
«يوم الحسم»، بكلمتين يَختصر مرشّحو الاجتماع والاقتصاد والآداب والإنسانيات يومَهم الأوّل مِن الامتحانات الرسمية. كِلا الفرعين له معادلتُه الخاصة: «إذا مِنبَكّل الاقتصاد، منِضمَن نجاحنا»، «وإذا منِنجَح بالفلسفة مِنكفّي مرتاحين». أمّا مسابقة التاريخ، فمعادلتُها مشترَكة، والأكثر رَواجاً، «إذا ما قدِرنا «نرَشِّت»، مِنقَدّمها بَيضا».
حتى اللحظة الأخيرة كان العدد الأكبر من أصحاب الطلبات الحرّة في الثانوية العامّة يُراهن على غياب الأجواء الجدّية عن الامتحانات الرسمية، و«كأنّ الطاسة ضايعة»، متأمّلين خيراً بتكرار تجربة الإفادات. إلّا أنّ آمالَهم سرعان ما تبخّرَت، وفضّلوا الانسحابَ منذ اللحظة الأولى، فعلى حدّ تعبير غدي (22 عاماً): «جينا نجرّب حظّنا، اللي نَجَحوا مِش أحسن».
وخلال جولتنا على بعض المراكز، أجمع الأساتذة المراقبون على الضغط النفسي الذي توَلّده مراقبة امتحانات مسابقة التاريخ، «جيل اليوم لا يحبّ أن يفهمَ، يَهرب من الرياضيات، وفي الوقت عينه، يَعجز عن الحفظ، لا تتّسع ذاكرته إلّا للأغاني»، تقول المرَبّية نغم، قبل أن يقاطعَها زميلُها: «حبّذا لو يُعاد النظر في جدوى مسابقة التاريخ، على نحو نُخَفّف من المواد على الطلّاب، وفي الوقت عينه نحدّ مِن مساعي الغش والتزوير، فمَن يراقب التاريخ كالحَكم على حَلبة المصارعة».
في مقابل الكباش الذي وَلّدَته مسابقة التاريخ، بدَت الأجواء أكثرَ هدوءاً مع توزيع المسابقة الثانية، خصوصاً أنّ الوقتَ المحدّد لها 3 ساعات. «مِش مَزحة»، تقول رشا لـ«الجمهورية»، موضِحةً: «صحيح أنّ مسابقة التاريخ استخفّينا بها، نظراً إلى أنّ الأحداث الماضية لا تحاكينا ولا تستدعي منّا بذلَ مجهود، أمّا الفلسفة فمصيرُنا مرتبط بها من حيث نسبة العلامات».
سنّ الفيل
هادئةً بدَت أجواء انطلاق الامتحانات في ثانوية سن الفيل الرسمية الأولى، حيث التقينا رئيسَ المركز حسين جابر، الذي أكّد لنا حِرصَه على تفتيش الطلّاب ومنعِهم مِن إدخال الهواتف أو الكتُب. «نبّشنا قدر المستطاع، يمكن أن يكون مع البعض راشيتات، ولا نَعلم، لكن من جهتِنا بَذلنا ما في وسعنا». وأضاف: «يضمّ المركز 213 مرشّحاً في الآداب والإنسانيات موزّعين على 13 غرفة.
المشكلة الوحيدة التي عانَينا منها تَعَذُّرُ وصول بعض الطلّاب من الضاحية إلى المركز، إلّا أنّنا تَمكنّا مِن التزام الوقت المحَدّد وتوزيع المسابقات في أوانها، مِن دون تسجيل أيّ غياب يُذكَر».
في هذا الإطار، يُبدي جابر استياءَه مِن حجم الطلبات الحرّة، قائلاً: «لدَينا نحو 45 طلباً حرّاً، المؤسِف أنّ هؤلاء المرشّحين يتقدّمون بذِهنية فوضوية، يَصعب عليهم الانضباط، لا شكّ في أنّ البعض يستحقّ التقدّم بطلبِ حرّ، لكنّ البعض الآخر مشاركتُهم كالبِدعة، يوَتّرون الأجواءَ ويُلهون زملاءَهم».
بين المرَحِّب والشاجب، تفاوَتَت رؤية المرشّحين لمسابقة الفلسفة، فعلى حدّ تعبير الطالبة سارة: «الأجوبة تحمل احتمالات كثيرة، وما مِن جواب واحد في الفلسفة، لذا يَبقى الرهان الأكبر على أن يُعجَبَ المصحّح بأسلوبنا وتسَلسُلِ أفكارنا». أمَا بَتول فتَعتبر استعانتَها بأسماء فلاسفة كبار مع استشهادات منهم، «كفيلة بأن تضمن لها المعدّل»، أمّا الباقي، فتَضحك مردّدةً: «ع ألله».
مون لاسال
وسط مراقبة جدّية على نحو يُتيح للمرشّحين التركيز، انطلقَت الامتحانات في مدرسة الـ«مون لاسال». في هذا الإطار، يُعرب رئيس المركز أنطوان سعاده عن اطمئنانه لسَير الامتحانات، قائلاً: «على رغم أنّ مواقع الغرَف في هذا المركز متباعدة، إلّا أنّ الأجواء منضبطة. يتسَلّم المرشّحون مسابقاتهم في الوقت المحدّد، تسير الأمور على خير ما يرام، وقد بَلغَ عدد المرشّحين 377، بينهم 35 طلباً حرّاً، وقد لاحظتُ انسحابَ البعض منهم».
حتى اللحظة الأخيرة قبل تسَلّمِهم مسابقةَ الاقتصاد بقيَت أنفاسُ المرشّحين مقطوعة، وأَسهُمُ ترجيحاتهم مرتفعة، منهم مَن يَستعرض الدورات الأخيرة في الشامل، وآخر يَستنجد بنماذج امتحانات مدرستِه، إلى أن قُرع جرسُ انتهاء الاستراحة وتوَجَّه كلٌّ إلى قاعته. بِلمحِ البَرق عاد الصمتُ سيّدَ الموقف والنظراتُ المتبادَلة تُظهِر كم أنّ الطلاب في حيرةٍ من أمرهم يَتهامَسون: «شو صعبة؟ بتقطع؟…».
3 ساعات، «كِبّ الإبرة بتِسمَع رَنّتا»، أبى العدد الأكبر من الطلّاب تسليمَ مسابقاتهم قبل الوقت، فيقول الطالب رامي: «كلّ دقيقة مهمّة في هذه المسابقة، ولا خيارَ أمامنا إلّا كسبُ ما أمكنَنا من النقاط، لضمان استكمال بقيّة المسابقات مطمَئنّي البال». تُقاطِعُه زميلتُه رنا: «كان من الممكن أن تأتي أقصَر، ولكن نشكُرألله معظم الأسئلة déjà vu».
من سجن النساء
وكان قد خَصّصَ وزيرُ التربية والتعليم العالي الياس بو صعب في جولتَه على الامتحانات الرسمية المراكزَ الاستثنائية، وبدأها في سجن النساء في بعبدا يرافقُه المدير العام للتربية فادي يرَق، حيث تفَقّدَ الطالبةَ السجينة (ه.ن.أ) التي تَتقدّم من امتحانات علوم الحياة. يُذكَر أنّها المرّة الأولى في تاريخ لبنان التي تُجرى خلالها امتحانات رسمية داخل سجن.
وتحدّثَ إليها عن أوضاعها وعن عزمِها على متابعة التحصيل العلمي وخروجِها القريب لتتابعَ درسَ الهندسة كما تخَطّط. وأملَ بو صعب «أن نصلَ في الدولة إلى تعميم السجون التي تَحترم الإنسان وتَتضمّن قاعات للتدريس، وقد تواصَلتُ مع وزير الداخلية الذي يَعمل جاهداً على بناء سجون لائقة وحديثة يكون فيها مكان للعِلم».
ثمّ انتقل الوزير والوفد المرافق إلى مركز الامتحانات المخصّص لذَوي الاحتياجات الخاصة والصعوبات التعليمية في ثانوية عبد الله العلايلي في المزرعة، حيث استقبَله رئيس منطقة بيروت التربوية محمد الجَمل، وجالَ على المرشحين الذين يعانون تعَثّراً في الكتابة أو البِطء في الحرَكة أو الإعاقة في اليدَين، كما زار غرفةَ المكفوفين وضعاف البَصر الذين يَعملون على مسابقات مطبوعة بالحرف النافر (برايل) ويَكتبون الإجابة بواسطة الكمبيوتر الناطق المخصّص لهذه الحالات.
في هذا الإطار، قال بو صعب: «لاحظتُ التفاني في المتابعة، ممّا يجعل مِن المركز قدوةً، ويَمنح الأملَ لذوي الاحتياجات الخاصة والصعوبات التعَلّمية التي بَلغَ عددُها 35 حالة». وأنهى بو صعب جولتَه في مركز سرَطان الأطفال «سانت جود» في الجامعة الأميركية في بيروت، وهو يضمّ نحو 13 مرشّحاً.
أمّا بالنسبة إلى مسار الامتحانات، فتوَقّعَ بوصعب «نسبة نجاح على غرار الأعوام السابقة وربّما أفضل، وقد سَجّلنا حتى اليوم نحو 7 في المئة مِن التغَيُّب على مستوى لبنان، فيما كانت النسبة الأعلى في بيروت وهي 25 في المئة، بسبَب كثافة المتقدّمين من البكالوريا الفرنسية».