
لم تعد سياسة توزيع الأدوار التي ينتهجها دروز لبنان إزاء مصير أبناء طائفتهم في سوريا تجدي نفعاً في حماية هؤلاء، تحديداً بعد المجزرة التي شهدتها قرية “قلب لوزة” في محافظة إدلب السورية.
ولعل الاختلاف الواضح في مواقف الزعماء اللبنانيين الدروز إزاء “إخوانهم في سوريا” مؤخراً، ينذر بأزمة انقسام عامودي فعلي قد تهدد وحدة دروز لبنان، ويضع مصير الأقلية التوحيدية على المحكّ ليس في سورية فقط، بل في مثلث سورية لبنان فلسطين في آن معاً. هكذا يقرأ متابعون للوضع الدرزي ما شهدته الساحة التوحيدية من غليان في الآونة الأخيرة.
وفي هذا السياق، قُرأ في حديث القيادة الاسرائيلية عن استعدادها لحماية الدروز، مجالاً لطرح علامات استفهام حول إمكان امتثال بعض ضعاف النفوس من دروز سوريا واللجوء للعدو التاريخي الأوحد إسرائيل، بهدف الحصول على السلاح والعتاد لحماية أنفسهم وأرضهم وعرضهم!
لكن، لمّا كان يُشهد لأبناء طائفة الموحّدين المسلمين عموماً تاريخهم المعادي للصهاينة حتّى الشهادة، بدءاً من تاريخ سلطان باشا الأطرش وصولاً إلى دور المعلم الشهيد كمال جنبلاط الجوهري في دعم القضية الفلسطينية، وصولاً الى توحّد كافة القادة الدروز الحاليين حول العداء المطلق للعدو الصهيوني على امتداد الشرق وصولاً الى قلب فلسطين المحتلة، فقد دقّ مشايخ وسياسيون دروز ناقوس الخطر من ما سمّوه “مجموعة الشعارات الفارغة التضليلية والمسمومة التي تصدر بين الحين والآخر عن بعض القيادات في الكيان الصهيوني”، مؤكدين ان “هذا الكلام يثبت مفهوم المؤامرة الصهيونية التي تسعى لتشويه تاريخ وأصالة عروبة الموحدين المسلمين في هذا الشرق، خدمة لمشروعها التقسيمي المعروف”.
في سياق سياسي متّصل، رأت مصادر متابعة للملف الدرزي لصحيفة “النهار” الكويتية، ان “انقسام الدروز في كل من لبنان وسوريا بين مؤيد لنظام الرئيس الأسد ومعادٍ له، هو ما فسح المجال لمثل هذه المزايدات من المستفيدين من بث الفتنة والتفرقة بين ابناء الطائفة الواحدة تحت شعار “فرّق تسد”، لافتةً الى ان “ما يتعرض له الدروز في سوريا هو جزء مما يعرض له ابناء الطوائف الأخرى، في ظل المخطط الدولي الاكبر القائم على تقسيم سورية وتمزيقها تماماً كما يحصل في سائر دول الشرق”.
واعتبرت المصادر ان “ما يرى فيه البعض انقساماً بين دروز لبنان على خلفية مجزرة إدلب الأخيرة ليس أكثر من توزيع أدوار ينضوي تحت اطار الواقعية السياسية، هدفه حفظ خط العودة للدروز بأي حال من الحالات التي قد تفرضها التطورات الميدانية في سوريا”، مستغربة كيف ان “بعض الأصوات المزايدة تشير باصبع الإتهام الى دروز سوريا والى دعوات بعض قادة الدروز في لبنان للتعامل مع “جبهة النصرة”، على خلفية التقاطع الميداني والسياسي القائم بين “النصرة” والعدو الاسرائيلي”.
بدوره تحدّث وكيل الشؤون الداخلية في الحزب التقدمي الإشتراكي هادي ابو الحسن عن أوضاع الدروز في سورية ولبنان، ونفى، في تصريح لـ”النهار” الكويتية، أي كلام عن انقسام حاد بين دروز لبنان على خلفية ما يحصل في سوريا”، رافضاً الحديث عن توزيع أدوار. وقال: ليس هناك أي توزيع للأدوار بين المسؤولين الدروز في لبنان فيما يختصّ بالمواقف من الأحداث السورية، بل هناك مقاربات مختلفة لا تصل الى حد الإنقسام. وتابع: إذا كنّا كحزب تقدمي اشتراكي نسعى لتنظيم الخلاف والإختلاف مع كل المكوّنات اللبنانية، فكيف بالحري عندما يتعلق الامر بالداخل وبيننا كأبناء طائفة واحدة؟
وردّاً على سؤال حول الدور الذي يلعبه وليد جنبلاط في منع دروز لبنان من تنظيم الوقفات التضامنية مع “إخوانهم” في إدلب، قال ابو الحسن ان “ما جرى في دار الطائفة الدرزية الاسبوع الفائت كان خير تعبير عن تضامن دروز لبنان مع إخوانهم في سوريا، كما ان التظاهرة التي حصلت خارج الدار لم تُقمع بل عبّرت عن نظرة مختلفة تماماً عن نظرة وليد جنبلاط، أما إذا كان السؤال مطروحاً حول الدعوة التي تم تداولها عبر مواقع التواصل الإجتماعي للمشاركة في مسيرة تضامنية في مدينة عاليه، تضامناً مع دروز إدلب، فهذه الدعوة كانت ولا زالت مبهمة ولم يعرف مصدرها حتّى الآن، وأي حدث مجهول المصدر يثير الإرتياب والشكوك ليس لدينا فقط بل لدى كل الاوساط في الجبل، من هنا اقتضى التحذير منها والدعوة لعدم الإمتثال إليها نعم، مخافة استغلالها لإثارة اي شغب أو فتنة او حساسيات نحن بغنى عنها”.
وأكّد أبو الحسن أن “جهود الحزب “التقدمي الاشتراكي” في هذه المرحلة تنصبّ على الدعوة للإبتعاد عن أي خطاب تحريضي فتنوي وعن أي فرصة لتأجيج الإحتقان في الشارع”، وشدد على رفض الحزب لأية دعوة للإقتصاص من النازحين السوريين في قرى وبلدات الجبل”، معتبراً ان “هذا السلوك يدعم منطق النظام السوري وأهدافه ولا يحمي دروز سورية على الإطلاق”.
وردّاً على سؤال حول ما إذا كان الدروز في لبنان يتسلّحون ويتدرّبون ليكونوا بأتمّ الجهوزية في حال احتاج دروز سوريا لدعم ميداني منهم، أكّد ابو الحسن انه “حصل تواصل مع شريحة كبيرة من رجال الدين في لبنان، وقد أبدوا جميعاً تفهّمهم وإدراكهم لحساسية ودقة هذه المرحلة، ومعظمهم يلتقون مع توجّهات جنبلاط في تحكيم لغة العقل والمنطق والتشديد على الخيار السياسي السلمي كحل مثالي لحماية الدروز في سورية والمنطقة”.
ولفت ابو الحسن الى ان “امام دروز سوريا في هذه المرحلة احد خياريْن، إما الإنتحار ومواجهة المخاطر دون اي مسوّغ سياسي ومن دون اي غطاء سياسي او خلفية سياسية ما يعني الدخول في المجهول، وإما التفاهم مع المحيط والذهاب الى المصالحة مع المحيط من أهل حوران ودرعا”.
وأجاب رداً على سؤال حول دور جنبلاط في تكريس المصالحة بأن “خطوات إيجابية كثيرة بدأت تتحقّق في هذا السياق، من خلال الدور الطليعي الهام الذي يقوم به وليد جنبلاط من خلال التواصل مع معنيين في الأردن لإتمام مصالحة الدروز والتفاعل الطبيعي مع محيطهم في حوران ودرعا كما كانوا تاريخياً، فضلاً عن دوره في التواصل مع تركيا فيما يختصّ بوضع إدلب”، ونوّه إلى ان “الامور تسير باتجاه التهدئة”، داعياً “دروز سوريا في جبل العرب لتلقّف المبادرات ورؤية الامور من منظار أوسع وأبعد لضمان سلامتهم والتمسّك بأرضهم”.
وحول تعريض وليد جنبلاط ابناء الطائفة الدرزية للخطر من خلال تحريضهم على عدم الالتحاق بصفوف الجيش السوري، أكد ابو الحسن ان “هذا الموقف قديم جديد لجنبلاط دون وجل او تردد. فنحن كنا ولا نزال الى جانب الشعب السوري في تقرير مصيره، خصوصاً ان هذا المسار الطبيعي للثورة لا بد ان يأخذ مجراه يوماً، حيث سينتصر الشعب السوري من اجل الحرية والديموقراطية والكرامة، ولن نجد أفقاً لهذا النظام المتهاوي في المعادلة السورية الجديدة، خصوصاً ان الدروز مكوّن طبيعي من ضمن مكونات الشعب السوري وقد عانوا ما عانوه من القمع وكم الأفواه وإقصاء النخب من قبل هذا النظام”، مشدداً على أن “هذه الدعوة تأتي ضمن سياق حماية الدروز في محيطهم الطبيعي ذات الغالبية السنّية الثائرة على نظام القتل والقمع”.
وأكّد أبو الحسن ان “النظام السوري أعطى مؤشّرات لبدء تخلّيه عن دروز سوريا من خلال التضييق على أبناء جبل العرب، وإبقاء السويداء بلا كهرباء ومواد أولية، وسحب القمح من إهراءاتها، وسحب السلاح الثقيل من المحافظة وغير ذلك من إجراءات تعسّفية بحق أبنائها”، موضحاً أن “حالات التمرّد والتخلّف عن الإلتحاق بالجيش السوري بدأت بدون دفع من وليد جنبلاط أو سواه، بل كردّ فعل طبيعي على ممارسات هذا النظام بحق دروز سوريا وجميع مكوناتها الثائرة في وجه الظلم والطغيان، ما يدل على ان الأمور تأخذ مجراها الطبيعي نحو انتصار الشعب السوري”.
ولمّا كانت معلومات “النهار” الكويتية، أكّدت أن مجموعة متقدّمة من رجال الدين داخل الطائفة الدرزية تبحث فيما بينها خيار الاستفادة من اراضي الوقف الدرزي في جبل لبنان لبناء مجمّعات سكنية على وجه السرعة لتكون جاهزة لاحتواء اي تهجير قد يتعرّض له الدروز من سوريا الى لبنان، نفى ابو الحسن الأمر، مشدّداً على ان “الموضوع غير مطروح حتّى اللحظة، والمعروف تاريخياً أن المسلمين الموحدين الدروز متجذرون في أرضهم ويدافعون عنها في شتّى الظرو، ومعروف عنهم في الوقت نفسه وحدتهم والتفافهم لدرء اي خطر يحدق بهم، لكن هذا الخيار ليس مطروحاً الآن، ثم ان لكل ظرف حكمة ولكل مقام مقال”.
