أكّد سفير المملكة العربية السعودية في لبنان علي عواض عسيري أنّه لا يجوز بقاء لبنان بلا رئيس، وأنّ الشغور الرئاسي قد طال أكثر ممّا يجب. وتمنّى إجماع اللبنانيين على شخص توافقي تَقبله كلّ القوى السياسية يمكنه قيادة هذه المرحلة غير السهلة بعلاقاته مع أبناء وطنه ومع القوى السياسية والعالم، ويستطيع الاستمرار في تحصين لبنان والنهوض به والتأثيرعلى كل القوى السياسية بما فيه مصلحة لبنان. وشدّد عسيري على أنّ لبنان يَحظى بالأولوية في اهتمامات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز الذي عبّر لِرئيس الحكومة تمام سلام خلال زيارته الأخيرة للسعودية عن حِرصه أن يكون هناك رئيس للجمهورية في قصر بعبدا، متمنّياً أن يرى لبنان آمنا مستقرّاً ومزدهراً. وقال عسيري إنّه سيلتقي قريباً المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان سيغريد كاغ التي زارت طهران أخيراً وبَحثت مع المسؤولين الإيرانيين في الأوضاع اللبنانية، وبينها موضوع انتخابات رئاسة الجمهورية، وأشار إلى أنّها ستزور الرياض ولكنّ موعد زيارتها لم يحدَّد بعد. وأيّد الحوارَ الجاري بين تيار “المستقبل” و”حزب الله”، وكذلك الحوار بين “التيار الوطني الحر” وحزب “القوات اللبنانية”. وقال: “نحن ندعم أيّ حوار لبناني- لبناني يقود إلى استقرار الوضع الأمني في لبنان وتحصينه ضد أيّ إفرازات ويَدرأ الفتنة التي لبنانُ والمسلمون عموماً في غنىً عنها. وتمنّى “أن تستمرّ هذه الحوارات سواءٌ المسيحية أو الإسلامية إلى ما فيه مصلحة لبنان”. أجرت “الجمهورية” مع عسيري الحوار الآتي:

كيف تنظرون إلى مستقبل أوضاع لبنان في ضوء الأزمة الحكومية السائدة؟
ـ إنّنا نتابع الأوضاع والتطورات الجارية في لبنان، وهناك تطور سلبي وآخر إيجابي، السَلبي للأسف هو وضع الحكومة وتوَقّفها عن الاجتماع، أمّا الايجابي فهو “إعلان النيّات” بين الأقطاب المسيحية المؤثرة في السياسة اللبنانية وما فتحَه من أمَل عند اللبنانيين عموماً، والمسيحيين خصوصاً، إذ إنّ التوافق بدأ يأخذ منحاه، وإنّه بحَولِ الله سيكون هناك حوار اكثر وأعمق، حوار بنّاء بين هذه الاقطاب، ونأمل في ان يمتد هذا الحوار الى جميع القوى السياسية المتناحرة في البلد، لأنّ لبنان يستحق من أهلِه، وهي مسؤولية عليهم وحق عليهم،
أن يواجهوا التحديات الماثلة بحوار بنّاء وبلحمةٍ وطنية لكي يستمروا في تحصين لبنان، ولكي يستطيعوا تحقيقَ اهداف اللبنانيين، سواءٌ في تنفيذ الخطة الامنية التي تبنّاها وزير الداخلية وأقرّها مجلس الوزراء ورحّبَت بها كلّ القوى السياسية لأننا على ابواب صيف ولبنان محبوب ليس لدى الخليجيين فحسب، بل لدى كثير من البلدان، وأيضاً لدى أبنائه المهاجرين والمغتربين الذين يتمنّون ان يعودوا، ولكنّ الوضع الامني هو هاجس كلّ انسان لديه اطفال، وهاجس كلّ شخص يرغب في المجيء الى لبنان للراحة ولا يريد ان يعيش على أعصابه. فبالتالي ينبغي ان يكون هناك جهد للوزراء المعنيين لتثبيت هذه الخطة الامنية ولتطمين المحبّين للبنان لكي يأتوا إليه.
• هل زارَت المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان سيغريد كاغ المملكة العربية السعودية بَعد زيارتها الأخيرة للجمهورية الإسلامية الإيرانية باحثةً في موضوع انتخابات الرئاسة اللبنانية؟
– لا، لم تزُر السيدة سيغريد كاغ الرياض حتى الآن، وهناك اجتماع قريب بيني وبينها، ونظراً لحلول شهر رمضان أعتقِد أنّها ستزور المملكة ولكنَّ موعد زيارتها لم يحدَّد بعد حتى الآن.
• كيف تنظرون إلى استمرار الشغور الرئاسي في لبنان في ظلّ ما يقال من أنّ معالجةَ هذا الشغور تتوقّف على حصول توافق بين المملكة العربية السعودية وإيران؟
– لقد أكّدتُ مراراً وتكراراً أنّ المملكة العربية السعودية لم ولن تتدخّل في الشأن اللبناني، وخيرُ دليل على ذلك انّنا عندما تأخّرَ لبنان في تشكيل الحكومة، لم نتدخّل ولو بكلمةٍ واحدة، وبالتالي إنّنا نرى انّ الفراغ الرئاسي مضِرّ بلبنان وقد استغرقَ وقتاً طويلاً أكثرَ ممّا يجب، ونتمنى ان يُجمع اللبنانيون على شخص توافقي تقبَله كلّ القوى السياسية وكلّ الأفرقاء السياسيين ويقود هذه المرحلة، وهي مرحلة ليست سهلة، ونتمنّى أيضاً أن يستطيع مَن يتمّ اختياره قيادةَ هذه المرحلة بحُكم علاقاته الداخلية مع أبناء وطنه، ومع القوى السياسية، ومع العالم المحيط بلبنان، بل مع العالم أجمع.
المطلوب ان تكون هناك شخصية تستطيع الاستمرار في تحصين لبنان والنهوض به والتأثير على كلّ القوى السياسية لِما فيه مصلحة لبنان سواءٌ من حيث التعيينات أو من حيث الوضع الاقتصادي والخطة الامنية، والتعامل مع كل ما تركه هذا الفراغ الرئاسي من تأثيرات وجَمع شَمل القوى السياسية ليعيشَ لبنان مثلما عاشَ في الماضي ويستعيد عافيتَه، والمهمّ جداً في هذه المرحلة هو أن لا يضَيّعَ اللبنانيون فرصة الصيف، ولكن هذا الأمر له متطلبات جادّة، لأنّ أيّ حادث، لا سمحَ الله، حتى ولو كان حادثاً بسيطاً سيؤثّر على رغبة الناس في القدوم الى لبنان، وبالتالي أعتقد أنّنا على ابواب رمضان والجوّ طيّب في لبنان وفي نهاية رمضان سيأتي العيد، ومن ثمّ تبدَأ إجازة الصيف الكاملة، ونتمنى ان نرى شيئاً في هذه الايام يحَقّق الخطة الامنية ويطَمئن الناس.
• هناك مَن يقول إنّ أزمة لبنان ليست أولوية في اهتمامات الجهات الإقليمية والدولية المؤثّرة فيها، الأمر الذي يؤخّر انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية؟
– بكلّ أمانة أعتقد أنّه لا يجوز بقاء لبنان بلا رئيس، فهو يستحقّ أن يكون له رئيس، ويستحق ان يَحظى برعاية دولية، ولديكم كثيرٌ من السفراء الآن الذين لم يستطيعوا ان يقدّموا اوراق اعتمادهم نظراً لعَدم وجود رئيس للجمهورية ليقبلَها.
وفضلاً عن تأثّرِ الوضع الديبلوماسي سَلباً نتيجة عدم اعتماد السفراء وتعيينهم، هناك مشكلة من حيث الاولوية، وأنا لن اتحدّث عن المجتمع الدولي وأولوية لبنان، لكن دعني أؤكّد لك انّ لبنان يَحظى بالاولوية في اهتمامات القيادة السعودية وفي اهتمامات خادم الحرمين الشريفين وأعتقد أنّ دولة رئيس الوزراء الأستاذ تمام سلام والوزراء الذين رافقوه في زيارته الاخيرة للمملكة سمعوا هذا الكلام من مقامه الكريم، إذ عَبَّر عن عاطفته تجاه لبنان، وكذلك عبّر عن حِرصه عليه، وعن تمنياته ان يرى لبنان آمنا ومستقرّاً ومزدهرا، وأن يرى اللبنانيين متّفقين، وأن يرى في قصر بعبدا رئيساً للجمهورية.
• في الآونة الأخيرة قيل كلامٌ كثير وإشاعات على أنّ الهبة السعودية البالغة أربعة مليارات دولار لتسليح الجيش اللبناني قد توقّفَت؟
– لا أعتقد أنّ هذه المكرمة توقّفَت، هذه المكرمة اعتُمِدت ووُقِّعت وتمّ الاتفاق عليها بين المملكة العربية السعودية وفرنسا ولبنان، وليس هناك أيّ إشارة الى توَقّفها أبداً، وإذا كان هناك أيّ تأخير فقد يكون فنّياً أو تقنياً بين الجهات المعنية له أسباب لا أعرفها، المملكة موَّلَت ولكن ليس هناك ايّ إشارة تدلّ على انّ هذه الهبة توقّفَت أو ستتوقف.
• تواظبون على عقدِ لقاءات دورية مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة تمام سلام وعدد من القيادات السياسية، هل تلعب المملكة دوراً معيّناً في معالجة أزمة التعطيل الحكومي والنيابي السائدة؟
– إنطلاقاً مِن حِرص خادم الحرَمين الشريفين على رعاية لبنان نحن ننفّذ هذه السياسة الكريمة، وبرعايته الكريمة نتواصل مع كلّ القوى الفاعلة في لبنان، لتشجيع جميع الأفرقاء على ما فيه مصلحة لبنان، ولكنّنا لن نتدخّل في ايّ شأن لبناني داخلي مهما كانت الظروف، لأنّ هذه مِن ثوابت السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية بعدم التدخّل في شؤون أيّ دولة أخرى.
وبالتالي نحن نتواصل مع جميع القوى السياسية، مع دولة الرئيس نبيه بري وهو رجل حكيم، رجل لديه بُعد نظر، رجل ينظر الى لبنان أوّلاً، نتواصل ايضاً مع دولة رئيس مجلس الوزراء تمام سلام الذي يبذل جهداً كبيراً.
وقابلتُ كثيراً من الوزراء في كلا الفريقين في مناسبات عدّة وهُم لا يحَبّذون ان يروا الوضع الحكومي معطّلاً، وأكّدوا أنّهم كانوا مرتاحين الى الأداء الحكومي في السابق نظراً إلى الإنجازات التي كانت ملموسة لدى اللبنانيين، وبالتالي نأمل في ان توفّق الجهود الطيّبة والخيّرة التي يبذلها دولة الرئيس نبيه بري ودولة رئيس الوزراء والقوى السياسية الراغبة في عودة الحكومة الى أدائها، في تحقيق هذا الهدف الذي هو أملُنا.
• كيف تنظرون إلى مستقبل الحوار الجاري بين تيار “المستقبل” و”حزب الله”؟
– نحن ندعَم ايّ حوار لبناني – لبناني يقود الى استقرار الوضع الامني في لبنان وتحصينه ضد ايّ إفرازات ويدرأ الفتنة التي لبنانُ والمسلمون عموماً في غنىً عنها. ونتمنّى ان تستمر هذه الحوارات، سواءٌ المسيحية أو الإسلامية الى ما فيه مصلحة لبنان، والمملكة حريصة دوماً على توافق اللبنانيين لِما فيه مصلحة بلدهم.
• ما هو موقفُكم من المجزرة التي ارتكبَتها “جبهة النصرة” الأسبوع الماضي في حقّ المواطنين الدروز السوريين في بلدة قلب لوزة في محافظة إدلب؟
ـ إنّ ما حصل هو عملٌ إرهابي مستنكَر ومُدان. وإنّنا إذ نعَزّي النائب وليد جنبلاط وعائلات الضحايا وأبناء طائفة الموحّدين الدروز بالضحايا، نَعتبر أنّ السبيل الأفضل لمواجهة الفتنة هو التحَلّي بالحكمة والتعَقّل والتعالي على الجروح.
ولا يَسعنا في هذا المجال إلّا أن نثَمّن موقفَ النائب جنبلاط الذي إتّسَم بالعقلانية والحكمة، ونُشيد بروح المسؤولية العالية التي يتصرّف بوَحيها إزاء الأحداث المفصلية. فما تَشهده المنطقة من أحداث غريبة عن تاريخها وحضارتها وأصالتها يفرض على الجميع التنبّه والوعيَ وتعزيز أواصر الوحدة الوطنية لإحباط ما يُحاك من مؤامرات تستهدف ضربَ العروبة وإضعافها”.