.jpg)
في مسارات طوائف لبنان وأحزابه، “الدولة” مرحلة عابرة. خليلة موقتة، ما أن ينضب جمالها حتى يعود الجميع الى بيوت آبائهم. تتمسك الطوائف-الأحزاب أو أحزاب الطوائف بمفهوم “الدولة” عندما تكون الدولة طوع بنانها، فإذا خسر حزبٌ وزارةً أو مديراً عاماً أو قائم مقام، حوَّل الدولة خصماً جائراً، ورفع شعارات الغبن أوالإحباط.
يبدو لافتاً عدد القضاة والضباط الذين ما أن تقترب سنة تقاعدهم، حتى ينخرطوا في دوائر أحزاب طوائفهم الأم. قبل سنة كانوا تحت قسم الولاء لمؤسستين جامعتين مركزيتين وطنيتين. بعد سنة ها هم يخلعون جزمة الميدان و”روب” القوس، ويعودون الى أبناء جلدتهم. بسرعة طبيعية ينتقلون من “فوق الأحزاب” الى صفوفها. متى كانوا على حق؟ أيوم كانوا “أبناء الدولة”، أم يوم أصبحوا “أبناء الأحزاب”؟ ويبدو لافتاً أكثر، أنه في ظل انهيار كل مؤسسات السلطات المركزية، من رئاسة وبرلمان وحكومة، وشواغر الإدارات، وحدها السلطات اللامركزية الممثلة بمجالس البلديات، لا تزال تعمل وبفاعلية. “كهرباء لبنان” منذ خمس وعشرين سنة عاجزة وبطلة العجز في الموازنة، و”كهرباء زحلة” استطاعت في شهر تأمين التيار 24 على 24.
بعد 17 تموز سيغرق لبنان في نفاياته، والسبب أيضاً، المركزية المتوحشة. اكتمل ملف المتن وكسروان وجبيل، ولكن إحجام الشركات عن مناقصة بيروت يجبر الحكومة على تجميد كل المشروع. فمتطلبات الوحدة الوطنية تتطلب ” نفايات متوازنة”، ومعممة على مساحة الدولة الواحدة غير الموحدة. نفايات في السوية عدل في الرعية!
إذا كانت اللامركزية تداوي اللادولة فماذا ننتظر؟ صيغة لبنان فريدة في نواح عديدة. “دولة المتقاعدين” أفعل وأنجح من دولة “موظفي الدولة”. ومن السخريات اللبنانية معارك تقاعدِ أو عدم تقاعد هذا المسؤول أو ذاك. في بعبدا تنحصر معظم المعاملات الرسمية للجمهورية اللبنانية، وقصر بعبدا يشكو غياب رئيس الجمهورية. ومن السخريات أيضاً أن الدولة تطبق اللامركزية في أبشع حالات الإفلاس السياسي. فبدلاً من رئيس واحد، أصبح لدينا 24 رئيس جمهورية في السراي الحكومي، ولأن الوزراء تحولوا رؤساء لم تعد الحكومة قادرة على الإنعقاد!
اللامركزية البشعة ممثلة أيضاً في اللاحصرية في امتلاك السلاح. “حزب الله” الواحد يتصرف كأنه في دولة الحزب الواحد. والدولة بسياستين خارجيتين: سياسة الحكومة وسياسة “حزب الله”. كيف ستقنع مراهقاً بالدولة المركزية وهو يدفع بالليرة والدولار واليورو في سوبر ماركت واحد!