#adsense

“حزب الله”: زمن الخوف

حجم الخط

في حزيران 1982 بدأت مسيرة “حزب الله” الفعلية في لبنان. في حزيران 2015، بعد 33 عامًا، بدأ الحزب يعيد حساباته. رسم لنفسه أدوارًا كبيرة وانخرط في معارك مصيرية وعاد إلى نقطة البداية بحثاً عن بداية جديدة. كانت انطلاقة الحزب سرية وبأسماء مختلفة. نادرًا ما كان يخرج إلى العلن. لا أسماء. لا صور. لا علاقات رسمية. كان الحزب يعمل في الخفاء. بنية كاملة متكاملة تحت الأرض. اليوم تتبدل الصورة. مسلحو الحزب في جبال القلمون يتحركون بكامل عتادهم. الإعلام الحربي يواكب الحركة العسكرية. في الثمانينات كان هذا الإعلام يصور عمليات الحزب في الجنوب. اليوم ينهمك في تصوير عملياته في جرود عرسال. بعد 33 عامًا انتهى الحزب إلى جبهة جديدة.

لا تنطلق حسابات الحزب العسكرية اليوم من استطلاع خط الجبهة الهادئة في الجنوب بل من خطوط الجبهات المشتعلة في سوريا. عندما وصلت طلائع الحرس الثوري الإيراني إلى البقاع اللبناني في العام 1982 بعد أيام على بداية الإجتياح الإسرائيلي كان الهدف بدء الإعداد لمواجهة هذا الإحتلال. ولكن الصورة كانت مختلفة. كانت إيران تسعى من خلال ذلك إلى إحلال ما سيسمى لاحقا “حزب الله” أو المقاومة الإسلامية في لبنان محل المقاومة الفلسطينية التي كانت تستعد لمغادرة لبنان حتى قبل أن تنجلي المعركة ويتم حسم المسألة ويوافق ياسر عرفات على الخروج على متن باخرة عبر البحر. منذ ذلك التاريخ بدأ العمل لإحلال البندقية الشيعية محل البندقية السنية التي كان الفلسطينيون جيشها.

قبل العام 1982 لم تكن البندقية الشيعة مقاتلة إلا ضمن حدود معينة. بعد ذلك العام تبدلت المهمة. كانت “حركة أمل” التي أسسها الإمام موسى الصدر هي التي تتولى حمل هذه البندقية. حاولت الجمهورية الإسلامية في إيران أن تضم الحركة إلى صفوفها ولكن الرعاية السورية فضلت أن يكون ذلك من خلالها فأطلقت إيران “حزب الله” بعد أول إنشقاق كبير عن الحركة عبر ما سمي “حركة أمل الإسلامية”.

فيما كانت “حركة أمل” تستنزف في حرب المخيمات كان “حزب الله” يسحب الأرض من تحتها لذلك استطاع خلال العامين 1988 و1989 أن يسيطر بالقوة على الساحة الشيعية ولم يحل دون الإطباق الكامل على مواقع الحركة في الضاحية إلا تدخل غازي كنعان والتسليم السوري لاحقا بدور “حزب الله”.

كان عقل حميه المسؤول العسكري العام في “حركة أمل” وقاد كل معاركها. عندما احتدمت المعركة مع الحزب في برج البراجنة فجّر مقر قيادته وغادر الحرب. منذ ذلك التاريخ لم يغفر له الرئيس نبيه بري. ومنذ ذلك التاريخ أيضًا بقي عقل حميه خارج اللعبة لا يظهر إلا ليتحدث عن تجربته وعن مساوئ الحرب وعن النصائح بعدم العودة إليها. ولكن في حزيران الحالي عاد عقل حميه إلى سلاحه مع الحديث عن إعلان لواء القلعة أو لواء العشائر.

رافق عقل حميه صعود الطائفة الشيعية السياسي والديني من موقعه العسكري. كان إلى جانب الإمام موسى الصدر وعندما عاد الإمام الخميني من باريس إلى طهران كان في عداد الذين رافقوه. عندما يعود عقل حميه إلى حمل بندقيته فهذا يعني أن هناك شيئا غير طبيعي داخل الطائفة الشيعية.

لا يحتاج “حزب الله” إلى عقل حميه مقاتلا. ولكن مجرد إعلان حميه أنهم ينتظرون إشارة السيد حسن نصرالله للمشاركة في الحرب تكفي لإظهار الخوف الذي تعيشه الطائفة. صحيح أن لـ”حزب الله” قوة عسكرية وازنة ولكن هذا الوزن يضيع في لعبة التوازنات وبالتالي يصير من المفيد للحزب إظهار أن الطائفة الشيعية كلها مستنفرة وذاهبة إلى التعبئة العامة من دون أن يدعوها لذلك.

لا ينطلق الحزب في حساباته العسكرية في الحرب السورية من الوضع العسكري على الأرض فقط. ثمة تنسيق كامل مع النظام السوري وبالتالي يدرك الحزب وإيران حجم قوة جيش هذا النظام وطبيعة التحولات داخل الساحة السورية. عندما سقطت تدمر دقت أجراس الإنذار في مقر عمليات “حزب الله” وفي مقرات الحرس الثوري في إيران.

لم يعد سراً أن هناك تحولاَ دراماتيكيًا على الساحة السورية ليس في مصلحة “حزب الله”. سقوط اللواء 52 ليس آخر الهزائم التي يمنى بها جيش النظام السوري. بعد جسر الشغور وبصرى الشام وتدمر بدأت ترتسم خارطة جديدة على الأرض. لا يستطيع النظام أن يستمر في نشر ما تبقى من جيشه في كل المناطق التي ينتشر فيها وبات عليه أن يتراجع نحو المناطق التي يستطيع الدفاع عنها. بعد مقتل نحو ستين ألف عسكري وبعد خروج عدد كبير آخر من المعركة بدأ جيش النظام يتراجع مقابل نمو قوى المعارضة التي تم توحيدها بإشراف غرف عمليات تديرها من الأردن ومن تركيا. لذلك بات شبه معلن تقريباً أن النظام فضل الإنسحاب من تدمر وسينسحب من حلب ومن الجولان والقنيطرة ودرعا وسقوط اللواء 52 مقدمة لسلسلة من الإنهزامات التي سيتكبدها النظام تباعًا ولكن بصورة متدحرجة وخطوة وراء خطوة. هذا الواقع يعكسه الوزير السابق وئام وهاب عندما يتحدث عن ترك محور الممانعة دروز السويداء لمصيرهم وعندما يدعوهم النائب وليد جنبلاط للمصالحة مع جيرانهم.

يدرك “حزب الله” وقيادته في إيران هذا الواقع. هو لا ينتظر الوقائع على الأرض ليبني خطواته اللاحقة. هناك غرف عمليات عسكرية واحدة تربطه مع جيش النظام السوري وهناك قيادة واحدة سياسية. عندما تحركت وحدات الحزب نحو القلمون كان هذا التحرك إيذاناً برسم خط الدفاع عن المناطق الشيعية في البقاع. هذا التحرك لم يكن منفردًا. بينما كان يتم التحضير للإنطلاق في العمليات كان يتم الحديث عن استقدام نحو عشرة آلاف عنصر من الحرس الثوري الإيراني إلى سوريا للدفاع عن النظام وخصوصًا على محاور دمشق وحمص واللاذقية.

كانت معركة القلمون مؤجلة لأن الحزب لم يكن يرى أن الوضع في هذه الجرود يشكل خطرًا عليه وكان يعد مجموعاته العسكرية التي ستتولى تنفيذ المهمة. الصور التي نشرت أظهرت مدى التجهيز اللوجستي التي تزودت به هذه المجموعات: البزات العسكرية. المناظير. الخوذات. الفرش العسكرية. الحرامات. الأحذية. الجعب. السلاح الفردي. على رغم أن مصدر هذه التجهيزات قد يكون من السوق السوداء أو من الصين أو من الجيش العراقي فإن “حزب الله” في كل ذلك بدا كأنه يتلبّس رداء قوات “المارينز” الأميركية ويقلدها. لم تعد تلك الصورة تمثل “العدو”. الراية وحدها تبدو مختلفة.

في قطارات أحادية تقدمت قوات “حزب الله” في القلمون. على مدى الأيام التي خاض فيها عمليات التقدم كان كأنه يملأ الفراغ. تحدث عن احتلال مواقع وتلال ووديان ولكنه لم يتحدث عن مواجهات ومعارك وعن قتلى “جبهة النصرة” ومن معها. على عكس صورة الإنتصارات التي يحاول أن يعممها رفعًا للمعنويات سيرزح الحزب تحت ثقل حماية المناطق التي تقدم إليها لأن أي تقصير أو انسحاب سيعرضه لسلسة من النكسات والهزائم خصوصًا أن الإلتحام مع “داعش” أو “النصرة” لم يحصل بعد. وبالتالي صار عليه لزامًا أن يفرز عددًا كبيرًا من العناصر للإمساك بالمناطق التي تقدم إليها وأن يستقدم قوات إضافية لاستكمال الهجوم وقد يكون مضطرًا لالتقاط أنفاسه العسكرية وهذا ليس في مصلحته لأنه في سباق مع الوقت ولأن أي تأخير في الحسم سينعكس عليه سلبًا خصوصًا إذا حصلت تطورات عسكرية داخل سوريا تصب في دائرة رسم الخطوط الجديدة.

لذلك بعد 33 عامًا على حزيران 1982 يجد الحزب نفسه أمام حرب وجود جديدة أخطر من الحرب التي ذهب إليها في الجنوب. تلك لم تكن حرب وجود بل حرب إثبات وجود. كانت معركة مستمرة لبناء القوة وما يحصل اليوم حرب استهلاك هذه القوة. بدأ الحزب مرحلة صعوده بتفجير مقر المارينز عند تخوم الضاحية الجنوبية وينتهي اليوم إلى تقليد المارينز واستيحاء تجهيزاتهم وتكتيكاتهم العسكرية. بدأ الحزب مسيرته تحت عنوان حماية الطائفة الشيعية وينتهي اليوم إلى تعريض الشيعة في لبنان للخطر الحقيقي. هو يرى ويمارس على أساس أن خطر التكفيريين أكبر من خطر الإسرائيليين. قبل “حزب الله” لم تكن هناك مواجهة مباشرة بين إسرائيل والشيعة. حتى أن الخطر الآتي من الجنوب لم يكن يشكل ولا يشكل اليوم خطرًا وجوديًا على الشيعة. خوف “حزب الله” ليس في القلمون فقط. وليس في اللبوة أو بريتال أو بعلبك أو الهرمل. حتى الضاحية الجنوبية اليوم تعيش هاجس الخوف. المداخل المؤدية إليها وحواجز الجيش و”حزب الله” عليها تشبه إلى حد بعيد بوابات العبور التي كان يقيمها الجيش الإسرائيلي نحو الشريط الحدودي. لم يعد الخطر على الضاحية من السيارات المفخخة والإنتحاريين. صار الخطر شاملاً. كل يوم تقريبًا يتم تشييع عناصر من الحزب. قبل ذلك كانت تحصل مراسم احتفالية. اليوم يكاد التشييع يصير عاديًا. يزحف الخوف مع كل تشييع جديد ويتم التعبير عنه بإطلاق القذائف والرصاص. إنه زمن الخوف الشيعي الذي أخذ “حزب الله” الشيعة إليه. ولا عودة منه إلا بالعودة إلى القرار 1559 وبتسليم السلاح إلى الجيش اللبناني وبالإنسحاب من سوريا وبالخضوع لقرارات المحكمة الدولية في لاهاي وبإعادة الشيعة إلى ظلال عمامة الإمام موسى الصدر وجبته.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل