا”.
اللحظات الأخيرة
جمعت الصداقة بين مارتين والمخرج جاد شويري، هذه العلاقة التي بدأت عمليَّة، تطورت مع الوقت لتصبح مارتين إحدى صديقات جاد المقربات. يخبر جاد “النهار” قائلاً: “مارتين كانت تعمل معي في إخراج كل الكليبات، كنت أثق بها، وفي بعض الأحيان عندما كنت أعاني ضغطاً في عدد الكليبات كنت أطلب منها التكفل في إخراج بعضها، إذ كنت أثق بعملها وبنظرتها، وبتنا أصدقاء مقربين. مارتين مليئة دوماً بالحركة، لا تُشعِر الآخرين بحزنها، وإيجابية جداً، قبل أيام من وقوع الحادث كانت معي في باريس، وعدنا إلى لبنان معاً منذ بضعة أيام. كما أنها باتت مقربة من أخي وخطيبته، وتواجدت معي ليل الجمعة في حفل توديع عزوبية شقيقي، كانت برفقتي طيلة السهرة، كنت قد ربحت جائزة “الموركس” في الليلة السابقة فغمرتني في السهرة، قائلةً إنها فرحة بنجاحي وفخورة بي، ومتحمسة لأنَّ شقيقي سيتزوج، كانت تغمرها السعادة. ثمَّ عرفت بعد ساعات أنها توفيت في طريق عودتها إلى المنزل، لم تكتمل فرحتنا ولا فرحتها، ما حصل معها قاسٍ جداً ومتعب، ولا أرغب في الحديث عنه أكثر لأنه يؤلمني”.
مارتين ضاهر ضحية جديدة انضمَّت إلى لائحة أسماء كثيرة خطفتهم إما السرعة الزائدة، أو افتقاد الطرق اللبنانية للإنارة والتأهيل، فخسروا حياتهم وأحلامهم تاركين دموعاً وجروحاً لن تجف أو تندمل بمرور الأيام. ويشار إلى أنَّ الجناز لراحة نفس مارتين سيقام يوم الاثنين 8 حزيران في كنيسة مار عبدا الرعائية – بلاط في تمام الساعة الرابعة عصراً.
