“كنا هناك” – جورج قزي: خضت الحرب منذ بدايتها.. من يندم على مشاركته في الحرب ينكر ذاته

كتبت كريستين صليبي في “المسيرة” – العدد 1439:

المحافظة على لبنان وعلى وجود المسيحيين فيه كانت القضية التي دفعته لحمل السلاح وخوض الحرب اللبنانية. سنوات من النضال لم يستطع نسيانها. لقد حفرت في ذاكرته إلى الأبد ولا شيء يستطيع محوها.

يتحدث جورج قزي، قيادي سابق في “حزب القوات اللبنانية” وإبن منطقة الدامور، عن تجربته في الحرب اللبنانية فيشرح أن عائلته كانت مؤيدة لـ”حزب الأحرار”، “كل من كان في منطقة الشوف كان إما مؤيداً لكميل شمعون وإما لكمال جنبلاط” كما يقول. ويضيف: “ولكن عندما دخلنا في أجواء خلايا الطلاب التي تشكلت داخل المدارس كانت خلية طلاب “الكتائب” هي الأقوى وكان صديقي الشهيد أمين أسود حفيد بيار الجميل (ابن ابنة بيار الجميل الجدّ) وأغلبية رفاقي من مؤيدي “حزب الكتائب” فانضميت إلى هذه الخلية. حملت كل الأحزاب المسيحية آنذاك العقيدة ذاتها ألا وهي الدفاع عن لبنان والمحافظة على المسيحيين. كان يوجد الكثير من الطلاب القوميين في مدرستي وكانوا يتمتعون بخلية قوية جدّا. كما أنني اخترت الانضمام إلى صفوف “حزب الكتائب” على أساس القيام بنشاطات ضد خلية القوميين في المدرسة، واندلعت الحرب العام 1975 وبدأت معها التدريبات”.

يتابع قزي: “بدأنا نتدرّب داخل الأحزاب على أساس وجود هجمة فلسطينية وتأكدنا أن الفلسطينيين يريدون احتلال لبنان وقد بدأوا يتمددون داخل وطننا وبدأت الدولة تتراجع شيئاً فشيئاً”.

ويعود قزي في الذاكرة الى بداية الحرب، ويقول: “كان منزلي يقع في منطقة السوديكو وقد بدأنا في الحي الذي كنت أعيش فيه نقف على خطوط التماس لمنع الفلسطينيين من دخول حيّنا وممارسة الاعتداءات. لم نكن نمتلك أسلحة وذخائر وعتادًا. كان كل شخص يأتي بسلاحه الفردي أي ما هو متوفر في المنازل. هكذا بدأت الحرب في كل شارع ومنطقة في لبنان، فكانت كل مجموعة تحمي منطقتها الخاصة”.

ويضيف قزي: “تدريب الشباب على الحرب واستعمال السلاح بدأ يقوى شيئاً فشيئاً. تأسست سرية الطلاب ومن ثم فرقة الـ “ب.ج” التي انضممت إليها، من بعدها انتقلت إلى المغاوير ثم استلمت سلاح المشاة في “القوات اللبنانية” بقيادة الشيخ بشير الجميل في ذلك الوقت”.

يصمت قليلاً لاسترجاع شريط تلك الأيام ويتابع: “خضت الحرب وعايشتها منذ بداياتها، كنت وقتها أبلغ من العمر 18 عامًا، امتدت هذه الحرب حتى العام 1976 تاريخ دخول السوريين إلى لبنان. في هذه السنة دخلت جامعة الحكمة ودرست الحقوق لمدّة سنتين، لكن اندلاع حرب الـ 100 يوم في العام 1978 التي خضناها ضد السوريين في الأشرفية حال دون إنهاء تحصيلي الجامعي”.

يؤكد قزي أن “كل المقاتلين كانت لديهم القضية ذاتها وهي المحافظة على لبنان في المرحلة الأولى لكي لا يكون الوطن البديل للفلسطينيين. وفي المرحلة الثانية عندما بدأ الاحتلال السوري دافعنا عن وطننا لكي نحافظ عليه”.

عما إذا كان نادماً على انغماسه في الحرب يؤكد قزي: “لم ولن أندم يوماً على خوضي الحرب. بعض المحاربين القدامى يستفيض في الحديث أمام وسائل الإعلام المتلفزة ليؤكد أنه ندم على خوضه الحرب وهذا مؤسف حقاً. كل من يندم على خوضه الحرب ينكر ذاته وماضيه ولا يستحق أن يدّعي شرف المقاومة. أندم على شيء واحد لم نستطع القيام به وهو كتابة تاريخ الحرب وما حصل فيها حقيقة وذلك بهدف نقل واقع الحرب الى جيل الشباب”.

ويجزم جورج أنه في حال وقعت الحرب اليوم وفي نفس الظروف التي حصلت فيها العام 1975 سيشارك من جديد ومن دون تردّد وبقناعة أكثر من قبل لأن “أكثر ما يدفعني لمحاربة الآخر هو الدفاع عن كياننا ووجودنا على هذه الأرض. وإن لم أستطع حمل السلاح والمحاربة سأكون موجوداً في أي موقع يسمح لي بمتابعة النضال”.

ويتابع: “أكثر الأشياء المؤلمة التي حصلت معي خلال الحرب هي استشهاد البعض من أصدقائي، كانوا رفاق النضال على الجبهات خضنا سوياً الحرب، هؤلاء لن أنساهم ما حييت. أذكر منهم: جان حايك الملقّب بأبو نجوى، وإيلي خوري، وأمين أسود ومانو الجميّل وكيروز بركات وكثر رحمهم الله”.

يتذكر قزي إحدى القصص المضحكة التي حصلت معه خلال حرب زحلة حيث “احتدّت المعارك ضدّ السوريين على إحدى الجبهات وكان شبابنا قد أصبحوا قريبين جدّا منهم من حيث المسافة، وفي آخر أيام المعركة لم يعد لدينا ذخائر ولا قذائف ولا حتى رصاص لإطلاق النار عليهم. كنت آنذاك مسؤولاً عن هذه الجبهة، أذكر أن رفيقي الشهيد مانو الجميل كان حصل على بعض المفرقعات، وهي عبارة عن أسهم نارية، أخذ رزمة منها وبدأ يطلقها في اتجاه السوريين. لم يُقتل أحد طبعا، ولكننا نوعا ما أخفناهم وأضفينا جوّا من المرح بين المقاتلين ما رفع قليلاً من معنوياتهم”.

بالنسبة الى جورج قزي “ليس فقط من يحمل السلاح هو من يحارب. كل شخص مهما كان منصبه وموقعه يُعتبر محاربًا، حتى الذي “يلفّ السندويشات” أو الأشخاص الموجودين داخل الملاجئ جميعهم يحاربون وكل على طريقته وضمن إمكانياته. لو ترك أهلي وأصدقائي البلد وذهبوا من أجل من كنت سأحارب؟ لأي قضية كنت سأحارب؟ عن وجود وكيان من كنت سأدافع؟ إذاً وجود هؤلاء الأشخاص يدفع المقاتلين لخوض الحرب ويعطيهم المعنويات لإكمالها حتى النهاية وإلا لما كانت حربنا تعني شيئا”.

يختم قزي مؤكداً أنه “منذ انتهاء الحرب حتى اليوم نحاول إنشاء مؤسسة تساعد المقاتلين السابقين لأن أكثرية هؤلاء تستحق الاحترام والوفاء. فهؤلاء ضحوا بكل الإمكانات التي كانت لديهم من دون أن يخافوا ومن دون أن يسألوا عن أي شيء في المقابل ولا يجوز أن يتم إهمالهم ونسيانهم حتى ولو كانوا هم لا يطلبون المساعدة. هذا الموضوع يشغل بالي دائما، هؤلاء المقاتلين الشرفاء يجب تكريمهم ومد يد المساعدة لهم ليس من باب المنَّة أو الاستعطاف إنما كحق طبيعي. “القوات اللبنانية” اليوم هي استمرارية لنضال طويل ومحق ويجب أن تجد إطارا لدعم هؤلاء الشباب وحلّ مشاكلهم من خلال مؤسسة تعنى بهم”.

 * لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل