يوم من الجحيم… كن رجلاً فوق الرجال

يوم دق الخطر على الابواب هب شعب مناضل للدفاع عن الارض التي غمرت مساحتها بدماء وتضحيات الاجداد فشكلت وطناً اسمه لبنان. و من أجل النجاح في الدفاع عن وطن تركه لنا اسلافنا وقد كلفهم عرقاً و دماء و تعباً، فكان لا بد أن نكون جاهزين لدرء هذه الاخطار وأن نكون على قدر تضحياتهم.

صدرت برقية عن هيئة الاركان العامة في القوات اللبنانية” بعد عام 1986 موجهة إلى ثكن “القوات اللبنانية” تدعوها لإعلام من لديه المؤهلات الجسدية والنفسية  من عناصرها ويكون عمره بين 18 و 21 سنة عن افتتاح دورة لقوات النخبة في “القوات”. حددت مواعيد الامتحانات الخطية والنفسية والفحوص الطبية ومن يؤهل بعدها لديه مواجهة مع لجنة متخصصة من ضباط الوحدة التي تقام هذه الدورة لصالحها.

بدأت الطلبات ترد إلى الشعبة الاولى في الوحدة التي انشئت الدورة لمصلحتها وقد احصت الشعبة الاولى يومها 442 طلباً مستوفين الشروط.

تم تعيين ملازم اول في تراتبية “القوات اللبنانية” آمراً للدورة يعاونه ضباط ورتباء كما تم تعيين مكان التدريب وهي ثكنة عسكرية انشئت لهذه الغاية في منطقة جبلية مخفية بين الاشجار و الصخور تصل اليها عبر طريق ترابي وحيد.

انتقل آمر الدورة و ضباطه إلى الثكنة التي سيتابع فيها المتدربون الجدد “دورة الجحيم” التي ستستغرق اربعين يوماً. وبعد معاينة الموقع وما ينقصه من مستلزمات لوجستية والايعاز إلى الشعبة الرابعة في وحدته بتأمين هذه المستلزمات وضرورة تحضيره في فترة زمنية لا تتجاوز الاسبوع وهكذا كان.

بدأت الفحوص الطبية للمتقدمين الجدد إلى الدورة حيث نجح  فيها 429 عسكرياً. بعدها بدأت الامتحانات الرياضية وهي عبارة عن جحيم من التمارين تبدأ في حمل كيس من الرمل زنة 15 كيلو وصعود درج عبارة عن 377 درجة وفي حرارة تبلغ 33 درجة مئوية والذي يصل إلى الدرجة 377 يكون قد فاز بالأنتقال إلى التمرين التالي. وهكذا دواليك حتى الانتهاء من كل التمارين. الاستعدادات لهكذا امتحانات تتطلب تحضيراً لا يقل عن ستة اشهر بمعدل 5 ساعات يومياً من التمارين المضنية. في المحصلة النهائية، فاز في هذه التمارين 114 عسكرياً. بعدها بدأ الامتحان النفسي مع اخصائيين في علم النفس، فنجح في هذه الامتحانات 99 عسكرياً.

صدرت مذكرة خدمة بأسماء الناجحين وعلقت على باب الثكنة التي تقام الدورة لمصلحتها، وحددت الوقت لبدء الدورة بعد اسبوعين من تاريخ صدور النتائج وعينت مكان التجمع حيث تكون هناك وسائل نقل لتنقل المتدربين إلى معسكر التدريب.

وصل العسكريون الـ 99 إلى المعسكر نحو الثالثة بعد الظهر وقبل توزيعهم في فصائل وحضائر مثلوا أمام اللجنة الفاحصة النهائية حيث سألوا بعض الاسئلة من وحي الدورة والعمل المستقبلي وبعدها تجتمع اللجنة لتقويم الاجوبة واتخاذ القرارات المناسبة لمن سيشارك في الدورة بشكل نهائي.

ساعات ثلاث مرت حيث مَثُلَ الجميع امام اللجنة وعين اجتماع الساعة 23:00 وبعد التشاور تقرر اشراك الجميع في الدورة لأن الاجوبة كانت منطقية لدى الجميع مع العلم كانت هناك متاهة كبيرة في طرح الاسئلة التي وضعتها لجنة عسكرية بمشاركة اخصائيين بعلم النفس.

الساعة 23:00 نادى رتيب الخدمة إلى الاجتماع حيث تليت الاسماء و توزع الجميع في فصائل و حضائر وعين لكل فصيلة مدرب يعاونه ثلاثة رتباء.

تقدم الضابط الاعلى رتبة من ناحية الاقدمية وقدم السرية إلى أمر الدورة الذي بدوره القى فيهم محاضرة عن ما ينتظرهم من التدريب والقساوة و تحمل المشقات. وأضاف ان الذي لا يستطيع القيام بهذه الدورة عليه أن ينسحب الآن لأن بعد هذه المحاضرة من سينسحب ستكون بانتظاره مشقات كبيرة و بعدها يغادر الدورة إلى مكان عمله الاساسي.

بدأ نهار التدريب الساعة 24:00، فهنا ليس معسكراً عادياً انما هنا الجحيم على الارض المتمثل بضباط لا يعرفون الرحمة انما يخرّجون وحدات قتالية تستطيع الصمود في احلك الظروف واصعبها، العسكرية منها والمناخية ليل نهار لا فرق.

بدأت تمارين الخشونة وها هم الضباط والرتباء يخلعون رناجرهم امام المتدربون الجدد الذين دهشوا من المشهد لظنهم ان هناك دعابة وما هي سوى لحظات حتى اعطيَّ الامر بنزع الجميع للرنجر وبدأت رحلة العذاب لمسيرة ركض في الطرق الترابية لنحو ساعتين من الزمن ومن ثم العودة إلى المعسكر ودون غسل الارجل انما ارتداء الرينجر وبدء دروس القتال لنحو ساعتين ايضاً. عند الانتهاء كانت هناك “الحلقة” وهي عبارة عن ركض بشكل دائري مع السلاح والجعبة يتخللها تمارين القرفصاء والزحف ومشية البطة ورفع السلاح في العالي حتى تصل في نهاية المطاف إلى ما يسمى “التعب الكلّي”. وبعدها الذهاب إلى الاغتسال بماء مجلدة وليس ساخنة وذلك من أجل جعل المتدربين في جو قاسٍ نفسياً و جسدياً. الجميع توجه إلى المهاجع واطفئت الانوار وخلد الجميع إلى النوم قرابة الخامسة فجراً. الساعة العاشرة نهوض والقيام بالقيافة (النظافة الشخصية) والترويقة وبعدها الرياضة الصباحية إلتي تلي الترويقة وهو نمط غير متعارف عليه في التدريبات العادية. بعد الرياضة الصباحية، عودة الجميع إلى النوم لساعة من الوقت وبعدها دروساً نظرية وقوفاً بالسلاح في الشمس الحارقة.

انه وقت الغداء وما ادراك ما هو وقت الغداء؟ قبل التوجه إلى الغداء عليك المرور بتمارين “البارفيكس” اقله 15 وما دونها يحرم من الاكل. وبعدها تمد طاولة من الوجبات الساخنة التي تأتي خصيصاً من الثكنة إلى المعسكر مع مراعاة الوحدات الحرارية وفق اخصائيين في هذا المجال. الجميع “تأهب” يصرخ رتيب الخدمة وبعدها تتلى صلاة خاصة بالمناسبة من التوراة بهذه الوحدة المتميزة.

يعطى الامر بالجلوس ويخبرهم الرتيب المدرب تستطيعون اكل ما يحلو لكم و لكن بشرط واحد: “لديكم فقط دقيقتين” وعند امر تأهب الجميع يوقف الاكل. وهكذا بدأ العد العكسي على كرونومتر المدرب وما أن اصبح الوقت دقيقتين حتى صرخ بهم تأهب وهكذا انتهت الوليمة التي حلموا بها لدى مشاهدتهم اطباقها الشهية.

انتقل الجميع إلى التدريب وما أن حل المساء حتى كان هناك 17 عسكرياً ارادوا ايقاف الدورة والعودة إلى ثكنهم ولكن لإيقاف الدورة شروط قبل السماح لهم بالمغادرة وهي عبارة عن ربط المنسحبين على شجرة حيث يتدلون منها ونزع ثيابهم ومرور الباقين وسكب عليهم المياه المجلدة والوحل حتى درجة وصولهم إلى الاغماء وبعدها ينزل العسكري عن الشجرة ويحلون وثاقه ويسمحون له بالاستحمام ولكن مع سماعه تأنيب آمر الدورة والمدربين وانه فشل أن يكون رجلاً فعلياً.

انه اليوم الاول فقط وهكذا دواليك كل يوم وفي ظروف مناخية صعبة ومشقات جسدية لا يتحملها سوى قلة قليلة من الرجال حتى وصول اليوم 39 من “دورة الجحيم”، حيث بنهاية الدورة في اليوم التالي لم يبقَ سوى 15 متدرباً والذين سيتابعون اختصاصتهم بعدها ليتخرجوا بعد سنتين على أقل تعديل.

الـ15 الذين بقيوا في هذه الدورة شاركوا في الحروب المتنقلة في تلك المرحلة مع رفاق لهم لفترة متواصلة في التحام مباشر لمدة 96 ساعة دون فقدانهم التركيز او قدرتهم على القتال.

أن تخبر عن الحدث شيئاً وأن تعيشه أمرٌ آخر مختلف تماماً. من اجل القيام بمهام غير عادية والنجاح بها لا بد من تدريب غير اعتيادي حيث تطوّع المستحيل وتمحو من قاموس الحياة كلمات مثل “لا نستطيع، غير ممكن، او مستحيل”، هذه هي المقاومة اللبنانية التي عرفت وإني اشهد على ذلك.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل