
لصوتها مكان دافئ في القلب ولصورتها زاوية في الذاكرة. وعندما يتردّد إسم ديامان رحمة نذكر لائحة القواتيين الذين طردوا من الـlbc المحطة التي أسستها “القوات” لأنهم “قوات”، وتبقى بعيدة من الذاكرة نضالات أبعد في الزمان والمكان حيث كانت شاهدة على عصر المحاكمات الأغرب في تاريخ لبنان يوم كان الوطنيون في السجون والعملاء يديرون السجن الكبير بلا حياء. في “فلاش باك” سريع إستعادت ديامان صورًا وأحداثاً تروي فيها ما لم يقله المراسلون ولا سمع به اللبنانيون يومها لأن الحق والحقيقة والعدل والشرف… كانوا خلف القضبان. عن تغطيتها عشرات جلسات المحاكمات وما سجلته عين الصحافية والقواتية في ذاك الزمان هذه الدردشات.
خرج نضالها الى الهواء من إذاعة “لبنان الحرّ”، وعندما تكلِّمها عن النضال والمقاومة تخجل لأنها تعتبر أن ما فعلته ليس كافياً مع انه على قدر إمكاناتها. تقول: “هناك أناس يستحقون أكثر مني بكثير أن يقال إنهم ناضلوا، هناك من هم مغمورون ومن لو فتشتم لن تجدوا أسماءهم. قد يكون شابًا يعمل في موقف للسيارات بعد أن فقد وظيفته لأنه قواتي و”أكل قتل حتى شبع” لكن لن تجدوا إسمه ولا أحد سيعرفه. هناك شباب جرحت كرامتهم بوجودهم كانوا يعتبرون حالهم قد الدني صاروا يختبئون من بيت الى بيت، هناك كثر لن نتمكن من الوصول إليهم. وحتى في موضوع التعذيب في وزارة الدفاع هناك أسماء برزت وأخرى لم يعرف بها أحد، حتى الزوجات والأولاد ناضلوا، الكهنة ناضلوا وتعذبوا واضطهدوا في رهبناتهم. ربما أنا إنتبه إلي الناس لأنني في حقل الإعلام لكن هناك نضال أكبر وأعمق. حتى أنني يجب أن أعتذر من كل شاب لم نعرف قيمة تضحياته خصوصًا الشباب الذين كانوا قد الدني ووعيوا لقيوا حالن بالأرض منهانين وقائدهم موقوف ومنهان… لم يكن الامر سهلا أبدًا”!

تتابع ديامان: “لم أعرف أنني أناضل وقتها، فهذه بيئتي، أولًا بيئتي الأساسية أي بشري وأهلي وأصدقائي ومع مجموعة يسوع الملك، ثانيًا في إذاعة “لبنان الحرّ” كما كنت في أول الطريق في LBC التي بدأت العمل فيها في العام 1997. كنت أغطي محاكمات الحكيم والكل يعرف أين كان الإعلام في تلك الفترة، لم يكن أحد يملك الجرأة أن يلفظ إسم سمير جعجع. الى هذا الحد حُجزت حرياتنا. إنتدبت من الإذاعة لتغطية المحاكمات في الوقت الذي لم يكن هناك إتصال مباشر وعلني بالحكيم إلا عبر المحاكمات، وذلك بالنسبة للرأي العام عمومًا والقواتي خصوصًا الذي كان لديه ارتباط عاطفي كبير بقائده المعتقل. رأيت ذلك خلال الجلسات التي كانت تصل أحيانًا الى ثلاث جلسات في الأسبوع وكانت تبدأ من الثانية أو الرابعة من بعد الظهر وتستمر مرات حتى بعد منتصف الليل. في البداية كانت القاعة تزدحم بالحضور الإعلامي الكبير، غالبيتهم من المتفرجين غير المعنيين. بعد ذلك خفّ حضورهم تدريجيًا وبات المنتدبون في قصر العدل وحدهم ينقلون رسائلهم بأسلوب قضائي تقليدي. بقيت أنا عن “لبنان الحر” ونجم الهاشم عن “المسيرة”. وقتها وحدهما إذاعة “لبنان الحرّ” ومجلة “المسيرة” كانتا تحملان إعلاميًا قضية سمير جعجع. كان الوقت ضاغطًا حقيقة ولا يحتمل أحياناً. كانت إرادة الحكيم أن يعود أفراد عائلته الى البيت لأنه كان يفضل ألا يبقوا ويتأثروا أكثر، كنا نبقى نحن والمحامون”.

عن الرقابة والقمع والتهويل على الإعلاميين تتذكر وتقول: “كنت أعود الى الإذاعة مهما طال الوقت لأحضّر رسالتي ولا أعرف في الحقيقة لماذا كان هذا الهامش متروكًا لننقل الرسالة كما هي بين 20 و30 دقيقة، وأعرف جيدا أن جميل السيد كان يتصل بشوقي أبو سليمان (مدير عام الإذاعة آنذاك) للتنسيق معه. لكن لماذا تركوا هذا الهامش لا أعرف لأن ما من أحد كان يجرؤ على الحكي. وما أذكره أن كل الصحف ووسائل الإعلام كانت تنتظر هذه الرسالة ويقولون “هلأ ديامان بتعمل تقريرها”، وكانوا يأخذون كل ما يريدون من الرسالة ويختصرون خبرهم.
وللتاريخ أيضاً أن إدارة LBC كانت تسمح لي بالتغيب عن العمل أيام المحاكمات وهذا كان شرطي معهم يوم توظفت، قلت لهم أنني مرتبطة بالمحاكمات فإذا كانت وظيفتي ستحرمني من هذا الالتزام أفضل ألا أبدأ فقالوا ان ما من مشكلة”.

في المحكمة كتبت مشاهداتها وكل ما كان يدور في القاعة غير الشق القضائي. تضيف: “كنت أرصد كل حركة من الحكيم، كل ردة فعل، كيف كان ينظر الى الحاضرين في القاعة من بين فراغات بارودة العسكري، وكيف كان هذا الرجل لكثرة إحترامه لنفسه لا يترك المجال لسجانيه أن يوقفوه أو يهينوه في القاعة. كان يعرف متى يجب أن ينهض قبل أن يتحرك العسكري كي لا يُحرَج ولا تنجرِح مشاعرنا. كان يجب على العسكري أن يضع يده على كتفه ليأمره بالوقوف، أما هو فكان يبادر كما النسيم ويقف وينطلق الى دقائق الاستراحة أو لمغادرة المحكمة. لم يمنحهم الفرصة حتى لإهانته أمامنا.
كان حاضراً ذهنياً طيلة الوقت، يحمل همّ الشباب يراقبهم وهم خلفه، جريس الخوري أو رفيق سعادة أو كميل كرم….لا أنسى كيف كان ينظر الى الشهود، ولا كيف دخل إيلي حبيقة ليدلي بشهادته في قضية إغتيال داني شمعون وأدى له التحية عندما مرّ من أمامه. فابتسم له الحكيم.
أيضًا أسمع الرئيس فيليب خيرالله يقول لكريم بقرادوني “كان سمير جعجع يخوّف”، فردّ بقرادوني “وبعدو بيخوّف”!!
“هذه هي الأمور التي حفظتها من المحاكمات، أيضًا يعود أمام عيني الناس الذين كانوا يداومون في الجلسات أمثال استاذ فايز كيروز رحمه الله ويوسف العبد جعجع رحمة الله عليه أيضًا وأبو مالك طوق ومطانيوس لبّس الفخري، ومن حصرون كان هناك شادية وسركيس لا أعرف إسم عائلتيهما وثريا دلّلا جعجع.
ابو مالك طوق كان يأتي بالشروال. في الجلسة الأولى سألته مراسلة AFP الآتية من قبرص لتغطية الحدث “إنت ليش جايي؟”، فرد عليها “أنا جايي عن شخص ما بيقدر يحضر. سألته مجددًا “ليش ما بيقدر يجي؟” فأجابها “لأنو إبني وشهيد”!!
أذكر مرة أن الاستاذ فايز كيروز وفيما كان المحامي في قضية إغتيال الرئيس رشيد كرامي بسام عشير الداية يقول في مرافعته “هذا المجرم هذا الدموي”، وقف الأستاذ بسرعة لم يقدرواعلى اللحاق به حتى وصرخ بالقاضي قائلاً “خليه يعتذر، نحنا ما منقبل يقول سمير جعجع مجرم سمير جعجع دموي..” إنفعل كثيرًا وطلب القاضي إخراجه من القاعة، لم يعاملوه بعنف لكنهم أخرجوه بالقوة. أما ابو مالك فكانت جلسات المحاكمة تسير وهو يصلي المسبحة، لم يكن يعرف ماذا يدور حوله والشيخ فريد حبيب عادة الى جانبه أو جوزف فضول، وعندما يشعر أن جلبة ما حدثت في القاعة يقترب ويسأل الشيخ “منيحة لِنا هي؟ منيحة؟” المهم أنه كان حاضرًا ويصلي ولم يكن يهمه أن يلمّ لا بالقوانين ولا بالسياسة.

طانيوس لبّس فخري كان يأتي ومعه محفظة كبيرة فيها شوكولا وبسكويت وجزر مقشّر ملفوف بأكياس من النيلون يوزعها علينا في أوقات الاستراحة لأنه لم يكن مسموحًا أن نعود الى القاعة لو خرجنا منها.
ثريا دللا أيضًا كانت تملأ حقيبتها بالأكل توزعه علينا. يوسف العبد كان شديد المرض ويضطر للخروج مرات عدة من القاعة وكان ذلك يحدث همدرة وتململا من البعض”.
تبحث في الذاكرة عن أسماء الكل لتشدّد، “هؤلاء ناضلوا أيضًا. ومثلهم الشباب الذين كان بعضهم كلما أتى الى الجلسة يأكل كم كف قبل أن يدخل الى القاعة. أكثر من مرّة حصلت مواجهة أمام قصر العدل. في الجلسة الأولى تظاهر الشباب لأن الأجهزة الأمنية لم تسمح لهم بالوصول الى قصر العدل وأبعدتهم حتى ساعة العبد، أحد المسنين من بين الجموع وقف يهدّئ الضابط ويتعهّد أن يَضبُط الشباب. قال له “ما يهمّك سيدنا انا بتولى أمرن، خلص، ما بدك ياهن يفلوا؟”، رد الضابط “إيه شو بدك ياني أعمل؟ فقال له المسنّ وبجدية واثقة، “فزّ جبلي أمر من سمير جعجع وشوف كيف بيفلوا كلن سوا”!!
تضحك، ونضحك على أحداث بسيطة لكن دلالاتها عميقة عميقة. يعود مشهد الطائر المذبوح من الألم يومذاك. تكمل ديامان “قد لا يفهم الواحد منا في القانون، لكن لدى متابعة المحاكمات بامكانه أن يعرف حقيقة كيف يتم التزوير، وليس لأنك مع سمير جعجع لسبب عاطفي بل لأن الأمور كانت واضحة تفتقر بشكل سافر لأدنى مستويات الموضوعية والعدالة.
متابعة سير الجلسات كانت لا بد أن تزيدنا إعجابًا وتقديرًا لذاكرة سمير جعجع، لا يمكن لأحد أن يتصور كيف كان يرافع عن نفسه على مدى ساعتين أو ثلاث ساعات من دون أن يخطئ بتاريخ حتى، المشكلة أن ما من أحد كان قادرًاعلى نقل الواقع أو لا أحد أراد ذلك، كان يوثّق دفاعه بالتواريخ حتى، فيقول مثلًا: “في جريدة السفير بتاريخ كذا حصل كذا……” يدعم فكرته بالأدلة الموثقّة ثم يقفل المزدوجين ويكمل مرافعته أمام القضاة!

كنا مرة في فترة الاستراحة لنصف ساعة نزلت من الطابق الرابع حيث صالة المحاكمات الى الطابق الأول حيث قاعة الصحافة في قصر العدل لأحضّر رسالتي، لدى عودتي، وعلى الدرج، لأن إستعمال المصعد كان ممنوعًا علينا، التقيت بالحكيم في الردهة معه ضابط وعسكري، إبتسم لي الضابط لأنه لاحظ صدمتي فصرخت “حكيم تقبرني”، عبس بوجهي الحكيم بطريقة “إنو شدي حالك”. هذه الواقعة عشت عليها نحو السنة تقريبًا أي كلمة “تقبرني”. الى هذا الحد كان قربنا منه أوكسجيناً لنا قبل أن يكون متنفسًا له”.
كان تعلقًا عاطفيًا أكثر مما هو سياسي إيديولوجي بزعيم حزب أو فريق سياسي. ترفض ديامان أن تختصر العلاقة بالحكيم بهذا الشكل. تقول “قد يكون ذلك صحيحًا مئة في المئة في جزء من المسألة مع أنني على المستوى الشخصي كنت دائمًا أسأل نفسي، لو لم أكن من بشري هل كنت مع سمير جعجع؟ كان أسهل لي ان أكون “قوات” ربما لأنني من بشري، لكن أعود لأقول لنفسي، طيّب هناك من عملوا في السياسة في بشري وهم من عائلتي وأقرب إلي من سمير جعجع لماذا لم أخترهم؟ هذه إجابة على من يقولون أنتم في بشري ما إلكن فضل تحبوا سمير جعجع. لا ليس بالضرورة، قد تبدأ الأمور عاطفية لكنها سرعان ما تتحول الى عقلانية لقناعات تترسخ فينا لا سيما أنني أمتلك عقلًا نقديًا ولا يمكن أن أنجرّ فقط خلف عاطفتي. مثل كثر من القواتيين لا نعتبر أن سمير جعجع إله لا يخطئ في القيادة والقرارات، فلدي رأيي وأعرف كيف أعبّر عنه”.

ولا تنسى ديامان أن تتذكر حال الصحافيين الزملاء وقتها تقول: “كنت أزعل من بعض الصحافيين المعتمدين اللي بيقعدوا على القوس. أجرؤ على أن أعاتبهم بعد كل هذه السنوات كيف سمح لهم ضميرهم أن يكتبوا زورًا، البعض منهم بدّلوا قناعاتهم ومنهم من كان يكتب بموضوعية مثل سكارلت حداد، بينما بعض الآخرين كانوا أبواقاً. كانوا يكتبون بحقد أو كانوا أدوات لصحافة حقودة.
في جلسة المحاكمة الأولى فتحوا صالتين، صالة المجلس العدلي وصالة الى جانبها، وعندما دخل الحكيم القاعة سأله القاضي عن أسمه ردّ: “سمير فريد جعجع”، فاشتعلت القاعة بالتصفيق، أنا وقفت على الطاولة لأراه، كان بقربي الصحافي باسم الحاج. كان يصفق بوجهه الأحمر المعبوق. ما من أحد كان يمكن أن يضبط عاطفته لمصلحة مهنيته”.
لم تغب عن أي جلسة طيلة سنوات المحاكمات المضنية، وعن جلسة البراءة في تهمة إنفجار كنيسة سيدة النجاة تقول: “شباب من بشري أعطوني يومها سيلولير وأذكر أن الزميل طوني خليفة كان يومها مراسل LBC، ولم يكن في لبنان الكثير من السيلوليرات. تركوه معي لأخبرهم فورًا ما الذي سيحدث في الجلسة. يا عدرا بيوقف قلبي بس فكر. لمن طلع قرار البراءة ما عشت لحظات الصالة لأنني كنت أركض الى الخارج لأتصل وأعلمهم بنتيجة الحكم. الكل يتذكر أنني كنت أبكي مع إذاعتي للخبر لكنني لا أذكر أنني بكيت لأنني كنت سعيدة”.

عمر مرّ، تستعيد منه ديامان مشاهد من مسلسل طويل مرهق مؤلم ولا تنسى فريق مصلحة الطلاب من رفاقها. تقول: “كنا مكودرين في مجموعة ونتخذ مبادرات ونطبع مناشير. نتمشى في أسواق جونية وجبيل والمنطقة ونرميها، أذكر أننا كتبنا في أحد المناشير: نيرون القديم أحرق روما وإتهم المسيحيين، نيرون الجديد فجّر الكنيسة ويحاكم المسيحيين، بشروا الجديد بمصير سلفه”.
في يسوع الملك لا سيما في الأعوام الأولى كان الخطر حقيقيًا وكنا نحن هذه المجموعة نقصد بيت الحكيم في يسوع الملك يوميًا، لم يكن ذلك نضالًا لكننا كنا نقول في ذلك أن البيت وأهله ليسوا متروكين”.
ولبشري ودور أهلها الأبطال مكان عميق في ذاكرة ديامان. تقول: “بشري كانت محبوسة مع سمير جعجع في سجن كبير وعلى كل المستويات. ما كانت فرقانة معن شعب بكاملو كان مرهون مصيرو بشخص، أعراسهم كانت ناقصة، فرحهم ناقص، عيد الميلاد والكنيسة ناقصة… ما من مناسبة إلا وكان ذكر سمير جعجع حاضرًا، بتطواف العدرا بأيار، في قداس عيد الميلاد تقرأ النوايا التي تطلب إنهاء شدته مهما كلف الأمر والبهدلة التي سيأكلها الشباب. لا أنسى في شهر أيار أي بعد توقيف الحكيم في نيسان حاولت القوى الأمنية أن توقف زياح العذراء مريم ولما وصلوا الى ساحة كنيسة السيدة كانت الدبابات والملالات في انتظارهم. يومها قال الكاهن جوزيف سكر في عظته: رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب وقائد الجيش… هودي كلن موظفين عنا، نحنا مندفعلن معاشاتن تيحمونا، مش حتى يتبهوروا علينا”. الى هذا الحد كانت تصل الجرأة بهم. ولا أنسى أيضًا يوم صدر الحكم ببراءة الحكيم كيف أوقفوا الناس وأوقفوا كاهنًا ورموا الكل في كميونات الجيش فقط لأنهم هيصوا لبراءة الحكيم في شوارع بشري”.
ومن منا ينسى ما حصل لدى التجمع أمام صرح بكركي بعد الإعتقال وبطولة ميلاد طوق وكلوفيس شويفاتي؟ كلوفيس فتح قميصه على صدره ووقف أمام مدفع الدبابة متحديًا، وميلاد إنبطح أرضًا أمام الملالة. تجمع القواتيين وضغطهم الذي فتح بوابة بكركي كان بالنسبة لي بمثابة إسقاط حائط برلين”.

تتزاحم الذكريات في رأس ديامان وكانت في معظمها شاهدة على نضالات أبطال آمنوا بالقضية وبقائدها، ومن دون أن تدري كتبت مع هؤلاء سطور عزّ للتاريخ، لمستقبل لبنان.