جعجع وعون: قصة اللقاء

جعجع وعون

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” العدد 1511:

منذ بدأ التواصل بين “القوات اللبنانية” والعماد ميشال عون كان الدكتور سمير جعجع حريصًا على أن يستمر الحوار. كانت هناك أصوات كثيرة مشككة في النتائج ولكن رئيس حزب “القوات” كان يراهن على النجاح وعلى تحقيق اختراق. كان يتحدث عن أجواء اللقاءات ويأخذ في الاعتبار ما يقوله البعض عن أن الحوار لن يكمّل ولن يصل الى نتيجة مراهناً دائمًا على رد الفعل المسيحي، كاشفاً عن استطلاعات رأي عبّر فيها 97 في المئة من المسيحيين عن أملهم وفرحهم بهذا الحوار. كان يقول: “إذا لم يعطِ الحوار إلا هذه النتيجة فهذا سبب كافٍ لكي نستمر فيه”.

على مدى ثلاثين عاماً، منذ وصول العماد ميشال عون الى قيادة الجيش في العام 1984 خلفاً للعماد ابراهيم طنوس مرت العلاقات بينه وبين “القوات اللبنانية” بطلعات ونزلات ولكنها منذ العام 1989 دخلت في متاهات الخلافات الدامية التي تركت آثارها السلبية على الوضع المسيحي في لبنان وعلى لبنان النظام والكيان والسيادة والاستقلال.

كان يكفي أن يظهر سمير جعجع وميشال عون معاً حتى تتبدل التوازنات وتتغيّر الصورة في المشهد السياسي. عندما اجتمعا في أيلول 1988 في وزارة الدفاع قبل يومين من انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل انتهى الاجتماع الذي كان يعقد بين الرئيس السوري حافظ الأسد وبين الرئيس الجميل.

في 15 شباط 1989 كان لقاء آخر على خط النار. كاد سمير جعجع يسقط شهيداً عند مستديرة المكلس في طريقه الى قصر بعبدا للقاء العماد عون وإنهاء حوادث 14 شباط، ومع ذلك أصر أن يتم اللقاء.

بين 15 شباط 1989 و2 حزيران 2015 مسافة ستة وعشرين عاماً فاصلة بين لقاءين: لقاء لم يمنع رسم جراح في خارطة التاريخ المسيحي في لبنان، ولقاء يحاول أن يبلسم تلك الجراح ويفتح نافذة نحو المستقبل مع الاستفادة من تجربة الماضي.

على مدى تلك الأعوام عاش المسيحيون في رهبة الخلاف بين “القوات” والعماد ميشال عون. كان الدكتور جعجع لا يزال يمضي آخر أيام الاعتقال في سجن وزارة الدفاع عندما عاد العماد ميشال عون من باريس في 7 أيار 2005. في ذلك السجن فوجئ جعجع بزيارة العماد عون وفوجئ العماد عون بالرجل الذي جاء لزيارته وبالظروف التي يحتجز فيها وبالمكان وبالزجاج العازل. كانت لحظات مؤثرة حكى فيها الرجلان بالماضي واتفقا على تجاوزه نحو مستقبل أفضل متحرر منه. ولكن بعد خروجه من السجن في 26 تموز 2005 ذهب الدكتور جعجع نحو التحالف الطبيعي مع “14 آذار” واتجاه العماد ميشال عون نحو التفاهم مع “حزب الله” في 6 شباط 2006. هذ التفاهم ربما كان هو السبب في بحث العماد عون سبيل العودة الى التفاهم مع “القوات” عندما كان يسأل الدكتور جعجع عن التوقيت الذي سيختاره العماد عون للخروج من عملية الانفتاح على “القوات” كان يجزم بأن الجنرال لن يفعل. “لا خروج من هذا الطريق”. كان شبه متأكد من خياراته.

أكثر من مرة روى جعجع قصة اللقاء المنتظر بينه وبين العماد عون. كان دائماً يركز على أهمية المضي قدماً في هذا الخيار. منذ أعلن العماد عون أنه مع حصر عملية التنافس على منصب رئاسة الجمهورية بينه وبين الدكتور جعجع تلقف جعجع المبادرة ورد عليها بإيجابية.

وعندما بدأ الحوار بين “تيار المستقبل” و”حزب الله” سرت داخل القواعد المسيحية، وكان بعضها من “التيار” وبعضها من “القوات”، أن هذا الحوار سيمهد لصفقة جديدة على حساب المسيحيين، ولكن هذه لم تكن رواية رؤية الدكتور سمير جعجع. كان يعرف خلفيات هذا الحوار وأسبابه وأبعاده والنقاط التي سيبحث فيها والأمور التي يمكن أن يحققها. لذلك لم يراهن على حوار مع “التيار” مقابل لحوار “المستقبل” و”حزب الله” أو ردًا عليه. هذا شيء وذاك شيء آخر. كان يعتبر دائمًا أن حوار الحزب و”المستقبل” جزء من لعبة أكبر على مستوى المنطقة ليس حلها في يد أي منهما، وأن أقصى ما يمكن أن يفعلاه هو تهدئة الساحة اللبنانية، وأن هذا الأمر فيه مصلحة لكل اللبنانيين. لذلك فصل بين المسألتين. إذا كان لا بد من الحوار مع العماد عون فليكن على قاعدة الاستقلالية بحثاً عن “هدية” يمكن تقديمها للمسيحيين في هذه الظروف الصعبة بغض النظر عن حوار أي طرفين آخرين. سواء استمر حوار “المستقبل” و”حزب الله” أو توقف، فإن الحوار والتواصل بين “التيار” و”القوات” يجب أن يستمر. هذه كانت القاعدة التي بدأ على أساسها الحوار.

عندما تبلغ الدكتور جعجع عبر أحد الوسطاء مع العماد عون رغبة الأخير في فتح حوار بينه وبين “القوات” لم يتردد في الرد بإيجابية على هذا الطرح. بعد أيام كان القرار بإرسال موفد من قبله الى الرابية وبدأ رئيس جهاز الإعلام والتواصل ملحم الرياشي تنفيذ المهمة من خلال التنسيق بينه وبين النائب ابراهيم كنعان أمين سر “تكتل التغيير والإصلاح”.

وبعد لقاءات عدة مع العماد عون بدأ الإعداد لورقة إعلان النوايا. وخلال تحضير النصوص زار كنعان معراب أكثر من مرة وتم الاتفاق على إسقاط الدعاوى القضائية بين الطرفين على رغم أن الورقة ظلت تحكي بالعناوين الكبرى من دون أن تتطرق الى المسائل الخلافية السياسية المطروحة وخصوصًا رئاسة الجمهورية. ظل العماد عون على موقفه وبقي الدكتور جعجع على موقفه وكان الاتفاق: نتفق حيث يمكن أن نتفق وتبقى مواضيع الخلاف تحت سقف الاختلاف السياسي مع الحفاظ على أدبيات التخاطب والتخلي عن السجالات العقيمة.

في لقاء حزبي ضيق قال جعجع إنه قد يكون حالماً ورومانسياً في مقاربة موضوع التفاهم مع العماد ميشال عون. ولكن لو لم يحقق هذا التفاهم إلا ما حققه على صعيد تنفيس الاحتقان المسيحي وترييح الشارع فهذا يكفي لنستمر فيه. إذا كان الحوار في بدايته خلق كل هذه الأجواء، فماذا يمكن أن يحصل إذا توصلنا الى تفاهمات أكبر.

على رغم أن سقف الحوار كان محدوداً وعاماً فقد بدأ البعض يبني عليه. هناك من اعتبر أن تحالف عون ـ جعجع في أي انتخابات نيابية كفيل بأن يحقق نتائج مشروع قانون اللقاء الأرثوذكسي من دون إقراره، وهذا ما يريده المسيحيون. البعض عن سوء نية رأى أن هذا التفاهم يأتي في لحظة إقليمية حرجة يعاد فيها رسم خارطة المنطقة وأنه قد يكون تمهيدًا للعودة الى مربع الطروحات الفدرالية التي انطلقت مع بداية الحرب ودخلت أدبيات بعض أحزاب الجبهة اللبنانية. هذا البعض عن سوء نية أيضًا اعتبر أن جعجع وعون قد يؤسسان حلفاً مسيحياً يشكل القاعدة الثالثة بين الشيعة والسنّة.

ولكن كل هذه التفسيرات ظلت بعيدة عن الواقع. لم يبتعد جعجع عن حلف “14 آذار” ولم يتخلَّ العماد عون عن تفاهمه مع “حزب الله”. ولكن المسألة ذهبت نحو بعد جديد: عندما يتفق عون وجعجع على مسألة يمكنهما أن يدفعا بها نحو التنفيذ أو يمنعا تنفيذها إذا كانا لا يريدانها. وهذا ما حصل مثلاً في موضوع جلسات التشريع للضرورة من خلال التمسك بطرح مشروعي قانون الانتخابات واستعادة الجنسية حتى من دون اتفاق على مشروع واحد لقانون الانتخابات بل على قاعدة طرح المشاريع الموجودة في مجلس النواب على التصويت.

البعض عن سوء نية أيضاً طرح مسألة أن تفاهم عون ـ جعجع سيلغي الأطراف المسيحية الأخرى. ولكن هذا الأمر لم يكن في حسابات “القوات” والدكتور جعجع الذي ركز دائماً على أن الساحة مفتوحة للجميع وأن علاقات “القوات” مع تيار “المردة” والنائب السابق سليمان فرنجية جيدة إجمالاً وتخطت الماضي، وأن العلاقة مع حزب “الكتائب” لا تخرج عن الاستراتيجيات على رغم الخلافات الكثيرة حول مواضيع يومية، وأن العلاقة مع المستقلين باقية كما هي، وأن بكركي والبطريرك الراعي في أجواء ما يحصل بين “التيار” و”القوات” وأن البطريرك الراعي يبارك هذا الحوار. وبالفعل فقد حرص “القوات” و”التيار” على إبلاغ الراعي بورقة النوايا قبل إعلانها من الرابية.

ماذا بعد الرابية؟

الدكتور جعجع والعماد عون ركزا على أن ما تم التوصل إليه هو هدية للمسيحيين وأنهما سيكملان. لذلك ستكون أبواب معراب مفتوحة أمام الجنرال عون في زيارة قد لا تكون مفاجئة كما زيارة الدكتور جعجع الى الرابية لأن الظروف الأمنية اقتضت هذه المفاجأة.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل